المخرجة إنعام محمد علي:

«أم كلثوم» كاد يُسقِط تاريخي الفني

صورة

عبر تاريخ «أنعام محمد علي» الطويل مع الدراما التلفزيونية، كانت قضية المرأة شغلها الشاغل، ففي «هي والمستحيل» أثبتت من خلال رحلة فتاة أمية أن المرأة قادرة على تحقيق المستحيل وعادت لتطرح نفس الفكرة في «نونة الشعنونة»، وفي مسلسل «دعوة للحب» قدمت دعوة لخروج المرأة من الذاتية إلى الموضوعية وضرورة قيامها بدورها في الحياة العامة.

وفي «آسفة أرفض الطلاق» أبت أن تخضع المرأة لنزوات الرجل، وفى «يوميات امرأة عصرية» وقفت بالمرصاد لمن يحاولون منع المرأة من العمل تحت أي مسمى.

وفي «أم كلثوم» أبدعت في تقديم رمز من رموز الغناء المهمة وفي «قاسم أمين» نجحت في أن تبلور كل أفكاره عن المرأة في عمل فني راق نال إعجاب الجميع، وأخيراً قدمت «مباراة زوجية» أحدث أعمالها والذي عرضته الفضائيات العربية مؤخراً. وكان لنا معها هذا الحوار عن أعمالها وإدارتها للمسلسلات كمخرجة متميزة.

ـ انحزت للمرأة في معظم أعمالك الدرامية، فهل يرجع ذلك إلى عوامل شخصية أثرت في تجربة حياتك؟

ـ شعوري بقضية المرأة ومحنتها في هذا المجتمع راجعة إلى نشأتي، لقد ولدت في محافظة المنيا في أسرة صعيدية مكونة من خمسة ذكور وبنتين، وخضت رحلة شاقة جداَ حتى وصلت إلى مبنى التلفزيون للعمل كمساعد مخرج، لقد قاتلت بشراسة لا يتخيلها أحد.

ـ هل حصلت على حقك كواحدة من أوائل من عملن بالإخراج؟

ـ ما إن وضعت قدمي على أول درجات المستقبل بإخراجي عدة حلقات من مسلسل «نفوس حائرة» حتى فوجئت بقرار وزير الإعلام السابق عبد القادر حاتم بمنع اشتغال النساء بالإخراج التلفزيوني، شعرت وقتها بالإحباط لكنى لم أستسلم، انتقلت إلى مراقبة المرآة، ووجدت في العديد من البرامج الاجتماعية .

والتسجيلية فرصة لأنقل من خلالها تصرفات الناس وعاداتهم ومنها برامج «دبلة الخطوبة» و«لقاء الثلاثاء» كما قدمت مسلسلاً تسجيلياً عن رائدات الحركة النسائية وآخر عن تربية الطفل ثم برنامج «في بيتنا مشكلة».

وبعد عام من القرار رحل عبد القادر حاتم وجاء بدلاً منه محمد فائق الذي أوقف قرار المنع فأخرجت مسلسل «سيداتي آنساتي» الذي تناولت من خلاله التقاليد الاجتماعية الخاطئة، كيفية مواجهتها، لكن الفرحة لم تتم فسرعان ما اتخذ نور الدمرداش.

وكان وقتها رئيساً للقناة الأولى قراراً بمنع المخرجين من خارج مراقبة التمثيليات من العمل بإخراج الدراما، لكني كافحت ومعي بعض زميلاتي من مخرجات الدراما كي نؤكد أحقيتنا بالعمل في مهنة كانت حكراً على الرجال، ولقد نجحنا.

ـ دائماً ما يظلم جهدك الفني بسبب إصرارك على اختيار موضوعات ذات طبيعة صادمة أو تحمل قضايا جدلية، فلا يتوقف النقاد أمام الشكل بل يتحدثون حول الموضوع، ما تعليقك؟

ـ قد يرجع عدم نقد الشكل لثقة النقاد فيما أقدمه كمخرجة أحمل ورائي سنوات طويلة من الجهد والخبرة، وهذه علاقة دائماً ما تحدث بين الناقد والمبدع، حالة من الثقة، ولكنها لا تمتد بطبيعة الحال إلى ما يتعلق بجانب المضمون لأن ما تطرحه الدراما من أفكار يجب دائماً أن تكون محل خلاف وهذا أمر حيوي لإثراء الحياة الفكرية.

هذا التحاور الفكري في صالح العمل وليس ضده كما يظن البعض، وأسمى ما يتمناه أي مبدع هو أن يكون عمله الإبداعي بمثابة «حجر» يلقى في بحيرة فيحرك مياهها، لذلك أعمالي تعزف على لحن تحريك صمود الأفكار تجاه العديد من القضايا المهمة بالنسبة لمجتمعنا.

