أكدت الصين أمس أنها حققت فائضاً تجارياً قياسياً في 2005 بلغ 101.9 مليار دولار بزيادة قدرها 69.9 ملياراً عن 2004.
وقال المكتب الوطني للإحصاء إن قيمة الصادرات بلغت 762 مليار دولار في 2005، بزيادة 28.4% عن 2004، بينما بلغت قيمة الواردات 660.1 مليارا، مؤكدا بذلك أرقاماً نشرتها الجمارك الصينية في وقت سابق.
لكن محللين يتوقعون أن يؤدي هذا الفائض التجاري القياسي إلى خلافات بين الصين وشركائها التجاريين ويثير دعوات جديدة لبكين لإعادة تقييم عملتها.
من جهة أخرى قال المكتب الوطني الصيني للإحصاءات ان إجمالي الناتج المحلي الصيني زاد 9.9% في عام 2005 وحقق نموا بنفس النسبة السنوية في الربع الأخير من العام بفضل قوة الصادرات والاستثمارات. وقال المكتب إن الاقتصاد نما بنسبة 10.1% في عام 2004 و10% في 2003 .
وكان 2005 ثالث عام على التوالي من النمو بنسبة قرب 10% وأعرب المكتب عن ثقته بشأن عام 2006 في حين حذر من المخاطر التي تمثلها الاستثمارات الهائلة التي تقود ذلك النمو.
وقال ستيفن جرين كبير الاقتصاديين في بنك ستاندرد تشارترد »يبدو الأمر كما لو أن الاقتصاد الصيني مثل ناقلة عملاقة. وقد ضغطوا الكوابح برقة شديدة في عام 2004 من خلال قيود الاقتصاد الكلي ثم حدوا من نمو الائتمانات ورفعوا سعر اليوان.
وأضاف »كل هذه الأمور ينبغي أن تبطئ خطى الاقتصاد. ولكن لأنه ناقلة عملاقة فهناك قوة دفع هائلة وراءه«.
ويأخذ نمو إجمالي الناتج المحلي في عام 2005 في الاعتبار إعلان الحكومة في ديسمبر أن الاقتصاد أكبر بنسبة 16.8% مما كان يعتقد سابقا في 2004. وجاء هذا في أعقاب تعداد وطني وجد أن بيانات قطاع الخدمات والأعمال الخاصة جاءت أقل من المستويات الحقيقية.
لكن جدلاً كبيراً يدور في الصين حالياً حول مسألة فتح البنوك أمام المنافسة الأجنبية. ومن المقرر أن تفتح الصين قطاع البنوك فيها للمنافسة الكاملة والسماح للبنوك الأجنبية بتملك نسبة فيها.
والعمل في السوق الصينية التي تضم 1.3 مليار نسمة بحلول نهاية العام، حسب العهود التي قطعتها الصين مع نفسها، عندما انضمت إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001.
وتوقع كثيرون أن تسقط البنوك الصينية فريسة سهلة للبنوك الأجنبية بحلول نهاية 2006، لكن آخرين توقعوا أن تصمد البنوك الصينية وتستفيد من هذه الخطوة برفع كفاءتها وقدرتها التنافسية واستخدام الاستراتيجيات الغربية في دفع المخاطر وتحسين الإدارة.
وجذبت البنوك الصينية حتى الآن 16 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية فضلاً عن أن الحكومة الصينية ضخت كميات كبيرة من الأموال في أكبر بنوكها وأقامت مجالس إدارات بمديرين مستقلين.
ودفعت البنوك إلى التسجيل في بورصات خارجية، بهدف إصلاح قطاع البنوك وجذب مستثمرين أجانب وستكون القدرة المالية والكفاءة الإدارية للبنوك الصينية من القضايا التي يناقشها منتدى دافوس الاقتصادي هذا الأسبوع في سويسرا.
