بلغ إجمالي النواتج المحلية للدول النامية في العالم في العام الماضي 6,1 تريليون دولار، مقابل 4,1 تريليون دولار للدول الصناعية المتقدمة. ومثلت الصين والهند فقط خمس هذا الرقم.
وبرغم أن إجمالي النواتج المحلية للدول النامية أكبر من نصف إجمالي النواتج المحلية للعالم، إلا أن سكانها يمثلون خمسة أسداس سكان العالم، وبالتالي فإن دخل الفرد فيها ينخفض كثيراً مقارنة بالدول الغنية، لكن يبدو باستخدام مقاييس أخرى أن اقتصاد هذه الدول أكبر من اقتصاد الدول المتقدمة، فإن نصيبها من الصادرات قفز من 20% عام 1970 إلى 42% في العام الماضي.
وخلال السنوات الخمس الماضية، سجلت الدول النامية أكثر من نصف نمو الصادرات العالمية. وتملك الدول ذات الاقتصادات الصاعدة حالياً ثلثي احتياطي العملات الأجنبية في العالم. وتستهلك 47% من الاستهلاك العالمي للبترول.
ومن جانب آخر لا تزال بورصات الاقتصادات الصاعدة تمثل 14% فقط من قيمة الأسهم الإجمالية في العالم. وتزداد أهمية الأسواق الصاعدة (الدول النامية) أهمية بالنسبة لشركات العالم الثري والدول المتقدمة.
ويبلغ معدل نمو تجارة الدول النامية مع الدول المتقدمة ضعف معدل نمو تجارتها مع بقية دول العالم (فيما بينها). ويتجه أكثر من نصف صادرات هذه الدول إلى أميركا ومنطقة اليورو واليابان. وتصل الصادرات الأوروبية إلى دول الاقتصادات الصاعدة، ضعف صادراتها إلى أميركا واليابان معاً.
ويعود ارتفاع الأهمية الاقتصادية للدول النامية إلى المركز الذي احتلته على مدى غالبية التاريخ، فقبل أن تتقدم بريطانيا على العالم بفعل الثورة الصناعية والمحرك التجاري، سيطرت الدول النامية على الانتاج العالمي.
وتشير تقديرات أنجوس ماديسون المؤرخ الاقتصادي إلى أن الدول النامية أنتجت 80% من اجمالي انتاج العالم خلال فترة 18 قرناً حتى 1820، لكن الثورة التكنولوجية في أوروبا جعلتها تتقدم على الدول النامية فانخفض نصيب الدول النامية في الانتاج العالمي إلى 40% بحلول مطلع القرن العشرين.
وظهر تغيير الأسواق الصاعدة منذ 25 عاماً وأطلقته مؤسسة التمويل الدولية، الذراع المالي الخاص للبنك الدولي. وطوال غالبية هذه السنوات، استخدم تعبير الاقتصادات الصاعدة من القاع، في ظل تعاقب الأزمات الاقتصادية في أميركا اللاتينية وشرق آسيا وروسيا خلال العقد الماضي أو نحو ذلك.
الآن عادت الأسواق الصاعدة إلى سابق قوتها وتتمتع بأفضل أداء اقتصادي منذ عقود مضت. وسجلت الاقتصادات الصاعدة في 32 دولة نامية تتابعها مجلة «الإيكونوميست» الاقتصادية نمواً كبيراً في عام 2005، للعام الثاني على التوالي.
والسنوات الماضية منذ السبعينات كان هناك على الأقل دولة صاعدة واحدة تعاني ركوداً اقتصادياً، إذا لم يكن أزمة مالية حادة. وفي السنوات الثلاث الماضية زاد معدل النمو الاقتصادي لهذه الدول على 6% مقابل 4,2% في الدول الغنية المتقدمة.
وتوقع صندوق النقد الدولي أن غالبية هذه الدول سوف تسجل معدل نمو اقتصادي نحو 6% خلال السنوات الخمس المقبلة، أي ضعف معدل نمو الدول المتقدمة.
غير أن الإفراط في التفاؤل يكتنفه بعض المخاطر لكن إذا حافظت هذه الدول على هذا المعدل من النمو، سوف تمثل الاقتصادات الصاعدة ثلثي إجمالي الناتج العالمي خلال 20 سنة.
وهناك فرصة طيبة لتحقيق ذلك. فغالبية الاقتصادات الصاعدة في حالة اقتصادية جيدة حالياً.