ـ عندما استعرضنا ببلوغرافيا أعمالك الفنية اكتشفنا قدراً من الاهتمام بتقديم الدراما التاريخية، وهو اهتمام حرصت فيه على التنوع ما بين تقديم سيرة ذاتية تنويرية وطنية في مختلف مراحل هذا الوطن، بماذا تفسرين هذا الاهتمام؟

ـ يرجع اهتمامي بالتاريخ إلى مرحلة مبكرة في حياتي هي التي دفعتني للالتحاق بكلية الآداب قسم تاريخ، فتأثرت بالعديد من الشخصيات التاريخية وقادة التنوير في فترات تاريخنا المضيء.

وهو ما انعكس على العديد من اختياراتي للأعمال الفنية، فاخترت من الماضي شخصيات لها دلالات خاصة أخاطب بها الحاضر، ففي «دولت فهمي التي لا يعرفها أحد» قدمت عن الفتاة القادمة من أعماق الصعيد والتي ساهمت بدور مهم في إنقاذ الجهاز السري لثورة 1919 .

والتي ضحت بلا تردد بسمعتها الشخصية بل وبحياتها في سبيل الشرف الوطني وفى المقابل قدمت في «صعود وهبوط إبراهيم الهلباوي» قصة واحد من أشهر المحامين والذي دفعه طموحه لتولى منصب القضاء وحصوله على رتبة الباشوية إلى الموافقة على القيام بدور المدعي العام في قضية دنشواى.

وفى مسلسل «أم كلثوم» قدمت قدوة نجاح، نموذجاً لفتاة ذكية بنت نفسها حتى وصلت إلى قمة المجتمع فأصبحت في مصاف الزعماء وقدمت نموذجا للفن الحقيقي والنجاح الجماعي في مقابل الفن السائد في أيامها، وعندما اهتزت الأفكار في المجتمع المصري وبدا أن هناك ردة استهدفت المرأة أيقنت أننا في حاجة إلى قاسم أمين أكثر من أي وقت.

ـ وماذا عن الشباب في أعمالك الوطنية؟

ـ بالنسبة لقضية الوطنية حرصت من خلال عملين على تسليط الضوء على دور الشباب في القضية من أجل الوطن فكان «حكايات الغريب» الذي غيرت به صورة البطل الوطني مفتول العضلات.

وقدمته إنساناً مفرط الحساسية ولا تمرضه همومه الشخصية بقدر ما تمرضه هموم وطنه، كما حرصت على تقديم صورة أخرى للنضال في «الطريق إلى إيلات» في مواجهة فكرة تفوق العدو من خلال نظرية العمل الجماعي في ظل قيادة مخلصة وآمنة.

ـ تعاملت مع كبار كتاب الدراما في مصر، كيف ترين تجربتك مع كل منهم؟

ـ اختار المؤلف صاحب الفكر المتميز والذي تتفق رؤاه مع وجهة نظري والرسالة التي أرغب في تقديمها للناس، لذلك فقائمة المؤلفين الذين تعاملت معهم تبقى محدودة لأنها رهن هذا الاتفاق، وعلى رأسها «فتحية العسال» أكثر المتعاملات معي، وهي صاحبة قصة كفاح ونضال من أجل القضايا الوطنية، وتمتلك القدرة على التعبير عن قضية المرأة بجرأة كبيرة.

وهناك «أسامة أنور عكاشة» الذي يمثل حالة خاصة في تاريخ الدراما التلفزيونية أضاف لها الكثير ومازال يضيف، و«محفوظ عبدالرحمن» الذي يتمتع بقلم خفيف الظل وهو كاتب يحب أن يدلل نفسه كثيرا لذا فهو مقل في أعماله.

ـ رغم مسيرتك الفنية والتي قدمت من خلالها أعمالاً لن ينساها الجمهور، إلا أن مسلسل «أم كلثوم» استحوذ على لقب أفضل أعمالك هل تعترفين بذلك؟

ـ «أم كلثوم» ليس أفضل أعمالي وأنا أرفض ذلك بالطبع لأنه يسقط من تاريخي أعمالاً أعتقد أنها مهمة، ويمكن أن نعتبره الأشهر لأنه عرض في عهد الفضائيات فكان محل متابعة وتركيز الجماهير العربية وذلك لارتباطه بشخصية قومية.

ولكنه ليس أفضل من فيلم «الطريق إلى إيلات» الذي يعتبر عملا غير مسبوق في تاريخ السينما المصرية فقصته عسكرية وتقوم بإخراجه امرأة لم تدخل الجيش ولم تجند ولا تعرف شيئا عن العسكرية، وهو أيضا ليس أفضل من «ضمير أبلة حكمت» للمبدع أسامة أنور عكاشة والذي وقفت فيه سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة لأول مرة أمام كاميرا التلفزيون.

خدمة (وكالة الصحافة العربية)

القاهرة ـ «البيان»:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات