في أشد الأزمات المالية التي عصفت بالأرجنتين، ترك اليخاندرو بيتشاني، وظيفته المرموقة في دويتش بانك، في لندن، لمباشرة أعماله التجارية الخاصة في وطنه الأم.

وبعد أربع سنوات يبدو أن استراتيجيته حققت نتائجها المرجوة، إذ تقوم »خوزيه« الشركة التي أسسها بمشاركة اثنين من رفاق الدراسة، بتصدير الشاي الفاخر، والمنتجات العشبية إلى بريطانيا والولايات المتحدة والقارة الأوروبية، والشرق الأوسط، وآسيا.

وبالرغم من أن المبيعات لم تتجاوز 100.000 دولار عام 2004 إلا أنها نمت بواقع 500 في المئة العام الماضي.إن شخصاً يبتكر مثل هذا النجاح المهني في إحدى بلدان العالم متوسطة الدخل، لم يكن مفاجأة لواضعي »غلوبال انتر برنيترشب مونتيور« أكبر تحليل عالمي للأنشطة التجارية المبتدئة، الذي نشر دراسته السنوية السابعة هذا الشهر.

ولقد ساهم أكثر من خمسين أكاديمياً من 35 بلداً، في خمس قارات، في تجميع البيانات، حيث قسموا العالم إلى اقتصادات متوسطة الدخل وأخرى مرتفعة الدخل، بناء على إنتاجها الإجمالي المحلي بالنسبة للفرد.

ومعدل نموها الاقتصادي وقد وجد هؤلاء، أن البلدان متوسطة الدخل، تتمتع بحصة أكبر من الأفراد المشتغلين في مشروع تجاري، يحمل في آفاقه إمكانات نمو عالية بالإضافة إلى نسب مئوية عالية من الناس المباشرين لمشاريعهم الخاصة، أكثر من البلدان عالية النمو.

ولاحظت الدراسة التي خضعت لإشراف مشترك من قبل بوسطن كوبغ في الولايات المتحدة وكلية تجارة لندن، وجود صلة مباشرة بين معدل النمو بالنسبة للفرد الواحد في البلدان متوسطة الدخل ومستوى النشاط الابتكاري الاستثماري في تلك البلدان.

وكان بيتشاني أقل نموذجية بالنسبة لدراسة غلوبال انتر برنيترشب مونيتور في استخدامه للتكنولوجيا أو افتقاره إليها ولعل أحسن ابتكار في »خوزيه« هو استخدامها لأكياس من الموصلين مربوطة باليد بدلاً من الأكياس التقليدية لتعبئة شايها.

ووجدت الدراسة أن تلك المشاريع الجديدة غالباً ما تساعد في تحريك تبني استخدام التكنولوجيا الحديثة في البلدان متوسطة الدخل والذي بدوره يساعد في سد فجوة دخل الفرد بين الدول متوسطة الدخل والأخرى مرتفعة الدخل، بحسب ماريا منيتي، مديرة البحوث والدراسات في المجموعة التحليلية والأستاذ المساعد للاقتصاد والمشاريع التجارية الجديدة في بابسون كوليج.

وتضيف ماريا، ان تلك التكنولوجيا قد لا تكون عالية، غير أن البلدان متوسطة الدخل، بإمكانها استخلاص الكثير منها، كونها تبدأ من الصفر، مشيرة إلى أن الصين، تنمو باستيرادها للتكنولوجيا، وإقرانها بمزايا تنافسية، هذا بالإضافة إلى أن نسبة عالية من آثار لحاق تلك البلدان بالركب، يرجع إلى المشاريع التجارية المبتدئة.

فالتكنولوجيا التي تنشرها ليست جديدة بالنسبة للعالم، ولكنها جديدة على المستوى المحلي، وهذا بدوره كاف لإحداث الأثر المطلوب للحاق بالركب.

ومن جانب آخر، فإن المشاريع الجديد، ليست بالضرورة أن تكون ابتكارية لتعود بالفائدة على الاقتصاد، نظراً لأن التهديد التنافسي وحده، كاف لدفع الأسعار إلى الانخفاض ورفع جودة الخدمات.

وتقول ماريا في هذا الصدد: عند الحديث عن شبان أميركيين، يخترعون جهاز كمبيوتر في مرآب، أو امرأة إفريقية تؤسس صنعة جدل السلال، فإن المشاريع الصغيرة مفيدة للاقتصاد.

وتضيف: ان الوضع المثالي للاقتصادات هو تحفيز المنافسة عالية النمو، التي تميل بطبعها لتكون أكثر ابتكارية، وليس كافياً وجود عدد كبير من المشاريع الجديدة.

