يعتبر الفنان الموريتاني سيداتي ولد آبه واحداً من أعلام الموسيقى الموريتانية، حيث كان أول فنان يعزف النشيد الوطني في أول يوم من أيام استقلال موريتانيا، كما اشتهر بصوته الشجي وجمع ملكة الصوت العذب والعزف بأنامله على أوتار آلته المعشوقة (التيدينت) التقليدية، فكان فناناً اكتملت في أدائه عناصر التشويق والإبداع.

وساهم ولد آبه في تطوير الأغنية واللحن فكان أول من أدخل «العود» إلى جانب التيدينت و«آردين» عام 1962 أثناء سفر قاده إلى باريس. وترأس سيداتي أول رابطة للفنانين الموريتانيين عام 1962، ومثل موريتانيا في عدد من التظاهرات الموسيقية العالمية.

«البيان» زارت الفنان الكبير سيداتي ولد آبه في منزله في نواكشوط واجرت معه الحوار التالي:

ـ لو تحدثنا عن بدايتك الفنية؟

ـ تربيت وسط أسرة فنية معروفة، وتعلمت فنون الموسيقى التقليدية في وقت مبكر من حياتي، وكان لي دور كبير في تطوير الفن الموريتاني والحفاظ على التراث الموسيقي للبلاد.

ـ لماذا الفن الموريتاني غير قادر على مواكبة التطورات العصرية كما يعتقد البعض؟

ـ هذا غير صحيح الفن الموريتاني يتميز بأسلوبه الخاص، وخلال جولات الفنانين الموريتانيين في مختلف بلدان العالم، أثار هذا الفن إعجاب الكثير من الشعوب، وهناك دعوات من بلدان أوروبية وعربية توجه لنا في كل المناسبات للمشاركة في المهرجانات الفنية.

ـ كنت أول من لحن النشيد الوطني لاستقلال موريتانيا، كيف حدث ذلك؟

ـ كنت يوم 28 نوفمبر 1960 في بادية ولاية (تكانت)، وعلمت بحصول البلاد على الاستقلال عن طريق أحد الحراس الذي أخبرني على وجه السرعة باستدعاء (بوركري) الحاكم الفرنسي في تجكجة عاصمة الولاية لي حيث تم إرسالي في طائرة إلى نواكشوط، ومن ثم إلى (سنلوي) السنغالية بغية وضع النشيد الوطني وكانت المرة الأولى التي أركب الطائرة في حياتي.

وفور وصولي إلى سنلوي حيث كانت الإذاعة الموريتانية تبث من هناك وطلب مني تلحين وغناء النشيد الوطني الحالي بعد أن تعذر وجود وصلة غنائية لاستعمالها كنشيد وطني، وقد استغرق انجاز هذه المهمة ساعات قليلة وتم على ايقاع الموسيقى العسكرية واستعملت فيه آلة (التيدينت) وهي آلة عزف تقليدية، وبعد ذلك حمل أحد الفرنسيين النشيد إلى فرنسا.

ـ هل ترددت أو خفت في البداية؟

ـ لم أشعر بالخوف بل ذهبت مباشرة إلى الاستديو في الإذاعة الموريتانية من سنلوي ولما وصلت أخبروني أنه على القيام بتلحين النشيد الوطني، وكان الأستاذ والأدب الشعبي محمدن ولد سيدي إبراهيم يقوم بالتعاون مع فرنسيين بمحاولة لتلحين النشيد الوطني غير أن ذلك تعذر، وإذا بالأيام تمر دون تحقيق شيء، عندها تدخل وزير الداخلية آنذاك أحمد سالم ولد هيبه رحمة الله عليه وأمر بإرسال مبعوث يطلبني شخصياً لأداء المهمة، جاءوني بأبيات بابه ولد الشيخ سيديا:

كن للإله ناصر

وأنكر المناكرا

وكن مع الحق الذي

يرضاه منك دائراً

وطلبوا مني أن أقوم بتلحين هذه الأبيات.

ـ قرأت الأبيات، ثم بدأت تفكر في اللحن، على أي الآلات الموسيقية عزفته المرة الأولى، وكيف تم تسجيله رغم تواضع الوسائل الفنية آنذاك؟

ـ عندما قرأت الأبيات أخذت «التيدينت» ثم سألتهم عن طبيعة الإيقاع المطلوب في مثل هذا التلحين، قالوا: ليكن على طريقة سير العساكر (مارش) «طيبت التيدينت» ثم «برمت» وما هي إلا ساعتان أو ثلاث حتى كان اللحن جاهزاً.

في مثل هذه الألحان يجب أن نقوم بالتلحين في «الطريق» التي تبعث الحماس لشد الأزر ورفع المعنويان، وكان لحن «فاغو» التقليدي هو أنسبها وأجملها وأكثرها حماساً وقوة، وأشرف على العملية خبير فرنسي قام بتسجيل النشيد على آلة «الديسك» وقد أخذ منه طبيعتين: حيث أخذ العزف مسجلاً وحده ثم أخذ تسجيلاً آخر للنشيد مغنى ومعزوفاً وذهب به إلى فرنسا، وكان يضع عليه بعض اللمسات الفنية، ثم عاد به قبيل الاحتفال الكبير بعيد الاستقلال الذي نظم في نواكشوط احتفاء برحيل الاستعمار عن بلادنا.

ـ هل تصف لنا طبيعة الإحساس الذي لا شك كنت تعيشه في تلك اللحظات، إلى أي حد يتجاوز مجرد شعور فنان أطرب نفسه ومن حوله؟

ـ على كل حال قد تكون البداوة تطبع تصرفاتي وتفكيري في تلك الحقبة، لكني لم أكن بدوياً ساذجاً إلى درجة أنني لا أتفاعل مع نشيد وطني، أحسست أن ميلاداً جديداً قد اقترب، فالنشيد بالنسبة إلي كان رمزاً للتحرر والانعتاق من الاستعمار، وأعتقد أن كل إنسان لا يستطيع أن يفوت الإحساس بلحظات كهذه.

وبمناسبة الاستقلال أريد أن أتقدم بجزيل الشكر لأولئك الذين أعطوني كامل الثقة وشرفوني بأن أقوم بتلحين النشيد الوطني. وأعتبر نفسي شاركت مشاركة فعالة في استقلال البلاد، وذلك شرف عظيم احتفظ به ما حييت.

؟ هل تذكر موقفاً طريفاً حدث آنذاك؟

ـ من أطرف المواقف التي مرت علي في أيام الاستقلال الأولى إني كنت في البادية وعندي (جمل) من الشكل الرفيع وجاءني رسول الحاكم من أجل إعادة تسجيل كان قد قام به من قبل وكان جملي قد تخلف وكنت بعيداً عن مضاربي، فرفضت الاستجابة فاقترح الحاكم أن يرسل أفراداً من الحرس للبحث عن الجمل. وأعطاني سيارة لكي أزور الأهل، وكانت هذه السيارة شاحنة فقلت لهم إني لست برميلاً لكي يوضع في هذه السيارة، ولم يجدوا أمام امتناعي بداً من أن يحضروا طائرة لتقلني للغرض.

نواكشوط ـ بشير ولد ببانه: