لا يتفاءل كثيرون بشأن تعافي الاقتصاد الأوروبي المتراخي، منذ انفجار فقاعة شركات التقنيات، ولا يعوِّلون على أن الاقتصاد الأوروبي سوف يعزِّز النمو الاقتصادي العالمي.

وبرغم تواتر الأنباء الطيبة عن أداء الشركات الأوروبية، فإن المنافسة الشديدة جعلت نمو الأجور والوظائف في منطقة اليورو التي تضم 12 دولة (محلك سر)، وهذه مشكلة في الاقتصاد الأوروبي لأن في السابق كان ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي عقب ارتفاع الأجور ومعدل التوظيف يساهم في انتعاش الاقتصاد.

ويقول كين واتريث الخبير الاقتصادي في الشؤون الأوروبية في بنك باريبا في لندن إن الدورة الاقتصادية في أوروبا تختلف عن نظيرتها في أماكن أخرى، وكانت الأنباء طيبة بخصوص نتائج الشركات، لكنها ليست كذلك بالنسبة للقطاع العائلي.

واستطاعت أميركا أن تتجاوز هذه المشكلة وسجلت نمواً قوياً خلال الانتعاش الاقتصادي بعد 2001، حتى مع أن الأجور ومعدلات التوظيف لم ترتفع أو ظلت كما هي، لكن أميركا استطاعت تجاوز هذه المشكلة لأن ارتفاع أسعار العقارات والاقتراض بضمان المنازل لشراء مزيد من السيارات .

وأجهزة التلفزيون كبيرة الحجم وارتفاع أسعار الأسهم في البورصة شجع المستهلكين على مزيد من الانفاق، لكن المستهلك في أوروبا لم يستطع أن يفعل ذلك لعدم توافر هذه الظروف.

ونتيجة ذلك أن كثيراً من خبراء الاقتصاد يعتقدون أن معدلات النمو في منطقة اليورو لن تزيد على 2%، وهذا هو الحد الأدنى فقط المتوقع للنمو الاقتصادي في أميركا، ناهيك عن اقتصاديات النمو الصاعدة في شرق (آسيا).

غير أن الاقتصاديات في دول منطقة اليورو تدعو إلى كثير من التفاؤل، ومن أسباب ذلك ارتفاع أرباح الشركات، الذي عززه ارتفاع الصادرات إلى أميركا وآسيا والدول المنتجة للبترول وهذا يدفع تفاؤل رجال الأعمال في أوروبا إلى مستويات قياسية.

مثلاً أشار استطلاع إيفو في ألمانيا إلى أعلى مستوى ثقة من شركات التصدير منذ بداية إجراء هذا الاستطلاع عام 1991. وتستثمر الشركات أخيراً أرباحاً داخل البلاد، خاصة من أجل شراء معدات جديدة. وارتفعت البورصات الأوروبية بنسبة 28% خلال العام الماضي، مقارنة بنسبة 3% في مؤشر داو جونز.

* سلاح ذو حدين

غير أن هذه الأنباء في حد ذاتها هي أيضاً ذات دلالة غير طبيعية. فالانتعاش القائم على الصادرات قد لا يستمر طويلاً. فالإنفاق الداخلي يمثل 57% من إجمالي الناتج المحلي في منطقة اليورو.

وهذا يجعل الإنفاق الداخلي أمراً حيوياً لاستمرار النمو بنسبة تزيد على 3% من النوع الذي سجلته ألمانيا وفرنسا وإيطاليا خلال فترة الثمانينات.

ورغم ذلك فالمستهلكون لا يزالون يحجمون عن الإنفاق لأنهم لا يحصلون على أي أموال إضافية من العمل. وإمكانية فتح مصانع في شرق أوروبا أو الصين تهدد قوة العمل في الشركات التي تفرض تسويات للأجور بشكل لم يسبق له مثيل خلال الدورات الاقتصادية السابقة، وفق ما ذكره مايكل ليكس الخبير الاقتصادي في ليمان براذرز الذي نقلت عنه وول ستريت جورنال.

