إعفاء الديون يلحق ضرراً كبيراً بالدول التي تدير أصولها بحكمة

إعفاء الديون يلحق ضرراً كبيراً بالدول التي تدير أصولها بحكمة

قالت دراسة منشورة في موقع البنك الدولي إن إعفاء البلدان الأفدح مديونية من ديونها بالكامل سيُلحق ضرراً بالبلدان الفقيرة التي أدارت ديونها بحرص. فمن دون ضخ حكومات العالم مقادير هائلة من الأموال لتغطية نفقات إعفاء الدين بالكامل، سيصبح من الأصعب بكثير على البلدان التي أدارت أموالها بحكمة الحصول على قروض منخفضة الفائدة ومنح من مؤسسات مثل البنك الدولي.

ووفقاً لشروط البنك فإنه ولكي يكون بلد ما مؤهلاً للمشاركة في مبادرة تخفيف مديونية البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، يجب أن تكون مديونيته غير مستدامة عقب التطبيق الكامل لآليات تخفيف عبء الديون التقليدية.

ويعتبر مستوى ديون أحد البلدان غير مستدام إذا كانت مستويات الديون إلى الصادرات أعلى من نسبة ثابتة تبلغ 150%، أو عندما تملك البلدان اقتصادات شديدة الانفتاح بحيث لا يعكس الاعتماد المطلق على المؤشرات الخارجية بصورة كافية العبء المالي الذي تمثله الديون الخارجية وتكون عائدات الديون إلى الحكومة أعلى من 250%.

يكون مؤهلاً فقط للحصول على مساعدات ميسرة بنسبة كبيرة من المؤسسة الدولية للتنمية، وهي ذلك الجزء من البنك الدولي الذي يقدم قروضًا بشروط ميسرة للغاية، ومن صندوق النمو وتخفيض أعداد الفقراء التابع لصندوق النقد الدولي.

وفي عام 1996 بدأ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي برنامجاً لا سابق له لتخفيف عبء الديون الذي يثقل كاهل أفقر البلدان. وقد جاءت هذه المبادرة نتيجة القلق من أن مستويات المديونية لهذه البلدان البالغة تعيق النمو الاقتصادي وتثبط جهود تخفيض الفقر.

وقد تضمن البرنامج اتفاقا بين كافة المقرضين الدوليين الرئيسيين على منح تلك البلدان، التي كانت تعاني تحت ثقل عبء مديونية كبير، فرصة بداية جديدة.

وفي عام 1999 جرى تعزيز هذه المبادرة لتزويد مجموعة أكبر من البلدان المستحقة بتخفيف للمديونية أسرع وأعمق ولزيادة صلات البرنامج بجهود تخفيض الفقر المستمرة في هذه البلدان.

وتقدم هذه المبادرة حالياً ل38 بلداً، 34 منها في افريقيا جنوب الصحراء، فرصة تخفيف مديونيتها. وعندما تقرر حكومات المشاركة في هذه المبادرة فإنها تتعهد مقابل الحصول على تخفيف للمديونية القيام بسلسلة من الإصلاحات الرئيسية المصممة لتشجيع التنمية الاقتصادية المستدامة وإحداث تخفيضات في مستويات الفقر.

وتتضمن هذه الإصلاحات وضع سياسات ماكرو اقتصادية سليمة وخلق نظام قضائي صحيح وإقامة نظام مالي موثوق خاضع للمساءلة. وتوضع خطط تفصيلية لتحسين قدرة الجمهور على الحصول على الخدمات العامة وتحسين نوعية هذه الخدمات وكذلك تحسين نوعية حياة الفقراء.

وعندما يقدم بلد هذا الالتزام ويُقبل في المبادرة يكون عندها قد وصل ما يسمى «نقطة القرار» ويمنح تخفيفاً للمديونية. وعندما تتحقق الإصلاحات التي تعهد بها البلد المعني فإنه يصل إلى «نقطة الاكتمال» ويصبح تخفيف الدين دائماً.

