بدأت الكثير من أهم شركات السياحة العالمية في الأسواق الرئيسية الموردة لدبي خاصة البريطانية والألمانية والروسية التذمر من أسعار الفنادق المحلية المبالغ فيها. كما بدأت هذه الشركات تعيد حساباتها في عدد الأفواج السياحية التي ترسلها لدبي معللة ذلك بأنها تنفق الكثير من الأموال في أسواقها .
وفي أسواق الدول المحيطة بها للترويج لدبي كوجهة سياحية ثم تجد ان أسعار الفنادق هنا خيالية ومبالغ فيها وأحيانا الادعاء بعدم توفر الغرف الكافية لأفواجها ثم تفاجأ بوجود هذه الغرف لمن يدفع سعرا أعلى.
و بدأت هذه المشكلة تطفو بالفعل على السطح منذ فترة وبلغ التذمر ذروته خلال الشهور الثلاثة الماضية حيث شهدت أسعار الفنادق ارتفاعا بنسبة تصل إلى 30% في الوقت الذي شهدت العقود السنوية للموسم الجديد 2006 - 2007 التي وقعتها معظم الفنادق مع شركات السياحة زيادة بنسبة 20%.
وذكرت مصادر مقربة ل«البيان» انه بسبب الزيادات في الأسعار فان نسب الاشغال لدى بعض فنادق الشاطئ قد تدنت إلى 20% فيما تراوحت بين 60 و80% لدى البعض الآخر وان متوسط الاشغال الحالي فيها يبلغ 70% مقارنة بأكثر من 85% في مثل هذا الوقت من السنوات الماضية.
وحذر خبراء سياحة أنه إذا استمرت فنادق دبي في إتباع نفس السياسة التي تنتهجها الآن رغبة منها في تحقيق أرباح كبيرة في وقت قصير فان هذا سيؤثر سلبا على شهرة ومكانة دبي السياحية.
وهو ما سيؤثر بدوره على استراتيجية السياحة التي تضعها الحكومة للسنوات المقبلة، وسيحتاج الأمر سنوات أخرى لإعادة الثقة في هذه الشهرة السياحية التي حققتها دبي على مدى السنوات الماضية بفضل الرؤية الحكيمة لقيادتها ودعمها للقطاع الخاص وحثه على تقديم أفضل الخدمات للزوار.
ودعا هؤلاء الخبراء الفنادق لإعادة النظر في سياساتها ومراعاة مصالحها بعيدة المدى لان استمرار الوضع الحالي من شانه أن يؤدى إلى تراجع عدد السياح القادمين إلى الإمارة.
وهو ما قد يقود في نهاية المطاف إلى ظهور سياسة حرق الأسعار وانخفاضها إلى مستويات متدنية. وبالفعل فان بعض الشركات السياحية بالخارج تردد حاليا بأنه سيأتي يوم ترجوها الفنادق هنا بإرسال سياح إليها!
وأشار الخبراء إلى ان هذا هو ما حدث بالضبط في أسواق سياحية عالمية شهيرة مثل اسبانيا وسنغافورة وقبرص حيث رفعت الفنادق أسعارها بصورة كبيرة فتراجعت أعداد السياح إليها مما أثر سلبا على أعمالها.
وهو ما لا يتمنى أحد تكراره هنا حيث يؤكد مسؤولو شركات السياحة أن المصلحة الوطنية يجب ان تتغلب على المصلحة الشخصية قصيرة المدى، ومع هذا فتغيير سياسات الفنادق في مصلحتها مستقبلا.
* زيادات غير منطقية
وبسبب هذه المشكلة فقد بدأت شركات السياحة في دبي تحركا فوريا مع الجهات المعنية في أعقاب اجتماع عقدته مؤخرا وفوضت ممثلين عنها للاجتماع مع المسؤولين بدائرة السياحة والتسويق التجاري ومديري عموم الفنادق.
وقال غسان العريضي الرئيس التنفيذي لشركة «ألفا تورز» أنهم لمسوا تجاوبا ملحوظا وتفهما للموقف من خالد احمد بن سليم مدير عام الدائرة ومسؤولي الدائرة وقال إنهم وعدوا بالتحرك معهم أيضاً لإيجاد مخرج لهذه المشكلة وإقناع مسؤولي الفنادق بالتجاوب لهذه المطالب.