وتعتبر فنزويلا، حيث يدير ربع السكان مشاريع جديدة، تمتلك أعلى معدل في العالم لأنشطة المشاريع الجديدة. غير أن معظم تلك المشاريع، لا تعمر أكثر من ستة أشهر.

وإلى ذلك قال فردريكو فيرنانديز، الذي قام بتجميع المعلومات لغلوبال انتر برنيترشب مونيتور، في فنزويلا »تمتاز الروح الفنزويلية، بالبحث فيما حولها، والإتيان بما هو جديد« غير أن ذلك كان مدفوعاً بوضع اقتصادي متردٍ، ولم يولد نمواً اقتصادياً.

ومن جانب آخر، فإن المشاريع الصغيرة في البلدان متوسطة الدخل، تفتقد الدعم الحكومي الذي تتمتع به في الدول الأكثر غنى واسترجع بيتشاني، صاحب خوزيه، في ذاكرته الموقف الساخر الذي ووجه به من قبل غرفة منتجي الشاي والبن في بوينس آيرس، عندما لجأ إليها طالباً مساعدته في تأسيس شركته. ويقول: »إن ممارسة تجارة في الأرجنتين، تتطلب تخطي صعاب مستديمة«.

وفي المقابل، فإن أصحاب مشاريع المراحل المبكرة في البلدان عالية الدخل، أقرب إلى التحول إلى أصحاب مشاريع راسخة من أقرانهم في البلدان الفقيرة، وذلك مرتبط بمعرفة أن الناس في البلدان الغنية يؤسسون مشاريع مبنية على الفرص، بعد سبر فجوة في السوق بدلاً من تأسيس شركات تعتمد على الحاجة.

وكشفت الدراسة أن البلدان التي تحفل بنصيب أوفر من المشاريع التجارية المبنية على الفرص تعاني من نسبة أقل من إخفاقات مشاريع المراحل المبكرة من البلدان التي تتواجد فيها المشاريع التجارية المبنية على الحاجة.وإلى ذلك تقول ماريا، إن المشاريع التجارية الجديدة صالحة للبلدان الغنية، وبخاصة عند توفير التقنية عالية الجودة.

وأكبر مثال على ذلك »أوليفيالوم« التي سميت مؤخراً من قبل مجلة فوربز، أغنى سيدات جنوب شرق آسيا فبالرغم من نشأتها اليتيمة في كوخ من الصفيح في ماليزيا إلا أنها جمعت ثروة طائلة في سنغافورة المزدهرة باقتناصها فرصة اختراق صناعة معالجة المياه.

إن التحدي الذي تواجهه الدول الغنية، هو خلق أسواق رساميل فعالة لتوفير الأموال المطلوبة لدراسة وتطوير أفكار جديدة ولقد شهدت حجم استثمارات الرساميل المغامرة في شركات التقنية العالية، زيادة كبيرة عام 2004، وهي المرة الأولى منذ انفجار فقاعة »الدوت كوم« عام 2000.

وبالرغم من ذلك، فإن أميركا الشمالية تواصل احتلالها لموقع الصدارة في استخدام الرساميل المغامرة، حيث يجري استغلال 84.1 في المئة من الرأسمال المغامر في شركات التكنولوجيا العالية، مقارنة بـ 20 في المئة في أوروبا.

وفي السياق ذاته يصر بيل بايفريف الأستاذ في بابسون، وعضو فريق التنسيق التابع للمؤسسة البحثية غلوبال، بضرورة تمويل الصندوق المغامر، غير أنه ليس الضرورة الوحيدة لنمو شركات التكنولوجيا العالية.

مشيراً إلى أن الهوة في الاستثمار بين أوروبا والولايات المتحدة مقلقة والفرق لا يكمن في حجم الأموال المستثمرة إذ بلغ معدل حجم رأس المال المغامر الذي تم ضخه في شركة أميركية 8.7 ملايين دولار عام 2004، مقارنة بـ 2.7 مليون دولار للشركات الأوروبية.

و537.000 دولار للشركات اليابانية، وقد استحوذت الشركات الأميركية على 61 في المئة من رأس المال المغامر المستثمر في أوروبا واليابان والولايات المتحدة مجتمعة، بيد أنها مثلت 27 في المئة فقط من المبلغ الإجمالي.

وهذا يعني أن الرساميل المغامرة الأميركية كانت أكثر انتقائية، فيما يخص أماكن استثمارها بيد أنها ضخت المزيد من الأموال في شركات تدعمها ويعتبر البعد عن المخاطرة والخوف من الفشل أكبر التهديدات التي تواجه الشركات الابتكارية عالية النمو في البلدان الغنية، وأوروبا على سبيل المثال.

ترجمة: وائل الخطيب