فرض التطور التقني والتكنولوجي، تكاثر العديد من القنوات الفضائية التي اتجهت إلى التخصص كل واحدة في مجال معين، وشهد عقد التسعينات نهوضاً عربياً كبيراً في مجال الإعلام الفضائي، وظهرت إلى الوجود القنوات الخاصة المملوكة لأشخاص بعيداً عن التمويل الحكومي.
وكان الإعلام العربي في منتصف التسعينات على موعد مع انطلاق القنوات المتخصصة من خلال ظهور شبكات معينة تضم عدداً من الاختصاصات المختلفة مثل فُّْ، وأوربت، إضافة إلى إطلاق محطات إخبارية ودينية ورياضية وموسيقية تابعة لمؤسسات ورجال أعمال من مختلف الدول والجنسيات.
وكان للموسيقى والغناء حصة وافرة في الفضاء العربي لا سيّما في الأعوام الثلاثة الفائتة، فتكاثر عدد الفضائيات المهتمة بهذا المضمار بشكل غريب، وتهافتت رؤوس الأموال على الاستثمار في هذا المجال، وبات المشاهد أمام خيارات عدة في الانتقال من محطة إلى أخرى،
كما فرض هذا الواقع ازدياداً غير مسبوق في أعداد المغنين، الذين وجدوا في تلك المساحة الفضائية فرصة سانحة لعرض ابتكاراتهم وآخر صيحات الفيديو كليب تحت شعار الصورة تسبق الكلمة والصوت.
وتفنن القائمون على هذه القنوات في تقديم العديد من البرامج الترفيهية الخفيفة التي غلبت عليها السطحية أحيانا، والتي تتمحور في غالبيتها حول الأغنيات والمغنين، كما ظهرت إلى الوجود موجة «الشات الفضائي» عبر رسائل الجوال القصيرة والتي تخرج في بعض الأحيان عن نطاق السيطرة.
لكن هل يحتاج العالم العربي إلى كل هذه الفضائيات الموسيقية، ثم هل تخدم هذه القنوات الفنان؟ أم تساهم في زيادة العبء عليه بسبب كثرة المنافسين؟
أسئلة توجهت بها «البيان» إلى عدد من الفنانين الإماراتيين فجاءت إجاباتهم على النحو التالي:
طفرة تكنولوجية
يعتقد الفنان عبد الله بالخير أن تكاثر القنوات الموسيقية العربية يعد جزءاً من الطفرة التكنولوجية الموجودة في العالم بأسره، ويرى بالخير أن هذه القنوات تعد إضافة إلى الفن العربي والخليجي وتؤمن انتشارا أكبر للفنان، وما ازديادها إلا دليل على تقبل الناس لها وانحيازهم لهذه النوعية من القنوات دون سواها.
ويجد الفنان الإماراتي أن الوسائل التي تستخدمها القنوات في حصد الأموال بوساطة الرسائل القصيرة وغيرها، هي وسائل مشروعة وذكية شرط أن تتفادى خدش الحياء وعدم مراعاة العادات والتقاليد.
ويختلف الملحن والمطرب فايز السعيد في الرأي مع بالخير معتبراً أن الزيادة في أعداد القنوات الفضائية يعد ظاهرة غير صحية، ويقول: «أصبحت هذه القنوات مثل الفنانين تتزايد بلا ضوابط ولا مقاييس».
ويضيف السعيد قائلاً: «لم نعد نستطيع التركيز على ما تعرضه القنوات، ولم نعد نقدر على إحصاء أعداد المغنين الذي يمرون على أسماعنا يوميا». ويؤكد الفنان الإماراتي أن معظم المحطات متشابهة وقلما تجد قناة صادقة تستطيع خدمة الفن بالشكل الصحيح.
مطرب لكل مواطن
ويقول الشاعر المعروف علي الخوار إن عددا من الفضائيات الموسيقية تقدم أعمالنا بشكل جيد ومدروس، وهي بهذه الصورة تخدم المطرب والشاعر والملحن على حد سواء، أما القنوات الهابطة فهي، لا يمكن أن تفيد إلا أولئك الذين يقدمون فناً هابطاً.
ويعترض الخوار على كثرة أعداد الممتهنين لحرفة الغناء ويرى أن تكاثرهم أصبح مريعاً، ويضيف: «لقد كتبت موضوعا فيما مضى عن هذه الظاهرة عنونته مطرب لكل مواطن، واعتقد انه يجب أن يكون هناك لجان متخصصة لانتقاء المطربين الجيدين فقط».
وتشكو الفنانة رنا فاروق معاناتها الدائمة من المحطات والشركات وتقول إن موضوع تكاثر المحطات قد يخدم فئات معينة دون غيرها فعرض الأغنيات ليس بالأمر السهل إذ تخضع لعدة اعتبارات. وتضيف: «لا أعرف كم يستفيد الفنان من القنوات لكن المطرب الملتزم يتعب للوصول إلى جمهوره».
وترى فاطمة (زهرة العين) أن عدد القنوات الموسيقية العربية لا يتوافق مع أعداد الفنانين المتكاثرين، وتقول ما زلنا بحاجة إلى المزيد خاصة تلك القنوات التي تتوجه إلى الفن الخليجي ولا تفرق بين الفنانين الجدد والقدامى.
الرقابة ضرورية
ويلخص الملحن الإماراتي فريد البريكي وجهة نظره بضرورة وجود قنوات موسيقية كثيرة لكنه يربط ذلك بوجود النوعية والضوابط، بحيث تبتعد القنوات عن الأغنيات الخليعة وتقيم اعتبارا للكلمة واللحن قبل الصورة. ويدعو البريكي إلى ضرورة فرض رقابة على الرسائل القصيرة التي تمر عبر شريط في معظم القنوات والانتباه بشكل أكبر إلى تلك التي تحوي كلاما بذيئا وغير مهذب.
أما الملحن إبراهيم جمعة فيؤكد أن عدد القنوات الموسيقية بات يفوق الفنانين الذين يصلحون للغناء، وقال: «إن العبرة ليست في الكثرة فأعداد المغنين متزايدة وربما لا تسد القنوات حجم هذه الزيادة».
ويرجو الملحن الإماراتي من محطات الموسيقى بأن تضع على أجندتها دعم الأغنية العربية على جميع المستويات وعدم التفريق بين أغنية خليجية ومصرية أو لبنانية.
بينما يرى الفنان الشاب عبد الله السهلي أن القنوات الموسيقية تقدم خدمة للفنان والمنتج والمستثمر على حد سواء، مؤكداً أن كثرتها تصب من دون شك في صالح المطرب.
تحقيق ـ نائل العالم