شارفت موجة الخصخصات التي أعقبت انهيار النظام الشيوعي على الانحسار، غير أن المستثمرين الأجانب، ما زالوا يعتبرون أوروبا الوسطى والشرقية سوقاً جذابة ونامية، بالرغم من مواجهتهم لتحديات الانتقال من قادمين جدد إلى لاعبين أساسيين في السوق، وفقاً لتنفيذيين كبار من المنطقة.
ففي أنحاء أوروبا الوسطى والشرقية يواجه كبار المستثمرين الأجانب وجلّهم من ألمانيا والنمسا والولايات المتحدة مشاكل مغايرة عما واجهوه إبان العقد الماضي.
ومن بين مسائل أخرى، فإن البنوك وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الصناعية الكبرى بدأت تكتشف تدريجياً أن المعين الذي كان تنهل منه من ذوي القدرات الخارقة، الذين ساهموا في جذبها إلى المنطقة بدأ في النضوب.
وقد وجدت نفسها الآن تصارع من أجل الاحتفاظ بعمالها المهرة، وتغير في بعض الأحيان على بعض قوى منافسيها العمالية، بحثاً عن أصحاب المواهب.وهي تنظر باستمرار إلى مستوى جديد من المنافسة من قبل شركات في المنطقة، التي نضجت إلى حد كاف، خلال العقد الماضي، لتخترق أسوار ما كان يعتبر سوقاً مفتوحة الآفاق.
وإلى ذلك يقول مايكل مارك وويلكوميون كبير خبراء الاستراتيجية في »إم.أو.إل« كبرى مصافي تكرير النفط في أوروبا الشرقية: »بالنسبة لمن تمكن من البقاء، فإن التحوّل انتهى«. ويتابع: »إننا في مفترق طرق«.
وغير أن القطاعات التجارية الرئيسية ما زالت تعتبر أوروبا الوسطى والشرقية سوقا مزدهرة، ومن بين أفضل أسواق العالم، حسبما قال تنفيذيون ووفقاً لما ذكره البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، فإن المنطقة نمت بواقع 5.5% خلال عام 2005.
أي أسرع بأربع مرات من دول أوروبا الغربية الاثنتي عشرة، التي تستخدم اليورو، وستظهر أداء مماثلاً هذا العام. كما أن دخل الفرد يرتفع بصورة مضطردة، فضلاً عن أن أسواق البورصة من تالينين إلى وارسو إلى بودابست، أبلت بلاءً حسناً، ضمن أرباح شركات قوية.
غير أن نمو المنطقة يتغير من حيث الخاصية، حيث إنه أصبح أقل ارتباطاً بالمشتريات الهائلة للشركات المملوكة للحكومة سابقاً، والاستثمارات الجديدة في المكاتب والمصانع، التي كانت مميزة، قبل انضمام دول وسط وشرق أوروبا إلى الاتحاد الأوروبي في مايو 2004.
وكان القطاع البنكي، على سبيل المثال، مرّ بمنعطف تاريخي، بما يقول عنه المحللون إنه سيكون آخر استحواذ ضخم لبعض الوقت، فقد فاز »ارست بنك« في النمسا والذي يعتبر الآن أكبر اللاعبين في أوروبا الوسطى، بحرب مزايدة ضروس لشراء بانك كوميرسيالا رومانا، وهو بنك روماني رئيسي، جعلته شبكة الأعمال المصرفية الاستهلاكية هدفاً سائغاً للاستحواذ، وسيقوم ارست، بدفع 3.51 ملايين يورو أو 4.5 ملايين دولار لشراء حصة مسيطرة.
وعلى الصعيد ذاته قال مايكل لانذرمان، مدير الدراسات والبحوث في معهد فيينا للدراسات الاقتصادية والدولية، إن الأجانب سيواصلون تحفيز النمو في أوروبا الشرقية، عبر التجارة والاستثمارات المتزايدة.
وأن المستثمرين متعددي الجنسية الذين أسسوا شركات هناك، استغلالاً للكلفة المتدنية، ينتجون الآن ما بين سبعين إلى ثمانين في المئة من السلع التي تصدّر من المنطقة.