وأضاف العريضي قوله: المشكلة حقيقية وتتطلب علاجا سريعا لان استمرارها ليس من مصلحة دبي وخططها الاستراتيجية. نحن لسنا ضد زيادة الأسعار فكل شيء قابل للزيادة خاصة في سوق تحكمه معايير العرض والطلب، لكن يجب ان تكون هذه الزيادة منطقية .
وتتماشى مع معدلات الزيادة العالمية في أوقات الضغط كفترات المعارض والمؤتمرات الكبرى والعطلات والأعياد والمناسبات وهذا ما يحدث في كل الأسواق حيث تكون النسبة في حدود الـ 10%، أما هنا فالوضع غير منطقي والزيادات تتجاوز بكثير معدلات الزيادة العالمية في مثل هذه الظروف حتى انها تصل إلى 30% .
وأكثر بالإضافة إلى ان الزيادات هنا مستمرة طوال العام ولا تقتصر على مثل هذه المناسبات والأمر الأخطر هو ان الكثير من الفنادق تعتذر عن توفير غرف في أحيان كثيرة.
وتدعى ان نسب الاشغال لديها 100% ثم يفاجأ المر بوجود غرف لمن يقدم أسعارا أعلى. ويقول غسان العريضي ان هذه العدوى انتقلت من فنادق الشاطئ إلى فنادق المدية محذرا من استمرار هذه الظاهرة.
وكشف العريضي عن ان عددا من الفنادق قد خفضت حصص الغرف التي كانت تخصصها لشركات السياحة لتعيد بيعها لها بأسعار أعلى ربما تصل إلى 50% عن الأسعار التى تتضمنها العقود السنوية.
وقال ان هذا الأمر أوصل قطاع السياحة إلى وضع غير صحي. وأضاف: رغم ان شركات السياحة تسهم بجلب أكثر من 50% من السياح القادمين إلى دبي إلا ان الفنادق قد أقدمت على هذه الخطوة رغم ان هناك العديد من الغرف الشاغرة. وقال: أحيانا يكون لدينا طلبات لغرف تزيد 300% عن الحصص التي توفرها لنا الفنادق.
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة «ألفا تورز» أن تدنى نسب الإشغال الحالية في فنادق الشاطئ لا يعود فقط إلى تأجيل مهرجان دبي للتسوق لأن معظم زوار المهرجان - وغالبيتهم من الأخوة الخليجيين - عادة ما يقيمون في فنادق المدينة والشقق الفندقية.
وليس فنادق الشاطئ الأمر الذي يؤكد ان انخفاض نسبة الاشغال الحالية بفنادق الشاطئ يعود بشكل رئيسي إلى الزيادة غير المنطقية في أسعارها، ودليل هذا وجود غرف شاغرة بأعداد كبيرة حتى شهر مارس وهو ما لم يكن يحدث من قبل وذلك بسبب «حلم الربح السريع».
وأضاف العريضي: بعض الفنادق رفعت أسعارها بنسبة 100% خلال السنوات الثلاث الماضية وهذا مؤشر خطير ولا يصب في مصلحة خطط دبي الإستراتيجية في مجال السياحة.
واستمرار الفنادق في انتهاج نفس السياسة سيؤدى إلى عزوف الكثيرين عن المجيء بغرض السياحة وبالتالي لن تجد الغرف الفندقية في المنشآت التي سيتم تنفيذها خلال الفترة المقبلة من يشغلها. نحن مع الزيادة في حال الطلب الكثير لكن يجب ان تكون الزيادة منطقية وعقلانية وبما لا يؤثر على المصلحة العامة والسمعة السياحية.
صحيح هناك عجز حالي في المعروض من الغرف الفندقية، لكن لن تستمر الأسعار في الارتفاع طالما كان بالمعدلات الحالية ويجب أن يدرك أصحاب الفنادق هذا الأمر جيدا ولنأخذ تجارب أخرى أمامنا حدثت فيها طفرة سياحية ثم تراجعت المعدلات عندها بعد فترة من الوقت مثل اسبانيا وسنغافورة وقبرص، فقد عانت هذه الدول سياحيا بسبب ارتفاع الأسعار لديها.