ولا تقبل بنوك أجنبية كثيرة على تولي مهمة إنشاء شبكة خدمات تجزئة كبيرة من الصين بدءاً من الصفر. فقد شكلت أصول البنوك الأجنبية في الصين 2% فقط من إجمالي أصول البنوك في البلاد حتى نهاية أكتوبر الماضي.
لكن المؤسسات الأجنبية تستثمر في البنوك الصينية، وضخ الصينيون 14 تريليون يوان (1.736 تريليون دولار) في حساباتهم في البنوك سنوياً وهذا يعادل 46% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد.
ويقول ديفيد مارشال المحلل في فيتشي للتصنيف لقطاع البنوك والمؤسسات المالية الآسيوية، مع ارتفاع الدخول في الصين يتحول ملايين من الناس إلى عملاء للبنوك، وهذا يلفت انتباه البنوك الأجنبية.
وتجذب السوق المالية الاستهلاكية غير المتطورة في الواقع كلاً من البنوك الأجنبية والمحلية. وقد ارتفع نصيب القروض الاستهلاكية من إجمالي القروض إلى 11%، مقابل 5% بين 2000 و2004.
وقد وعدت الصين عندما انضمت إلى منظمة التجارة العالمية في 2001 بأن تفتح البنوك المحلية للمنافسة الحرة بحلول 2007 وان تسمح للبنوك الأجنبية بأن تدخل سوق الإقراض المربحة في الصين في نهاية 2006 للاستفادة من 1.3 مليار مستهلك في الصين.
وبمقدور البنوك الأجنبية في ذاك الوقت أن تعطي قروضاً باليوان وتقبل الودائع بالعملة المحلية والأجنبية وتقدم خدمات باليوان للمشروعات في 25 مدينة صينية لكن بنوكاً أجنبية قليلة هي التي كونت شبكات من هذا النوع ولا يزال سوق الإقراض بالعملة المحلية غير مطروحة بجدية.
ويقول ماي يان محلل البنوك في خدمة المستثمرين في مؤسسة هواي بهونغ كونغ لن تؤول البنوك الصينية إلى نهايتها عندما يأتي ديسمبر 2006، كما يتوقع البعض لكن هذا التاريخ سيكون له تأثير يستمر حتى 5 ـــ 10 سنوات ويمتلك بنك اتش. اس. بي. سي أكبر شبكة بنوك أجنبية في الصين، تتكون من 12 فرعاً.
ويمتلك البنك الصناعي التجاري الصيني، أكبر البنوك المحلية الصينية، أكثر من 20 ألف فرع، بالمقارنة.
ويقول ريتشارد يورك رئيس تنفيذي اتش. اس. بي. سي في الصين إن لديهم شبكة مزدوجة، تقوم على تنمية نشاطهم عضوياً، ومن خلال التعاون مع شركاء استراتيجيين. واستثمر اتش. إس. بي. سي 5 مليارات دولار في الصين.
وهي أكبر استثمارات لبنك أجنبي، لكن أكثر من 4 مليارات دولار منها ذهبت للاستثمار في أسهم مؤسسات محلية، منها حصة 19% في بنك الاتصالات الصيني ـــ خامس أكبر بنك في البلاد.
وحددت اللوائح الصينية الحد الأقصى للاستثمار الأجنبي في البنوك بنسبة لا تزيد على 25% في أي بنك محلي و20% لبنك أجنبي واحد فقط. لكن اللجنة الصينية لتنظيم البنوك قالت في سبتمبر الماضي إنها تبحث رفع هذه النسبة قبل نهاية 2006، وتوقع المحللون ان تصل النسبة إلى 50%.
وأعادت الصين هيكلة أكبر البنوك التجارية الصينية ورفعت رأس مالها بضخ 60 مليار دولار في قطاع البنوك من أجل جذب مستثمرين استراتيجيين مع مساعدة البنوك المحلية على رفع قدرتها التنافسية.
وكانت زيادة رأس المال وبيع الديون المعدومة، كافية لجذب بنوك عملاقة مثل بنك أوف أميركا وريال بنك أوف سكوتلاند ومؤسسة جولدن مان ساكس، لشراء حصص في ثلاثة بنوك صينية عملاقة عندما طرحت أسهماً للبيع.