علاوة على ذلك فإن الاستثمارات مرجحة للاستثمار بوتيرة مضطردة، ومع نضوج الاستحواذات ذات »الأسماء البراقة« بانتهاء عملية الخصخصة، فإن الشركات ستقوم بالاستثمار مجدداً، باستخدام الأرباح المكتسبة محلياً لتوسعة عملياتها القائمة.
وإلى ذلك يقول لاندزمان، أن تدفق الأموال من الخارج لو توقف فإنها تبقي استثمارات أجنبية، وكانت مجموعة كرونوسبان شركة تصنيع الأخشاب النمساوية الألمانية أعلنت الشهر الماضي اعتزامها استثمار 100 مليون يورو.
في شركة تمتلكها في لاتفيا ومن شأن خطوة كهذه بالنسبة لوزير الاقتصاد اللاتفي آرتورس كريسجانيس كارينز أن تؤذن بنهاية عقد استند على الخصخصة لتحقيق نموه، كما أن الشركات الأجنبية قد تكون عرضة لمنافسة شرسة من جانب شركات قويت شوكتها في بلدانها، عركت السنون سدنتها في خدمة مستثمرين غربيين حسبما قال تنفيذيون.
ومن جهته يقول ريتشارد لادا، رئيس موتورولا بولندا، ان معظم المستثمرين الأجانب أوائل تسعينات القرن الماضي، كانوا يبحثون عن شبان ليس لهم ارتباطات بالعهد الشيوعي.
وهو أمر قد يعود لمراودتهم مع قيام أوائل الناس بتأسيس أعمالهم الخاصة، ويقول لادا ان هناك مديرين على مستوى عالمي، جائعين، ويرغبون في أن يظهروا للعالم أنهم ممتازون.
وما زالت موتورولا التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها متواجدة بقوة في بولندا، وقد فتحت مركزاً لتطوير البرامج في كراكرا عام 1998، وبالرغم من الطلب على العمالة الماهرة فإن »لادا« قال إنه وظف 400 شخص خلال الشهور الثمانية عشر الماضية بحيث وصل عدد العاملين إلى 700.
إن زيادة العاملين أيضاً تمثل إحدى التحديات الجسام التي يواجهها المديرون في أوروبا الشرقية والوسطى، وفقاً لعدد التنفيذيين، فالاستثمار الأجنبي المزدهر جعل الموهبة صعبة المنال، نظراً لأن الشركات الأجنبية وظفت عدداً كبيراً من العاملين الممتازين.
كما جعلتهم أغلى ثمناً بالرغم من انهم أقل أجراً من أقرانهم الغربيين، على سبيل المثال، ارتفعت الأجور بنسبة 40 في المئة في جمهورية التشيك وسلوفاكيا، من عام 1993 إلى 2000 وفقاً لمنظمة العمل الدولية وبأقل من ستين في المئة بقليل في بولندا.
ومن جهته قال هوبجركنتشر، المسؤول المالي في سكودا أوتو، الشعبة المتفرعة عن فولكسفاغن والتي لها أعمال كبيرة في جمهورية التشيك وسلوفاكيا، إن بي إس آي بيجو ستروين وكيا موتورز كانت تحاول سرقة موظفين مهرة من كوادر سكودا.
ويضيف بأن هناك صعوبة شديدة في إيجاد مهندسين على مستوى عال من الكفاءة والمهارة. ويذكر أن فولكسفاغن مقرها ألمانيا وبيجو في فرنسا وكيا في كوريا الجنوبية.
وبالرغم من أن الصراع على أصحاب الكفاءات تضاعف الأجور، فإن معظم الشركات تبدو مرتاحة بالنسبة لمزايا الإنتاج في أوروبا الوسطى التي ما زالت مزايا تكاليف عمالتها تجعلها جذابة للغاية مقارنة ببلدان الاتحاد الأوروبي الأقدم وحتى بارتفاع الأجور فإن المستثمرين الأجانب في موقع يمكنهم من تقديم خدمات أكثر إغراء خصوصاً في الأعمال المعرفية حسبما قال تنفيذيون.
وفي هذا الإطار قال باتريك بوتلر عضو مجلس إدارة رايفزين زنترال بانك أوستريتش أحد البنوك التجارية الرائدة في أوروبا الوسطى، إن ذلك هو حافز للطلب المحلي، ولابد من النظر إليه نظرة إيجابية.