أصدر الناقد والمؤرخ السينمائي الأميركي ريتشارد سكيكل كتاباً جديداً عن سيرة المخرج إيليا كازان، تقديراً لدوره في تطوير الفن السينمائي والمسرحي في الولايات المتحدة خلال منتصف القرن الماضي. حين كان كازان من أبرز مخرجي تلك المرحلة بداية على خشبة برودواي بإخراجه أعمال الكاتبين الأميركيين تنيسي وليامز وآرثر ميلر، مساهماً بقوة في شهرتهما العالمية.
كما عمل مع الكاتب الأميركي كليفورد أوديتس المعروف آنذاك بكتاباته النقدية اللاذعة لسياسات أميركا في الداخل والخارج. وتقرب إيليا كازان المعجب بالروائي الروسي دوستويوفسكي من التيار اليساري الأميركي وما لبث أن وشى بأسماء كل أصدقائه «اليساريين» أثناء شهادته أمام لجنة الكونغرس في العام 1952، في ظل حمى «المكارثية» الباحثة عن أعضاء «الحزب الشيوعي الأميركي»، فأطلقت الاتهامات جزافاً.
مما دفع بأصدقاء كازان وبالأوساط الفنية إلى أن ينبذوه، فرفض كل من آرثر ميلر ومارلون براندو وغيرهما مجرد مصافحته بعد هذه الفضيحة، التي دفعت برائد الفلسفة الوجودية الفرنسي جان بول سارتر إلى أن يكتب بيانه الشهير ضد كل مثقف يسقط في العار الذي سقط فيه كازان.
فوقَّع أكثر من ألف مثقف وفنان ومفكر عالمي على هذا البيان الذي جاء فيه: «المثقف بالضرورة هو صوت مختلف عن السائد والتقليدي، أولى مهامه تغيير الواقع نحو الأفضل. ولا قيمة لفنان أو مبدع أو مثقف يجلس إلى جانب السلطة، فهذا أمر ضد منطق العقل الجدلي». ودعا البيان إلى عقاب المثقف الذي يحاول أن ينضوي في سياسة «القطيع».
فالعقاب هو شرف نادر لا يناله إلا من تخلى عن دوره الإنساني العميق الذي لا يموت، إلى دور «حيواني» مجاني هو زائل حتماً. عندما منح كازان أوسكار عن مجمل أعماله وهي أرفع جائزة تقدمها الأكاديمية السينمائية الأميركية لمخرج أو سينمائي، ثارت ثائرة 90% من فناني أميركا وحاولوا الضغط بشتى الوسائل للتراجع عن منحه هذه الجائزة.
وشنت الأوساط الإعلامية هجوماً مماثلاً على كازان واصفة إياه بالخائن الذي لم يعتذر عن فعلته، بل إنه حاول تبرير فعلته بإخراج فيلم تحت عنوان «رجل في موقف صعب» في العام 1953، وهذا كان وضع إيليا كازان نفسه حين صعد في العام 1999 لينال أوسكاره الموعود،
فلم يصفق له أحد، ولم يجد حماسة في الصالة التي كانت تضم العديد من نجوم هوليوود، من أجيال مختلفة، بعضهم ولد بعد مرحلة المكارثية، فبدا الأمر وكأن التاريخ كله يعاقب هذا الفنان ليطرح الأمر سؤالا حقيقياً هل يستحق إيليا كازان كل هذا العقاب وهذا النبذ؟
يرفض ريتشارد سكيكل استمرار المعاقبة هذه من دون الأخذ بعين الاعتبار قيمة كازان الفنية الكبيرة التي تركت للعالم أكثر من عشرين عملاً تعتبر من روائع السينما في تاريخها. ويقول: «يجب الاكتفاء بالاعتذارات غير المباشرة التي قدمها المخرج العبقري في أكثر مكان ومناسبة، إن كان في بعض أفلامه، أو في كتابه (حياة)، إذ يجب الانتباه إلى الحالة الهستيرية التي فرضها السيناتور مكارثي في تلك الآونة».
من الصحيح أن أعمال كازان تعتبر خالدة في تاريخ الفن السابع، وهو المهاجر اليوناني المولود في تركيا سنة 1909، التي غادرها إلى الولايات المتحدة بعد أربع سنوات على ولادته، وأصبح أميركياً، أي بلد الحريات السياسية وقيمها،
حيث المبدع الفنان يستطيع أن يلعب دوره التاريخي المنتظر كما يقول المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي» على المفكر أن يكون مثقفاً عضوياً، ملاصقاً لقضايا الناس، ومستخدماً عبقريته لرفع سيف الظلم عنهم». فهل يستطيع سكيكل أن يطهر من إثم أقبح من الخيانة؟
حسين قطايا