وحصل 27 بلداً على مستويات ذات شأن من تخفيف المديونية بموجب هذا البرنامج الذي يتوقع أن يصل بمرور الزمن إلى 52 مليار دولار أميركي.

وقد التزم البنك الدولي بتقديم نحو 4,12 مليار دولار خلال العقدين المقبلين لتخفيف عبء خدمة ديون البلدان ال27 التي جرت الموافقة على دخولها في المبادرة حتى الآن.

ويبدأ تخفيف الدين مباشرة بعد نقطة القرار عندما يتم التوصل إلى اتفاق على عناصر البرنامج بين البلد المعني ودائنيه. وهذا يعني أن 27 من البلدان ال38 المؤهلة للمشاركة أصبحت تتمتع بفوائد المبادرة بالفعل.

وفي بعض الحالات تأخذ صياغة استراتيجيات تخفيض الفقر ـ وهي أحد متطلبات المبادرة ـ زمناً أطول مما كان متوقعاً. وذلك لأن البلدان المعنية مشغولة باستشارات واسعة مع أصحاب المصلحة جديرة بالتشجيع.

ولا شك أن الإصلاحات تحتاج وقتاً كي تنفذ وتصبح مستقرة. ولذا تبنى معظم البلدان نقاط اكتمال غير محددة زمنياً لاجتناب فرض مواعيد غير ممكنة أو لتقليل ضغوط غير مبررة على البلد المعني قد يحمله على استعجال الإصلاحات دون تروٍ. فآخر ما يريده البنك هو أن تلتزم البلدان المعنية بمواعيدها على حساب نوعية الإجراءات التي تتخذها.

ويقول خبراء البنك إنه من الأهمية بمكان الحفاظ على معايير نوعية للسياسات والإجراءات كشرط مسبق للتنمية الاقتصادية المستدامة ولبرامج تخفيض الفقر ذات الاثر المرتفع. ولقد صُممت هذه المعايير لضمان الحصول على أقصى قدر من المنافع من المبادرة ولأن تستخدم الأموال التي يجري توفيرها استخداما جيداً بحيث تصل الفقراء.

ويرى البعض أنه لا يمكن لأي مقدار من سماح الديون مهما كبر أن يضمن قدرة البلد المعني على الوفاء بالتزامات مديونيته في المستقبل. فذلك على المدى الطويل يعتمد على تحقيق نمو قوي يقوم على سياسات حكومية سليمة، بما في ذلك توخي الحرص في الاقتراض من الخارج وإدارة الدين.

وكان للأحداث الدولية التي وقعت في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي- ولا سيما أزمة سعر النفط وزيادة أسعار الفائدة والكساد في الدول الصناعية وضعف أسعار البضائع ـ أثر كبير في الإسهام في خلق مشكلات الديون التي حلت بالكثير من البلدان منخفضة الدخل.

واضطرت حكومات البلدان الفقيرة إلى الاقتراض خلال السبعينات من القرن الماضي بناءً على الاعتقاد التنموي السائد بأن البلدان منخفضة الدخل ينبغي أن تستثمر في الصناعة وفي مجالات الاستيراد-التصنيع والبنية الأساسية بوجه خاص.

كان الرأي السائد يقضي بأن يكون للحكومات دور قيادي في عملية التصنيع، وبناءً على ذلك قامت الحكومات أساساً باقتراض المال. لكن مع تدني أسعار البضائع في بدايات الثمانينات من القرن الماضي وارتفاع أسعار النفط لجأت الدول للاقتراض المتزايد لتعويض تجاوز مبالغ الاستيراد ما يتم تصديره.

كما لعبت العوامل الداخلية دوراً ملحوظاً في تراكم الديون. فقد استمرت الكثير من الدول المصنفة ذات دخل متوسط أو منخفض بالعيش في مستوى يتجاوز مواردها المادية وهو ما يتمثل في متاجرة عالية وعجز في الميزانية ومعدلات مدخرات منخفضة.

