مدرستي؛ وأغلب مدارسنا الابتدائية منذ خمسينات القرن الماضي، كانت تنظم رحلات جماعية ممتعة.. طولها: الرصيف الممتد ما بين باب مدرستنا ومدخل صالة السينما؛ نعبره في طوابير: اثنان.. تلو اثنين، يقود كل طابور: مُدرِّس الصفّ أو معلمته، بينما تفور البهجة من وجوهنا وصدارينا وحقائبنا المدرسية؛ وحتى.. من جواربنا داخل الأحذية!.

طابور من الأفلام بالأبيض والأسود.. رأيناها بالطوابير: الناصر صلاح الدين، جميلة بوحيرد، وفيلم هندي جعلنا ندخل في نشيج جماعي: اليتيمان، حتى تحولت صالة السينما إلى مجلس عزاء ميلودرامي، اختلطت فيه الدموع بالرقص الهندي البهيج! كنا سنحضر فيلماً هندياً من الصنف ذاته،

وقد دفعنا «فرنكاً» غير مَبْخوش، وانتظمت طوابيرنا في الباحة، حيث حصل خطأ في التنسيق بين إدارة المدرسة وإدارة الصالة، فسبقنا إلى الفيلم طابور تلاميذ من مدرسة أخرى، احتل مقاعد حفلة الساعة 11 صباحاً، وحين أخبرونا بذلك أخذنا نهتف منددين بذاك الاستعمار السينمائي البغيض.

لحسن حظنا.. احترق شريط الفيلم واندفع حريق في الصالة. ولسوء حظنا.. فقدنا زملاء وأقارب لنا في ذاك الحريق. بقيت سينما «أوغاريت» مغلقة على رمادها، وكنت أظن أنهم لو فتحوا الأبواب لانطلقت أصداء صرخات الأطفال الراجفة.. من جديد.مع ذلك.. لم يمنعنا ذاك الحريق، كما لم تمنع الحرائق المعتادة المتواترة في دور السينما آنذاك، من العودة إلى بهاء السينما وسحرها الجليل.

عُدْنَا.. لنصطف في طوابير الإعدادية، ولنرى: كفر قاسم لبرهان علوية، رجال تحت الشمس لغسان كنفاني، الفهد.. لإغراء وأديب قدورة؛ هكذا.. نسبنا الفيلم آنذاك إليهما، وليس.. لحيدر حيدر.. كاتبه، أو لنبيل المالح.. مخرجه! بعد موجة «سينما المؤلف/ المخرج/ المونتير» في آن معاً، صار الجمهور كلّه: طوابير من الممثلين!!مع كل فيلم من هذا النوع الفريد، أتفحَّص قبل حضوره: منافذ النجاة في الصالة، وقوارير إطفاء الحريق!!