ولا يختلف ذلك عن الوضع في أميركا لكن الأوروبيين، على عكس الأميركيين والبريطانيين، لا يفضلون الاقتراض ويميلون إلى الادخار. وفي الوقت نفسه فإن قواعد البنوك المحافظة جداً في كثير من الدول الأوروبية لا تسمح للأوروبيين بالإنفاق للتسوق من أموال يقترضونها بضمان منازلهم.

ويتوقع خبراء الاقتصاد ان ينمو إجمالي الناتج المحلي في منطق اليورو بنسبة 2% ـ 2,2% خلال العام الحالي مقابل توقعات بأن يصل إلى 5 ,1 خلال العام الماضي.

لكن كثيرين يعتقدون ان معدل النمو سوف يقل عن 2% بسبب خطر تراجع الطلب الأميركي والآسيوي على السلع الأوروبية، ولا يستطيع الانفاق الاستهلاكي في الوقت نفسه تعويض هذا التراجع في الصادرات. ويعتقد محللون ان سوق العمل سوف يرتفع بالفعل رغم ان الارتفاع سيكون بطيئا.

وهناك احتمالات متزايدة ان الشركات التي ترتفع أرباحها، سوف تمنح موظفيها علاوات في الأجور، كما يقول جوليان كالو الخبير الاقتصادي في باركليزكبيتال في لندن.

ويعني ذلك أن التواتر الكلاسيكي للانتعاش الأوروبي قد يستمر حيث تغذي الصادرات الاستثمارات ويتبع ذلك الارتفاع في الإنفاق الاستهلاكي، ويضيف جوليان إنها مجرد مسألة وقت، ورد الفعل بطيء نوعاً.

مزيد من البطء

يتوسع اقتصاد منطقة اليورو بشكل متواضع منذ عام 2003، لكن نوايا الشركات في توظيف العمالة لاتزال ايجابية، وفق استطلاعات مثل مؤشر مشتروات المديرين، وغالباً ما توضح المؤشرات مواقف ايجابية في هذه المرحلة من الدورة الاقتصادية.

ويعتمد كثير من الأمر على ألمانيا، ثالث أكبر اقتصاد في العالم والأكبر في أوروبا، وتشكل 30% من إجمالي الناتج المحلي في منطقة اليورو، وتشير الأرقام الرسمية ان البطالة تنخفض ببطء في ألمانيا، فبلغت 11% في 2005 مقابل 12% في العام السابق له.

لكن كثيراً من انخفاض البطالة يرتبط بانخفاض الأجور في برامج الحكومة للتوظيف، التي لا تساعد في رفع دخل الأسر والعائلات، وانخفض الإنفاق الاستهلاكي في أوروبا في الفترات الماضية من العام 2005، التي هناك بيانات عنها، وهو أكبر انخفاض في الإنفاق في تاريخ البلاد.

ولا تزال دول أصغر في المنطقة التي تستخدم اليورو مثل اسبانيا وايرلندا لا تزالان تسجلان نمواً طيباً لكن قد تكون أفضل التوقعات في ألمانيا، أكبر دول المنطقة، وتسجل الشركات الألمانية ارتفاعاً في الأرباح بسبب سنوات متتالية من خفض التكاليف والجهود الرامية إلى مرونة الممارسات في سوق العمل ولم تصل إعادة هيكلة الشركات في فرنسا وإيطاليا إلى هذا المستوى بعد.

حتى في بريطانيا التي لا تدخل في منطقة اليورو، وتسجل نمواً على النمط الأميركي، فإن نصيب الإنفاق الاستهلاك في رفع الاقتصاد، في تراجع، وقد تسجل بريطانيا نمواً في إجمالي الناتج المحلي بنسبة 2% في العام الجاري.

مما قد يجعلها أقل نمواً من منطقة اليورو لأول مرة منذ عام 1995، لكن هذا قد يكون من عوائق النمو الاقتصادي في منطقة اليورو، التي تمثل بريطانيا أحد أكبر أسواق التصدير بالنسبة لها.