ثم قامت هذه الدول بالاقتراض أكثر ولكن في غالب الأمر لم توجه القروض الجديدة إلى استثمارات منتجة من شأنها تحقيق عائدات لخدمة تلك القروض.

وبالتحديد، تضمنت إدارة القطاع العام الفقير أحياناً اختيار المانحين لمشاريع غير ناجحة والتعامل مع أموال القروض التي كانت تهدف لزيادة الإنتاج بينما فشلت عملية تحسين التصدير في أن تدر العائد المتوقع .

ولم تحقق أي أرباح طويلة الأجل تتعلق بالقدرة على جني عملات أجنبية. تفاقمت مشكلات الجفاف والفيضانات والحروب الأهلية وضعف السياسات الاقتصادية وضعف إدارة الحكم وأسهمت كلها في تراكم الديون، كما تم توجيه بعض القروض لخدمة ديون قائمة بالفعل.

وبدأت الديون في افريقيا في التزايد خلال فترة السبعينات واستمرت على مدار الثمانينات من القرن الماضي، وكان مصدر الاقتراض الرئيسي في افريقيا هو الدائنون الرسميون وخاصة حكومات الأمم الصناعية. وتسبب كساد السبعينات وظهور المعونات الأجنبية في تقديم قروض كبيرة.

وفي البداية، آمن الدائنون بما فيهم الوكالات متعددة الأطراف بأن مشكلات الديون في البلدان المقترضة كانت مشكلات مؤقتة. ارتفعت أسعار السلع - ما تصدره الكثير من البلدان منخفضة الدخل - إلى 12% سنوياً بين عامي 1970 و1980 قبل أن تنهار بشدة في بداية الثمانينات.

وفي النهاية فشلت في العودة مرة أخرى لمعدلها. كانت الديون مجدولة في بداية الثمانينات من القرن الماضي بناءً على الاعتقاد بأن ظروف التجارة في الدول المقترضة ستتحسن، في الوقت الذي استمرت فيه قروض المعونات الجديدة الميسرة.

ثم استمر تدفق المعونات الثنائية لدول افريقيا بصورة إيجابية خلال الثمانينات، كما أن المانحين الغربيين بدأوا في توفير منح ذات سعر فائدة متزايد لبلدان افريقيا.

وفي منتصف الثمانينات من القرن الماضي، اتحدت حكومات الدائنين الغربيين في «نادي باريس» لإيجاد حل لمشكلات الدفع من خلال جدولة الديون، لكن ذلك لم يؤد إلا لإرجاء التزامات الدفع في الوقت الذي أضيفت فيه الفائدة إلى القرض الأصلي وبذلك ازدادت القيم الإسمية للقروض.

كما بدأ الدائنون الرسميون بداية من عام 1988 بالاعتراف بأن بعض القروض لن يمكن على الأرجح سدادها أبداً وقاموا تدريجياً بإسقاطها. لكن تم تطبيق ذلك فقط على القروض التي بدأ سريانها قبل تاريخ محدد وخدمات القروض التي تمت في فترة معينة.

وبالتدريج ازدادت نسبة القروض المسقطة في هذا الجزء المحدود لخدمة القرض من 33% إلى 50% (في عام 1991) وإلى 67% (في عام 1994) حتى وصلت إلى 80% في عام 1996.

ثم تمت جدولة المبلغ المتبقي من خدمة الدين وفق شروط السوق. كان أحد شروط تلك الاتفاقية مع «نادي باريس»هي أن تكون البلدة المعنية قد ارتبطت باتفاقية مع صندوق النقد الدولي فقد اهتمت اتفاقية «نادي باريس» بالتزامات خدمة الديون الواجب سدادها خلال فترة سريان اتفاقية صندوق النقد الدولي.

وفي عام 1996 أصبح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الدافعين لمبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، وقد أقرا بالحاجة إلى تخفيف أعباء الديون بالنسبة للديون متعددة الأطراف. تم تحسين مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون في عام 1999 وتم تخفيف أعباء الديون بقيمة 54 مليار دولار لعدد 27 بلدة فقيرة مثقلة بالديون.