ولن تحل المشكلة إضافة غرف أخرى في السنوات المقبلة لأن السمعة ستكون قد تأثرت بالفعل. ويجب ان يدرك مسؤولو الفنادق ان الغالبية العظمى من السياح الذين يمضون بعضا من الوقت في الخارج هم من متوسطي الدخل لأن الأثرياء ليس لديهم الوقت الكافي للابتعاد عن أعمالهم أوقاتا طويلة.
وقال غسان العريضي: نرجو ان تتفهم الفنادق موقفنا، وهذا التحرك السريع الذي نجريه مع المسؤولين ومع الفنادق هنا جاء بناء على طلب من شركات السياحة العالمية المتذمرة من هذا الوضع.
* السوق السوداء
نفس الأمر يؤكد عليه أسامة بشرى مدير عام شركة ترافكو للسياحة بقوله: بدأت السمعة السياحية هنا تتأثر ويؤكد على هذا من خلال ضخامة الحجم الذي تؤديه ترافكو في السوق المحلي حيث تمثل أكبر شركة سياحة في العالم.
وهي شركة TUI ومقرها ألمانيا وهي من الشركات المهمة الموردة للسوق المحلي بل وتمتلك 50% من شركة ترافكو التي تتخذ من القاهرة مقرا لها. ويقول أسامة بشرى:
يهمنا مصلحة دبي ومكانتها السياحية عالميا فإذا استمرت نفس السياسة التي تنتهجها الفنادق حاليا والمتمثلة في تحقيق أعلى إيرادات خلال فترة وجيزة فغالبا ما ستتأثر خطط الحكومة باستقبال 15 مليون سائح عام 2010، فالشركات العالمية ترى الآن ان أسعار الفنادق هنا ترتفع بشكل خيالي لا يحدث في أي مكان آخر من العالم حتى في الدول التي تشهد طلبا كبيرا على السياحة .
ودليل هذا ان أسعار الفنادق ارتفعت بنسبة 70% خلال العامين الماضيين فقط وهذا لم يحدث في أي مكان آخر. نحن مع الزيادة المقبولة والتي تتراوح بين 5 إلى 10% سنويا طالما كان هناك طلب.
ويضيف مدير عام شركة ترافكو ان السياسة الحالية للفنادق لا تنسجم وخطط الحكومة ورؤاها المستقبلية بل تتعارض معها وتؤثر سلبا عليها. صحيح الطلب على الفنادق يفوق الطلب حاليا، لكن إلى متى؟
لقد بدأنا نصطدم بواقع تراجع هذا الطلب والسبب زيادة الأسعار والمشكلة الأخطر هي ان الفنادق تغلق الغرف أمام الشركات السياحية الكبرى التي تحصلها بدورها من السوق السوداء بسعر أعلى بكثير مما تتفق عليه مع هذه الفنادق.
ويتساءل أسامة بشرى: كيف يحدث هذا ونحن نروج للفنادق من خلال كتيبات وبروشورات نقوم بطباعتها ونوزعها على الشركات الخارجية وهذا يتم بتكلفة علينا؟ يجب على الفنادق ان تراعي مصلحة البلد على المديين المتوسط والبعيد وفي هذا أيضاً مصلحتها شخصيا.
وعن نتائج اجتماعاتهم مع مديري عموم الفنادق ورأيهم، يقول ان أكثر من 90% من هؤلاء المديرين يتفهمون وجهة نظرنا ويتفقون معنا في ان في استمرار هذه الظاهرة خطورة كبيرة على الوضع السياحي.
ونسب الإشغال المستقبلية لكنهم لا يستطيعون اتخاذ قرار بإعادة النظر في الأسعار لا يوافق عليه أصحاب الفنادق التي يديرونها والذين يرغبون بدورهم في تحقيق أرباح كبيرة بأقصى سرعة، لكنه يعرب عن أمله في ان يتفهم أصحاب الفنادق خطورة الأمر عليهم مستقبلا ويقول: ستكون الفترة المقبلة.
ـ وخاصة الصيف ـ خير دليل عن إعادة التفكير في هذه السياسات من عدمه أما في أشهر فبراير ومارس وابريل المقبلة فهناك تراجع في الطلب على الفنادق بنسبة تتراوح بين 25 إلى 30% عن نفس الفترة من السنوات الماضية بسبب ارتفاع الأسعار.