وبالتالي لديها قدرة أكبر على مواجهة الأزمات والصدمات العالمية، ونضجت السياسات الاقتصادية لهذه الدول وغالبيتها خفضت معدلات التضخم بفضل تشديد السياسات النقدية والمالية. وتحولت غالبيتها إلى نظم عملة أكثر مرونة، وكثير منها لديها فائض في الحساب الجاري وتملك قدراً كبيراً من الاحتياطات الأجنبية.
وتساعد الاصلاحات الهيكلية وفتح الأسواق في تعزيز الأنظمة المالية وتحسين كفاءة الاستثمار.
وقال معهد التمويل الدولي مؤخراً ان صافي التدفق المالي من القطاع الخاص على الأسواق الصاعدة بلغ 358 مليار دولار في عام 2005، وهو رقم قياسي.
لكن غالبية الدول النامية لم تعد في حاجة لهذه الأموال لتمويل العجز في الحسابات الجارية. وطفرة الدول النامية الحالية نتجت بالدرجة الأولى من المدخرات المحلية أكثر من الاستدانة، بعكس الطفرات السابقة.
وبلغت نسبة الدين الخارجي من الصادرات 82% في العام الماضي، مقابل 174% عام 1998.
ثلاثة عوامل
غير أن هناك ثلاثة عوامل ساعدت في حدوث الطفرة الحالية في الأسواق الصاعدة، أولاً ارتفاع أسعار المواد الخام التي وفرت دفعة للدولار التي تنتجها مثل روسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا.
ثانياً انخفاض أسعار الفائدة، الذي خفف من تكلفة خدمة الدين، خاصة بالنسبة لدول أميركا اللاتينية حيث تبلغ نسبة الدين إلى الصادرات، ضعف نظيرتها في بقية الدول النامية.
وثالثاً ساعد ارتفاع الطلب الأميركي في رفع الصادرات من الدول النامية. لكن هذه البيئة الملائمة لا يمكن أن تسخر لفترة طويلة. فأسعار الفائدة في ارتفاع، والمستهلكون الأميركيون لا يمكن أن يستمروا في الإنفاق بنسبة أكبر من دخولهم.
والصناعات كثيفة الاعتماد على الطاقة في الاقتصادات الصاعدة معرضة لخطر ارتفاع تكلفة الطاقة. لكن الجيد أن هذه المخاطر تتوازن مع بعضها. فالانخفاض في الطلب الأميركي سيقلل من أسعار الفائدة واسعار الطاقة أيضاً.
وربما يكون أكبر خطر هو أن تشجع هذه الطفرة على التكاسل والتراخي في الإصلاح، لكن لا تزال هناك جهود مطلوبة من تشديد الالتزام في الأنظمة المالية إلى زيادة مرونة نظام العملات.
مستقبل الدول النامية
ولن يكون التوسع المستقبلي للدول النامية ذات الاقتصادات الصاعدة في خط مستقيم فلا محيص من صدمات اقتصادية متوقعة وفقاعات مالية، كما حدث لأميركا عندما تصدرت المسرح العالمي في أواخر القرن التاسع عشر.
غير أن التوقعات طويلة المدى بالنسبة للدول النامية إجمالاً تبدو جيدة، ما دامت تتجه نحو الأسواق المفتوحة الحرة وتستمر في اتباع سياسات مالية ونقدية حصيفة.
فإذا تحققت الحقوق الأساسية في الدول النامية، قد تتفوق على الدول المتقدمة وهناك احتمالات كبيرة لارتفاع الإنتاجية باستيراد آلات من الغرب وخبرة غربية، لأن الدول النامية تبدأ بقدر أقل كثيراً من المال لكل عامل مقارنة بالدول المتقدمة.
وقد يخشى الكثيرون من أن نصيب الدول النامية من الإنتاج العالمي يرتفع، لكن هذا لا ينبغي ان يقلق الغرب الثري، لأن مستويات المعيشة تعتمد على النمو الإجمالي وليس النسبي، وطفرة الدول النامية تعزز الإنتاج العالمي، ولا تعوض النمو في مكان آخر من العالم.
وسيؤدي ذلك إلى تعزيز النمو في العالم الثري، إلا إذا تسببت الدول الواقعة بين الطرفين في إبطاء هذا النمو، ليس بالاستيراد فقط من الدول النامية، بل بطرح سلع استهلاكية أرخص بالسماح للشركات متعددة الجنسية باستغلال الاقتصادات على نطاق أوسع وتشجيع حسن توزيع الموارد من خلال تزايد المنافسة.
وبالتأكيد من الأفضل للدول الغنية الآن ان يكون نصيبها أصغر في الاقتصاد العالمي سريع النمو، بدلاً من نصيب أكبر في اقتصاد عالمي راكد.
ترجمة: أشرف رفيق