ولم تعان كل البلدان منخفضة الدخل من أزمة في الديون نتيجة لقروضها في فترة السبعينات والثمانينات. نجد أن النمور الآسيوية الاقتصادية كدول شرق آسيا والصين والهند قامت جميعاً بالحد من معدلات الفقر لديها بوساطة القروض الميسرة.

ثم تم استخدام الأموال لتنويع صادراتها مع عدم الاعتماد على السلع التي أبعدتها عن تدهور أسعار السلع الذي كان منتشراً في بدايات الثمانينات. كما أن هذه الدول تمكنت من جذب استثمارات جيدة وحققت النمو مما أسهم في الحد من الفقر.

وإبان فترة السبعينات من القرن الماضي، كان الرأي السائد يقضي بأن يكون للحكومات دور قيادي في عملية تصنيع اقتصاداتها. فاضطرت حكومات البلدان الفقيرة إلى الاقتراض بصورة مفرطة بناءً على الاعتقاد التنموي السائد في ذلك الوقت، ولا سيما استراتيجية التصنيع بالاستعاضة عن الواردات.

وهكذا، تم تشجيع البلدان منخفضة الدخل على الاستثمار في الصناعة والبنية التحتية واستبدال السلع والخدمات التي يتم شراؤها من خارج البلد بالسلع والخدمات التي تنتج داخل البلد. وقامت الدول والمؤسسات المملوكة للدولة باقتراض المال من أجل هذه المجهودات.

بالإضافة إلى ذلك، شهدت أسعار البضائع انخفاضًا في بدايات الثمانينات من القرن الماضي ـ مما أدى إلى تدهور قيمة الصادرات ـ في حين ارتفعت أسعار النفط ـ مما أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات. ومن ثم، كان السبيل الوحيد أمام الحكومات لتعويض حقيقة أن وارداتها تفوق صادراتها هو الاقتراض المتزايد.

واستمرت الكثير من البلدان، المصنفة ذات دخل متوسط أو منخفض، بالعيش في مستوى يتجاوز مواردها المادية وهو ما تمثل في متاجرة عالية وعجز في الميزانية ومعدلات مدخرات منخفضة.

ثم قامت هذه الدول بالاقتراض أكثر ولكن في غالب الأمر لم توجه القروض الجديدة إلى استثمارات منتجة من شأنها تحقيق عائدات لخدمة تلك القروض.

وبالتحديد، كانت إدارة القطاع العام الفقير واختيار المانحين والمقرضين لمشاريع غير ناجحة تعني أن أموال القروض التي كانت تهدف لزيادة الإنتاج وتوليد الصادرات فشلت في أن تدر العائد المتوقع ولم تحقق أي أرباح طويلة الأجل تتعلق بالقدرة على جني عملات أجنبية.

علاوة على ذلك، تفاقمت مشكلات الجفاف والفيضانات والحروب الأهلية وضعف السياسات الاقتصادية وضعف إدارة الحكم وأسهمت كلها في تراكم الديون. والجدير بالإشارة أن بعض القروض تم توجيهها لخدمة ديون قائمة بالفعل.

واستطاعت البلدان التي تقع في دائرة اقتصادات النمور الآسيوية كبلدان شرق آسيا والصين والهند خفض معدلات الفقر لديها بوساطة القروض الميسرة ولم تعان من أزمة في الديون نتيجة الأحداث الاقتصادية العالمية التي وقعت في فترتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

كما استخدمت الأموال المقترضة لتنويع صادراتها بعيدًا عن الاعتماد على السلع. ومع توافر بيئات استثمار محسنة، تمكنت هذه البلدان من جذب استثمارات مهمة وتحقيق نمو، مما أسهم في تخفيض أعداد الفقراء. (وكالات)

طباعة Email
تعليقات

تعليقات