وقال الصينيون عن دخول مستثمرين أجانب في قطاع البنوك انهم الفائزون في كل الأحوال، فسوف تشارك البنوك الأجنبية في النمو الاقتصادي للصين، وتصبح البنوك المحلية أكثر قدرة على المنافسة عن طريق استخدام استراتيجيات دولية لمكافحة الخطر وتطوير قطاعات تجارية رئيسية وجذب مساهمين يدفعهم الاهتمام بالأرباح.
لكن شراء أسهم في أكبر البنوك الصينية يكتنفه مشكلات وله حدود قصوى، فقد وافق بنك أوف أميركا عندما اشترى 9% من أسهم بنك التعمير الصيني على فتح عمليات تجزئة جديدة في الصين وإغلاق عملياته للتجزئة القائمة فعلاً.
وطلب بنك التعيمر الصيني وبنك الصين من المستثمرين الأجانب فيهما تعليق ملكية الأسهم لمدة ثلاث سنوات، مما يجعل من الصعب على المستثمرين بيع الأسهم عند ظهور مشكلات جديدة.
ومثلت صفقة بنك أوف أميركا في بنك التعمير الصيني وشراء مؤسسة سنغافورية حصة في البنك نفسه استثمار 5.4 مليارات دولار، وهذا يمثل مخاطر سياسية.
وأشار الصينيون الذين لا يشجعون ذلك إلى ان كلا المستثمرين (بنك أوف أميركا وسنغافورة) دفعا اقل من 1.2 ضعف القيمة الدفترية ثم حصلت الأسهم التي طرحت للبيع بعد ذلك عند الاكتتاب العام على 1.95 ضعف القيمة الدفترية بعد بضعة أشهر فقط.
لكن السؤال الأهم هو ما إذا كان ضخ المال لجذب المستثمرين الأجانب كافياً لعلاج الإدارة الضعيفة للمخاطر، فقد انخفض اجمالي الديون المعدومة في أكبر أربعة بنوك صينية من 19.15% خلال الأشهر الـ 18 الماضية إلى 10.11%، لكن هذه النسبة لا تزال مرتفعة بالمعايير الغربية وتصل هذه النسبة في البنوك الأميركية إلى 1% فقط.
وقال مارشال من مؤسسة فيتشي للتصنيف لا أحد يدري حجم القروض التي ستتحول إلى ديون معدومة وقال ان فعالية تحسين إدارة المخاطر في البنوك الصينية لن تتضح حتى يدخل النظام المصرفي بالكامل في دورة اقراض كاملة.
وتشترى البنوك الأجنبية التي تركز على الصين على المدى الطويل، حصصاً اكبر في البنوك المتوسطة على أمل السيطرة الإدارية في النهاية ومن هذه البنوك اتش.إس.بي.سي وسيتي جروب. لكن لرغبة الصين في السماح للبنوك الأجنبية بالسيطرة على بنوك صينية لا تزال غير واضحة المعالم.
مثلاً تقود سيتي جروب مجموعة تسعى لشراء 85% من أسهم بنك قوانغدونغ للتنمية على ان تشتري سيتي جروب 40 ـــ 45% وتسيطر على البنك، لكن الصفقة تحتاج إلى استثناء من اللوائح وتعد بداية مرحلة جديدة في الملكية الأجنبية.
وتقول مجموعة أخرى بقيادة سوسيتيه جنرال، تسعى للاستيلاء على الصفقة ان الإعفاء سوف سيشجع بنوك أجنبية أخرى على طلب حصص اكبر .
وتحاول المجموعة الفرنسية مع بكين لتقبل بعرضها الأقل للشراء وتشير إلى انها لن تطلب استثناء من اللوائح والمتوقع ان يصدر قرار مجلس الوزراء الصيني قريباً في هذا الأمر.
ترجمة: أشرف رفيق