* «سياسة التطفيش»
سمير طباع، الشريك والمدير العام لشركة مغامرات الصحراء، يخشى من ان تحتاج دبي لثلاث أو أربع سنوات لإعادة الثقة إلى سوق السياحة في دبي لو تفاقمت المشكلة الحالية بقوله:
الكثير من الشركات الأجنبية تفكر بالفعل في حذف دبي كوجهة سياحية من كتيباتها نظرا للارتفاع المبالغ فيه في أسعار الفنادق فهذه الشركات تروج لدبي بأسعار معينة للفنادق.
وهي الأسعار التي نزودهم بها من خلال عقودنا السنوية مع الفنادق لكنها لا تحصل على كل الغرف بنفس السعر وتضطر لأن تخبر السائح بأسعار أعلى مما تعلنه في كتيباتها لأن الغرف المخصصة للشركات المحلية التي تمثلها لا تكفي لكل الطلب.
وما زاد عليها من غرف يباع ربما بضعف السعر. ولهذا تجد غرفة ب 400 دولار وغرفة مجاورة لها في نفس الفندق وفي نفس التوقيت ب 1000 دولار !
أضف إلى ذلك ان السائح يأتي إلى دبي هذا العام بسعر فندقي معين ثم يجد زيادة بنسبة 30% أو أكثر في العام الذي يليه فيعيد النظر في وجهته السياحية وبالتالي فإن الفنادق بسياستها الحالية « تطفش» السواح دائمي التردد على دبي.
ويذكر سمير طباع بعض مؤشرات ارتفاع الأسعار في عدد من الوجهات السياحية بالمنطقة خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2005 بالمقارنة لما تم في دبي، ففي عمان بالأردن زادت بنسبة 3 ,9% وفي القاهرة بنسبة 4, 3% بينما زادت في دبي بنسبة 9, 37%.
كما يشير إلى ان بإمكان السائح الألماني ان يحصل على عرض شامل بالذهاب إلى إسبانيا تتضمن الإقامة في فندق 5 نجوم بسعر يقل عن 600 يورو عن نفس العرض الذي يمكن ان يحصله بالمجيء إلى دبي والسبب ارتفاع أسعار الفنادق. ويضيف:
ارتفعت الأسعار هنا بنسبة 100% خلال السنوات الثلاث الأخيرة في أغلب الفنادق وإذا استمر الأمر على هذا النحو ستوقف الشركات عروضها الترويجية لدبي وسنحتاج سنوات لإعادة الثقة للسوق أمام السياح الأجانب.
ما يحدث حاليا أمور غير عقلانية ونرجو من الفنادق ان تعيد النظر في تخطيطاتها حفاظا على المصلحة العامة وألا تكون رؤاها قصيرة لمكسب ضخم في فترة قصيرة، فالأهداف العامة للسياحة لن تتحقق بهذه الطريقة وسيتأثر الجميع بمن فيهم الفنادق أنفسهم.
ان هذه السياسة كان من شأنها وجود غرف شاغرة عديدة في فنادق الشاطئ في ليلة رأس السنة وحدث هذا للمرة الأولى من سنوات أضاف إليها ان فنادق الشاطئ أجبرت النزلاء على دفع قيمة حفل عشاء رأس السنة وبعضها وصلت القيمة لديه إلى 2000 درهم عكس ما كان يحدث في السنوات الماضية حيث كان هذا الأمر اختياريا للنزيل .
وبالتالي عزف الكثيرون عن المجيء لدبي ليلة رأس السنة. وهذه من بين الأمور الغريبة التى بدأت تنتهجها الفنادق استغلالا منها لواقع زيادة الطلب عن العرض. في هذه الحالات التي تتأثر فيها الأهداف العامة والخطط الاستراتيجية بسياسات خاطئة لأي قطاع تجاري يجب ان تتدخل الجهات المعنية بأي صورة من الصور.
ويختتم سمير طباع بقوله ان لدى شركات السياحة حالياً تراجعاً في الحجوزات المستقبلية بنسبة تصل إلى نحو 30% مقارنة بالحجوزات المستقبلية في عام 2005. وأكثر ما نخشاه ان تصبح دبي أغلى مما هو متوقع في العالم وأن تصبح القيمة المادية لزيارتها أعلى من الخدمات التي يحصل عليها السائح.
تحقيق ـ وجيه عبدالعاطي: