قال محللون إن زيادة الاحتياطيات الصينية من النقد الأجنبي تُعتبر برهاناً ساطعاً على نمو اقتصاد البلاد، ويرى بعض المحللين أن تراكم النقد الأجنبي كما هو حال الذهب في الماضي، أحد الوسائل لقياس التقدم الاقتصادي، في صعوده إلى مراتب القوى التجارية العالمية.
ورغم ذلك، وفي ضوء احتياطيات الصين، التي شارفت في مستواها الاحتياطيات اليابانية، فإن ثمة توجساً من أن ذلك الفيض الهائل من النقد الأجنبي قد يعرِّض البلاد لخطر، من شأنه تقويض نموِّها الاقتصادي، حتى بلغ الأمر بوسائل الإعلام الرسمية إلى التشكيك بحكمة تلك السياسة.
بعد إعلان بنك الصين المركزي (بنك الشعب الصيني) أن احتياطيات النقد الأجنبي زادت قرابة 50 مليون دولار خلال الربع الرابع من العام الماضي لتضرب رقماً قياسياً وصل إلى 819.9 مليار دولار.
وفي تعليق وزعته وكالة »شينخوا« الرسمية للأنباء قالت إن الزيادة السريعة في الاحتياطيات ليست محبَّذة، لاحتمال إضرارها في الفائض التجاري الصيني، وتقود إلى نمو غير مسوَّغ للمخزون المالي.
وإلى ذلك، يقول جيمس مكور ماك محلل الائتمان لدى فيتش في هونغ كونغ: »إن الاحتياطيات أكثر من كافية، ولربما زائدة عن الحاجة، ولا يضاهيها سوى اليابان باحتياطياتها التي بلغت 847 مليار دولار نهاية أكتوبر، التي تمتلك مخزوناً أكبر من الاحتياطي النقدي«.
ويرى بعض المحللين أن تلك الاحتياطيات المتضخمة التي تقوم بكين بجمعها للمحافظة على ربط اليوان بالدولار، يمكن أن تقود إلى مزيد من الاحتكاك التجاري مع واشنطن، لأن فائض الصين التجاري مع الولايات المتحدة يكاد يتجاوز 200 مليار دولار عام 2005، ويخشى بعض الاقتصاديين من خضوع البنك المركزي إلى ضغوط لاحتواء التضخم الناجم عن شرائه للنقد الأجنبي.
ويحاجج آخرون بأن سياسة الحكومة باستثمار ما قيمته 70 في المئة من احتياطياتها في الولايات المتحدة، في أصول يهيمن عليها الدولار، فإنها بذلك تكبد الصين خسائر فادحة، إذ ان تلك الاستثمارات على سبيل المثال تتضمن قرابة 247 ملياراً من سندات الخزانة الأميركية.
ويشتكي نقاد من أن تلك الاستثمارات قليلة المردود نسبياً، تشكل تحويلاً كبيراً للثروة من إحدى أفقر دول الأرض، إلى أغناها. ويدافعون بأن الأموال تلك يمكن استثمارها بصورة أكثر ربحاً في اقتصاد الصين المزدهر.
وفيما يختلف الخبراء الاقتصاديون إزاء تلك المخاوف فإن الكثيرين يعتقدون أن تلك الزيادة الضخمة في احتياطيات الصين من العملات الأجنبية ستقود بالتأكيد إلى كسب عداء الولايات المتحدة وبعض الشركاء التجاريين الآخرين مثل اليابان وأوروبا.
لقد ازدادت احتياطيات الصين من العملات الأجنبية بأكثر من ثلاثة أمثالها منذ عام 2002، في مقياس واضح لجهود بكين للمحافظة على انخفاض قيمة اليوان ورفع مستوى تنافسية الصادرات الصينية.
ويذكر أن البنك المركزي في مسعاه للمحافظة على قيمة العملة الصينية يقوم بشراء كمية كبيرة من العملات الأجنبية المتدفقة إلى الصين من واردات الصادرات والاستثمارات الأجنبية ورؤوس الأموال المضاربة.
وإلى ذلك أعرب تشو بينغ المحلل الائتماني في ستاندارد آند بورز سنغافورة عن أن ذلك سيضيف لا محالة الضغوط وخصوصاً من جانب المشرعين الأميركيين لرفع قيمة اليوان في إشارة منه إلى أرقام العملات الاحتياطية المعلنة.
وكانت الصين رضوخاً لضغوط من جانب شركائها التجاريين سمحت لليوان في يوليو الماضي بالارتفاع بنسبة 21 في المئة مقابل الدولار، كما طرحت في الوقت عينه نظام تعويم مبرمجاً سمح فيه لليوان بالمضاربة في نطاق ضيق مقابل سلة من العملات.
غير أن ذلك لم يسكت منتقدي السياسة التجارية للصين، وتهديد بعض المشرعين الأميركيين بالتحرك، والذي يتضمن فرض تعرفة بنسبة 27.5 في المئة على الواردات الصينية ما لم تسمح الصين لعملتها بمزيد من الارتفاع.
وحتى الآن، فإنه لا توجد دلائل على أن تراكم العملة الأجنبية سوف يشعل التضخم حسبما ذكر محللون. وتظهر تلك المخاوف من صعود التضخم نظراً لقيام الحكومة الصينية بطباعة عملة محلية لسداد ثمن العملة الأجنبية التي تشتريها.
ورغم ذلك، ولاحتواء تهديد التضخم السريع نتيجة نمو المخزون النقدي، فإن الحكومة تعمد إلى بيع الدين لتغطية أو »تعقيم« اليوان الذي تصدره.
ويبدو أن هذه العملية تحقق نتائجها باقتناع معظم الخبراء الاقتصاديين. إن نمو المخزون المالي كان متماشياً مع توسع الاقتصاد، إلا أن خبراء آخرين يفندون الحجج القائلة إن الصين غير صائبة في قرارها الاستثمار بكثافة في أصول الدولارات.
وأشاروا إلى أن عوائد الاستثمار في داخل الصين كان متواضعاً نسبياً مقارنة بالعوائد المحتملة من احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية، وبالرغم من إصرار واشنطن على أن اليوان منخفض نسبياً انخفاضاً مصطنعاً مقابل الدولار.
فإن شراء الصين للديون الأميركية أفاد أميركا بالإبقاء على انخفاض أسعار الفائدة، بالرغم من العجز الهائل في الموازنة، ومع ذلك فإن ثمة مؤشرات بأن الحكومة الصينية باتت تشعر بعدم الارتياح بمستوى تراكم عملاتها الأجنبية. وقد عمدت أخيراً إلى تخفيف بعض القيود الخاصة بالعملة.
بحيث بات بإمكان القطاعات التجارية والأفراد اصطحاب مزيد من الأموال إلى الخارج.وأعلنت بكين في 5 يناير أنها ستلغي حدود المبالغ التي تستطيع الشركات المحلية استثمارها في الخارج.
ويتوقع محللون أن تطرح الحكومة إجراءات أخرى، مثل الشروط الخاصة باحتفاظ الشركات بمزيد من أرباح العملات الأجنبية، كما صدرت إيحاءات بأن الصين ستنوع مقتنياتها من العملات الأجنبية بعيداً عن الدولار.
وأشارت تقارير صدرت عن وسائل الإعلام الصينية مفادها أن الحكومة قد تفكر باستخدام فائضها من الاحتياطيات الأجنبية لشراء نفط مستورد، وبناء احتياطي نفطي استراتيجي.
ترجمة: وائل الخطيب
