سجل الدرهم الإماراتي خلال العام 2005 تقدماً ملموساً مقابل العملات العالمية تبعاً لارتباطه المباشر بالدولار الأميركي، الذي أظهر بدوره ارتقاءً واضحاً في مستوياته السعرية أمام كل من اليورو الذي ارتفع مقابله بنسبة 12%، والجنيه الاسترليني بنسبة 10% والين الياباني بنسبة 13%.
إلا أن أداء الدرهم بشكل عام وصف بالمتذبذب، واعتبر عدد من المراقبين أن صعوده خلال العام جاء مستفيدا من خطوات المجلس الاحتياطي الفيدرالي التي اشتملت على رفع سعر الفائدة بمعدل 200 نقطة خلال 12 شهراً، الأمر الذي غطى على تنامي ميزان العجز التجاري والحساب الجاري الأميركي.
وأبعد المؤثرات اللحظية التي كان من الممكن أن تؤثر على اقتصاد العالم من كوارث طبيعية وأعاصير ضربت القارة الأميركية أو من خلال الأنباء السلبية حول التضخم وارتفاع أسعار النفط.
من جانب آخر فإن البعض اعتبر أن الدولار ارتقى بمستواه إلى مستويات إيجابية مستفيداً من ويلات ومشاكل منافسيه، مثل الين الياباني الذي تأثر سلباً بانتقال المضاربين إلى أسواق الصين للمضاربة على اليوان إلا أنه لم يفي بتطلعاتهم بسبب إعادة التقييم البسيطة .
والذكية التي قم بها المركزي الصيني، أو من خلال أحداث الشغب التي وقعت في باريس، والانتخابات الألمانية، وتأخر كل من أوروبا وبريطانيا في اتخاذ قرار جوهري بالنسبة لتحريك أسعار الفائدة.
حركة الدرهم مقابل العملات
استقبل الدرهم الإماراتي عامه الماضي في الثالث من يناير 2005 ضمن مستوياته المتدنية عند السعر 7 دراهم لكل جنيه استرليني، و0.0357 درهم لكل ين ياباني، و4.95 لكل يورو، ودخل الدرهم حينها في رحلة ارتفاعه مقابل العملات على الرغم من وضع المقاومة الذي أصابه في أواخر شهر مارس.
واضطر حينها، لاستجماع قواه من جديد تبعاً للتطور الأميركي الذي اتخذه المصرف الفيدرالي الأميركي من خلال رفع أسعار الفائدة في خطوة، تقدم المغريات للمستثمرين الأجانب واليابانيين لاستثمار أموالهم.
وشراء شهادات الخزانة الأميركية التي دعمت بدورها عملية إدارة السيولة المهاجرة من أميركا ودفعتها لدخول السوق الأميركية من جديد.
وعلى هذا المنوال أنهى الدرهم نصف العام الماضي بتحسن نسبي عند السعر 6.30 دراهم لكل جنيه استرليني، و0.0331 درهم لكل ين ياباني، و4.44 دراهم لكل يورو.
وواصل الدرهم تقدمه من جديد، حتى أنهى عامه بتحسن كبير ظهر من خلال مستويات الأسعار المسجلة في 31/1/2005 مقابل اليورو عند 4.35 دراهم، و0.0311 درهم مقابل كل ين ياباني، و6.30 دراهم مقابل كل جنيه استرليني.
ليفضي بذلك الدرهم من جيد على مستوياته السعرية بتقدم نسبي بعد تراجعه الكبير مقابلها في العام 2004، الأمر الذي أنعش فكرة رفض ارتباط الدرهم بالدولار.
وهي القضية التي كانت مثار جدل واسع بين الخبراء والاقتصاديين المحليين، ليس في الإمارات وحسب، بل في دول العالم التي تحتكم في ميزان عملتها بارتباط مباشر مع الدولار الأميركي، سواء من حيث الوجهة السعرية أو الاقتصاد بشكل عام.
