تتمتع السينما الأميركية بتعدد وبتنوع يتشابه مع طبيعة المجتمع الأميركي القائم على هذا الخليط من أعراق بشرية عديدة ومن مستويات ثقافية متفاوتة كتفاوت مستويات الأفلام المنتجة داخل هوليوود أو خارجها، فقد يجد المشاهد أو أي مهتم بالسينما ما يحبذه وما لا يريد ان يشاهده.

اذ ان الانتاجات الضخمة بكمها في الولايات المتحدة تتراوح بنسبة 50 في المئة بين الرديء جداً والرديء، والنصف الثاني من المئة يتراوح بين المتوسط والجيد والممتاز. ونسبة الأخير لا تتجاوز الخمسة في المئة، بمعنى السينما التي تحمل قضايا غير تلك الأيديولوجية منها، اذ ان المقصود القضايا الثقافية التي تهم الإنسان بأبعادها المعيشية والحياتية.

وتتحد فيها أيضاً تلك الروح النقدية العالية لمؤسسات المجتمع الرسمية منها وغيرها، التي تضع القرارات بشأن الحروب والاعتداءات على الآخرين، والتساؤل حول صوابية هذه القرارات ومدى مصداقية شعاراتها، ولعل أهم ما في الأمر ان المواطن الأميركي المثقف والعادي يتمتع بحرية كبيرة في أن يوجه ما يريده من نقد في مشروعه الفني عامة، إلى رأس الهرم في إدارة المجتمع مهما علا شأنه.

وهذا يشير إلى أمر آخر حول التهمة الملتصقة بهوليوود منذ تأسيسها، بأنها موظفة عند أصحاب النفوذ السياسي لخدمة محددة ليس أكثر. قد يكون بعض الأفلام الأميركية في هذا الوارد، ولاشك بأن بعضها الآخر لا يتأثر بأي ضغوط أو توجيهات لأحد.

فشاهدنا أفلاماً كثيرة لسينما تتمتع باستقلالية عن التوجه الممسوك من قبل مؤسسات رسمية أو غيرها يهمها تحقيق أهدافها «المصلحية» سياسية واقتصادية من خلال فن الصورة المؤثر بقوة تشكل رؤى الشعوب حول قضية ما أو مسألة.

من المخرجين الذين عملوا بهذه الاستقلالية ايليا كازان الذي تعرض لحملة قوية في المرحلة المكارثية، والممثل الملك مارلون براندو، وريدلي سكوت البريطاني الذي يعمل في أميركا ومع هوليوود أحياناً ولا يمتنع من انتاج سينما من صفاتها العدالة كما هو فيلمه «مملكة الجنة»، إضافة الى مستويات فنية عالية تماماً.

والى جانبهم لابد من ذكر مايكل مور صاحب «11 سبتمبر فهرنهايت»، وأوليفر ستون المتخصص بنقد مرحلة الستينات الأميركية، من حرب فيتنام الى اغتيال كيندي الى الفيلم المثير «ولدوا ليقتلوا» وستيف فريرز من مواطني سكوت الذين يعملون في أميركا أيضاً في أفلام مثل «البطل» و«النصابون» وسواها.

ثمة مسألة لابد من الانتباه اليها وهي قدرة فسحة الحرية في «أميركا» على تحمل كل هذه التنوعات والاختلافات، وهذا بحد ذاته يثير الإعجاب، ويدعو إلى الاحترام والتفكير.

حسين قطايا