العملات العربية
وعلى هامش تحركات الدرهم الإماراتي مقابل العاملات الرئيسية في العالم، استقبل الدرهم تداولاته مقابل العملات العربية كأي عام مضى، فالعرف القائم يجسد فكرة ارتباط جميع العملات الخليجية بشكل خاص بالدولار الأميركي حالها كحال الدرهم، لذا فإن الخلاصة ترمي بثبات أسعار هذه العملات مقابل الدرهم على مدار العام.
إلا ان المتابع لأسواق العملات المحلية في الدولة يلحظ أمراً ألقى بظلاله على هذه الفكرة بشكل مغاير خلال العام الحالي، فالريال السعودي لم يلتزم بهذا المبدأ نظراً لعدة عوامل ليست بالجديدة، ولكن زادت وتيرتها في العام 2005 عن الأعوام الماضية.
فقد لعب العرض والطلب على الريال دوراً كبيراً في تحديد سعره والذي نجح في خفض قيمته بشكل تجاوز النسبة 1.5% مقابل الدرهم، وكان هذا التحرك قوياً في مواسم الاكتتابات على الشركات حديثة الإدراج في سوقي دبي وأبوظبي الماليين.
حيث سمحت أغلب الشركات المدرجة وحديثة الإدراج بتملك الأجانب عامة والخليجيين خاصة في أسهم هذه الشركات مما شكل عنصر جذب للمستثمرين السعوديين الذين توافدوا بشكل كبير على أسواق الدولة .
وعرضوا كميات كبيرة من الريال على محلات الصرافة والبنوك بهدف استبدالها بالدراهم ليتمكنوا من الاكتتاب على أسهم هذه الشركات التي كانت أبرزها دانة غاز التي سحبت كميات كبيرة من السيولة من أسواق السعودية وضختها في الإمارات.
مما دفع الصرافة في أسواق المال المحلية إلى إنزال سعر الشراء من 975 ريالاً للألف درهم إلى 960 ريالاً في بعض المحلات، الأمر الذي أدى إلى فقدان الدرهم من محلات الصيارفة وعانى عدد كبير من الصيارفة من نقص في الدرهم وهو أحد دوافع تراجع سعر الريال.
كما أن حادثة وفادة الملك فهد في السعودية أدت إلى تراجع الريال السعودي وإرباك محلات الصرافة بشكل نسبي بسبب تخوفهم من إغلاق الحدود وعدم دخول الدراهم المنتظرة من الجانب السعودي في عملية الشحن.
والتبادل بين المصارف والصيارفة أيضاً، إلا أن هذه الحوادث لم تلق بظلالها على العلاقة بين هذه العملات لفترة طويلة فتأثيرها كان لحظياً ولا يتجاوز أكثر من ساعات في بعضها أو أيام في بعضها الآخر.
أما بالنسبة لليرة السورية، فقد تصدرت حديث أسواق العملة في الإمارات خلال العام 2005، باعتبارها أظهرت تحركاً مغايراً عن تحركاتها المعتادة خلال العام وكان الحدث الأبرز بالنسبة لهذه العملة .
هو تراجعها إلى أدنى مستوياتها مقابل الدرهم لأول مرة منذ 3 أعوام تقريبا مسجلة السعر15.450 ليرة سورية لكل درهم إثر تحضيرات الحكومة السورية لتغيير النظام النقدي والسياسات المالية المتبعة بهدف تشجيع السياحة والاستثمار الخارجي في سوريا، ولكنها عادت لترتفع من جديد قبل نهاية العام بفترة وجيزة.
إلا أن تراجعها مقابل الدرهم جاء بنسبة 7% خلال العام 2005 بعد إغلاقها عند السعر 15000 ألف ليرة لكل ألف درهم مقارنة مع سعرها الذي افتتحت به عامها عند السعر 14000 ألف ليرة سورية لكل ألف درهم.
وعلى صعيد آخر فإن أسعار تحويل الليرة السورية في أسواق الصرافة المحلية تراجعت إلى أدنى مستوياتها خلال العام بمعزل عن تحركات سعر الليرة النقدي، حيث وصلت بسعرها إلى المستوى 17000 ألف ليرة لكل ألف درهم الأمر الذي كان سابقة في تاريخ الليرة السورية تبعاً لقضية اغتيال الحريري وتداعيات لجنة تحقيق ميليس الدولية.
أما بالنسبة لباقي العملات فلم تطرأ تغيرات جوهرية تذكر على العملات العربية في أسواق الدولة حيث سجل الجنيه المصري سعر 0.062 – 0.068 درهم، و الريال العماني 9.5 – 9.55 دراهم، والدينار البحريني 9.7 – 9.75 دراهم.
والدينار الكويتي 12.52 – 12.58 درهماً، والريال القطري 1.005 – 1.010 درهم، والدينار الأردني 5.17 – 5.22 دراهم، والدينار العراقي 2520 – 2640 درهماً للمليون دينار.
الدولار في 2005
ويميز خبير العملات سامر حلمي المدير التنفيذي لشركة الإمارات لتداول العملات، العام 2005 باعتباره عاماً رائعاً بالنسبة للعملاق الأخضر، وقال »رغم ارتفاع أسعار الذهب والبترول.
والكوارث الطبيعية والأعاصير التي هزت أرض أميركا، تمكن الدولار من استرجاع أكبر قدر ممكن من قيمته التي خسرها مسبقا، خاصة أمام اليورو والجنيه الإسترليني. ومن أهم العوامل وراء ذلك كانت تأثيرات القرارات الاقتصادية الأميركية برفع قيمة الفائدة بشكل متكرر خلال أقل من اثني عشر شهرا.
مما دفع بعدد كبير من الحسابات الاستثمارية إلى العودة لأسواق الولايات المتحدة أفواجا، مما سمح بمحو كل خسائر الدولار التي تكبدها في العام 2004 أمام الين الياباني والجنيه الإسترليني واليورو والفرنك السويسري، في حين اقتصرت حركة الآخرين على الاستسلام«.
ويضيف حلمي »بشكل عام طابقت أسعار العملات في نهاية النصف الثاني من العام 2005 التوقعات التي كانت مرصودة من قبل، حيث وصل سعر اليورو مقابل الدولار إلى 1.17، وهو مستوى التراجع الفني المحدد 38.2% من حركة الارتفاع خلال أعوام 2002، و2003، و2004.
أما الإسترليني فقد توقف عند 1.72 بدلا من هدفه المتوقع عند خط التراجع 50% بسعر 1.67، وتخطى الين الياباني هدفه عند 118 والفرنك السويسري اقتصر على خسارة 1000 نقطة إجمالية خلال العام.
ولكن اتجاهات العملات كلها كانت طبقا للتوقعات، وقد أثبت الاقتصاد الأميركي أنه في حال أفضل بكثير مما رسم البعض، ودعم ذلك بعض أكبر المحللين الاقتصاديين في البنوك العالمية«.
من جهة أخرى اعتبر راهول بادوار الرئيس الإقليمي لمبيعات الأسواق العالمية والشرق الأوسط في فرع بنك HSBC للشرق الأوسط، أن العام 2005 كان عام الدولار الذي استفاد بشكل كبير من برنامج رفع سعر الفائدة الأمر الذي ساعد على تدفق رؤوس الأموال، التي هاجرت إثر عمليات البيع المكثفة في نهاية العام 2004، ويضيف بادوار، فقد اليورو موقعه بفضل المشكلات المتعلقة بالاتحاد الأوروبي مثل إضرابات فرنسا وانتخابات ألمانيا.
وقال بادوار »رفع الفائدة على اليورو بمقدار 25 نقطة أساسية من قبل المركزي الأوروبي وفر انفراجا لليورو في نهاية العام، كما فقد الإسترليني أرضية من خلال تطبيق فروقات أسعار الفائدة مع الولايات المتحدة الأميركية.
والحديث عن خفض الفائدة من قبل بنك انجلترا إلى جانب المستقبل السياسي لبلير على الإسترليني، أما بالنسبة للين الياباني فقد تأرجح بقوة مع ابتعاد المضاربين عنه في خطوة تهدف إلى المضاربة على اليوان الصيني لرفع قيمته إلا أن رفع القيمة كان بسيطاً، وعلى الرغم من أن اقتصاد اليابان كان منتعشاً من خلال مؤشراته الحيوية إلا أن الين بقي تحت ضغط البيع حتى نهاية العام 2005«.
أما في النصف الثاني من العام 2005 يتابع بادوار »كان الاتجاه نفسه تقريباً، فالنبرة كانت متفائلة للدولار منقادة بعوامل السابق شرحها، ولكن في نهاية العام عادت بدأت عمليات جني الأرباح، وخسارة الدولار لبعض المكاسب التي جناها سابقاً.
مفاجآت 2005
وعلى صعيد العام المنصرم اعتبر بادوار أن السوق بشكل عام لم يتحرك في اتجاه التوقعات فيما يتعلق برفع الفائدة في كل اجتماع للمجلس الاحتياطي الفيدرالي في كل اجتماع، فعلى الرغم من إظهار بعض المؤشرات تباطؤاً اقتصادياً إلا أن ان المجلس تمكن من رفع الفائدة بمعدل 200 نقطة خلال 12 شهراً.
إلا أن رفع سعر الفائدة من قبل المركزي الأوروبي كان متوقعاً كما ان خفضه من بنك انجلترا كان متوقعاً أيضاً إلا أن أكبر مفاجأة تمثلت في رفع الصين لقيمة اليوان على الرغم من أن نسبة الرفع كانت أقل من المتوقع عقب إصدار القرار.
توقعات 2006
وأشار حلمي في هذا السياق قائلاً »من الصعب تحديد ملامح تحركات العملات لعام 2006 ففي عام كامل يمكن للعديد من العوامل الاقتصادية المتغيرة التأثير بتحركات أسعار النقد، ومن أهمها القرارات والسياسات الجديد الخاصة بـ»بن برنارك«، خلف رئيس البنك الفيدرالي الأميركي السابق »آلان جرينسبان«.
ولكن إذا افترضنا عدم وقوع أحداث دولية سياسية جوهرية أو انعدام تغيرات في القرارات الاقتصادية فإن المؤشرات الفنية والتحليلات تشير إلى احتمال عودة العملات الأوروبية إلى الارتفاع أمام الدولار.
وأن يستمر التحرك المتذبذب لليورو والإسترليني أمام الدولار بنطاق قدره ما بين خمسة وعشرة سنتات (من 500 إلى 1000 نقطة) شهريا، ومن المحتمل أن نرى ثباتاً لليورو فوق مستوى 1.1700 و معاودة صعوده حتى 1.2500».
ويتوافق بادوار مع حلمي في نفس السياق، مشيراً إلى أن الدولار سيتعرض للضغط خلال العام 2006 خصوصاً مع انتهاء دورة رفع الفيدرالي للفائدة، إلى جانب أسعار العقارات المتدنية نسبياً وأسعار النفط المرتفعة نسبياً التي ستواصل ضغطها على الاقتصاد الأميركي.
وبالتالي يمكن أن نشهد ارتفاعاً لليورو إلى 1.25 – 1.28دولار وارتفاعاً للين إلى 110 ينات لكل دولار والإسترليني إلى 1.80 دولار وما لم نسمع أي أخبار إيجابية فإن بيع الدولار سيكون على المدى القصير وبالتالي يمكن الاستفادة ببعض القوة في نهاية العام.
ويشير بادوار إلى أنه من المتوقع أن تواصل البنوك المركزية الآسيوية الاستثمار في الولايات المتحدة، والتي ستركز بدورها على فكرة التضخم المتزايد وما يمكن أن يحدث لأسعار السلع عموماً والنفط خصوصاً سيلعب دوراً حاسماً في قرارات هذه البنوك فيما يتعلق برفع أسعار فوائدها.
كما أن بنوك الدول السبع الكبار المركزية ستصدر بياناتها المعتادة لكبح التذبذب غير المناسب مع عدم التدخل الفعلي ببنوك آسيا المركزية التي ستواصل لعب دور إدارة عملاتها المحلية بهدوء.
كتب - سمير حماد