مما لا شك فيه أن الذهب من المعادن النفيسة، والذي ساد التعامل به ردحا من الزمان على شكل سبائك وقطع مسكوكة وغير مسكوكة، وفي هذا الجانب يقول ابن خلدون:
الذهب والفضة قيمة لكل مُتموَّل، أما المقريزي فيقول إن النقود التي تكون أثمانًا للمبيعات وقيمًا للأعمال، إنما هي الذهب والفضة فقط، إلا إن اختلاف أنواع هذه المعادن، أوجد في استعمالها ثغرة كانت ميدانا للتلاعب والفوضى، فليس كل الناس يعرف المادة الأصلية للذهب، وليس كل الناس يعرف العيار المقبول للتبادل، ويعتبر نظام المسكوكات الذهبية أول الأشكال التي اتخذتها قاعدة الذهب في مجال التطبيق.
ومؤدى هذا التنظيم أن تتوافر للسلطات النقدية حرية سك السبائك الذهبية إلى قطع صغيرة ذات معيار ووزن معينين، وحرية صهرها وتحويلها إلى سبائك، واستمرار العلاقة بين المعدن كسلعة والوحدة النقدية المرتبطة بها، بعد هذا الشكل ظهرت السبائك الذهبية .
وهي الشكل الثاني من أشكال قاعدة الذهب، وبموجبه توقف سك الذهب إلى مسكوكات، وسحبت المسكوكات القديمة من التداول مقابل أوراق نقدية ارتبطت بالذهب بسعر ثابت عن طريق تعهد السلطة النقدية ببيع وشراء السبائك الذهبية في مقابل الأوراق الجديدة بأسعار الصرف المحددة.
وفي العصر الحديث انتقلت النقود الرئيسة من النقود المعدنية إلى النقود الورقية. وكانت ـ هذه النقود الورقية ـ في بداية الأمر نقوداً نائبة (عن الذهب والفضة)، بغرض سهولة الحمل، وحفظ الذهب والفضة من التداول والتآكل والسرقة.
ثم تحولت النقود الورقية إلى نقود وثيقة، أي تحمل تعهداً بتحويلها إلى ذهب، عند الطلب، مما أدى وبمرور الزمن إلى تحول الناس شيئا فشيئا إلى الورق النقدي المتداول حاليا، ثم صارت إلزامية غير قابلة للتحويل إلى ذهب، بالرغم مما ترتب على ذلك من تضخم نقدي (تدهور مستمر في القوة الشرائية للنقود).
بعدها أصبح نظام الصرف بالذهب هو الشكل الأكثر حداثة وهو نظام يتصف بطابعه الدولي، وينشأ على أساس اتفاق ثنائي بين إحدى البلدان التي تتبع قاعدة الذهب وأي بلد آخر.
وعلى أثر انخفاض الجنيه الاسترليني في 18 نوفمبر 1967 بنسبة 3 ,14% اشتدت الرغبة لدى الدول لتحويل الدولارات التي بحوزتها إلى ذهب خشية مما قد يتعرض له الدولار هو الآخر من انخفاض في قيمته.
وعقد في واشنطن اجتماع ضم محافظي البنوك المركزية المشتركة للدول الصناعية الكبرى سمي بمجمع الذهب والذي خرج بتوصيات منها تحويل الدولار الأميركي إلى ذهب بالسعر الرسمي.
وهو 35 دولاراً لكل أونس والتي كان الأساس في نظام الصرف بالذهب، بعدها دخل العالم- ابتداء من النصف الأول من القرن العشرين وبالتحديد السبعينات، في أزمة وفوضى في الاقتصاد العالمي بعد انهيار نظام النقد العالمي، وأصبحت قيمة النقود في العصر الحديث.
- وخاصة بعد اتفاقية برتون وودز، تكمن في قوة اقتصاد تلك الدولة المتأتية من جراء سعيها الحثيث في التبادل التجاري. وعلى الصعيد العالمي أُنشئت في عام 1969م حقوق السحب الخاصة، وهي أيضا نقود كتابية دولية، لا وجود لها في الواقع إلا وجوداً محاسبياً دفترياً.
وكل حق من هذه الحقوق عبارة عن سلة (مجموعة) من العُمَل (العُملات) الدولية، بأوزان نسبية معينة، في مقدمتها الدولار الأميركي، ومع ازدياد الإقبال على استعمال الذهب كأداة للزينة والثراء الشخصي، دلت الأبحاث والتجارب على وجود فوائد أخرى لهذه المادة الصفراء، سرعان ما تم استغلالها في مختلف القطاعات الصناعية.
وبعد هذه الاضطرابات في الاقتصاد العالمي جراء نمو المديونية الخارجية للبلاد النامية وتزايد نزعة الحماية، وارتفاع أسعار النفط، صاحب ظهور هذه الأزمات تزايد عجز الموازنة العامة وتردي الطاقات العاطلة، وقد أطلق الاقتصاديون على هذه الأزمة أزمة الركود التضخمي ويعني الاصطلاح حالة التعايش بين التضخم النقدي والركود الاقتصادي.
مما اضطر نتيجة هذه الكوارث الاقتصادية المتلاحقة إلى تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي والبدء في التفكير بالعودة إلى نظام الذهب لما له من سمة جوهرية كونه مستودعاً للقيمة وملاذاً آمناً في أوقات الأزمات وعدم التيقن. مما دعا المصرفيين بتعقيم الذهب، ولكن كيف تتم عملية تعقيمه ؟
وهل من مكوناته ميكروبات أو بكتريا حتى يمكن التخلص منه؟ فللتعقيم طرائقه المتعددة والمختلفة، والشائع تعقيم الغذاء بطرائق مختلقة كالبسترة والتعليب والتجميد والتجفيف.
ويعتبر التعقيم بالإشعاع واحدا من أفضل أساليب تحقيق سلامة الغذاء، أما عملية تعقيم الذهب فهو مصطلح تعارف عليه المصرفيون العاملون في البنوك المركزية وهي الترجمة لمصطلح dloG fo noitaziliretS وتعني:
قيام البنوك المركزية بعمليات من شأنها إلغاء آثار حركات الذهب، فعندما يتدفق الذهب إلى بلد ما لزيادة أرصدتها منه والمحتفظة به لدى البنك المركزي لذلك البلد، وبالتالي تزيد أرصدة البنوك التجارية مما يؤدي إلى زيادة مقدرتها على تكوين الائتمان.
ولكن قد يطلب البنك المركزي من البنوك التجارية في هذه الحالة رفع النسبة بين حجم الودائع وبين الاحتياطي النقدي، أي إلغاء آثار الزيادة في أرصدة البنوك.
وبذلك تضعف مقدرة هذه الأخيرة على الإقراض وتكوين الائتمان، أو قد يقوم البنك المركزي، في محاولة لإلغاء آثار التغيير في رصيد الذهب، بعمليات السوق المفتوح عن طريق دخوله سوق الأوراق المالية بائعاً، وعلى العكس من ذلك، فعند حدوث حالة العجز في ميزان المدفوعات الذي تعاني منه الدولة سوف ينساب الذهب منها إلى الخارج.
وفي هذه الحالة يمكن للبنك المركزي عن طريق عمليات الذهب إلغاء آثار هذا العجز بالقيام بعمليات السوق المفتوح بالشراء، فتزيد من كمية النقود لدى البنوك.
وبالتالي تزيد من مقدرتها على الإقراض وتكوين الائتمان، أو تعمل على تقليل النسبة بين الرصيد النقدي والودائع لدى البنوك التجارية، فعملية التعقيم جارية في البنوك المركزية وإن إجراءات التعقيم مرهونة بمجمل عمليات الشراء المخصصة للبنوك المركزية.
وشهد النصف الأول من العام الجاري زيادة في معدلات التضخم وانخفاض قيمة الدولار وارتفاع أثمان النفط وزيادة في الفوائض النفطية.
وعندما تنخفض قيمة الدولار مع بقائه كأداة للمحاسبة في الاقتصاد الرأسمالي الدولي ويتحول النفط إلى بترو دولارات يظل الذهب كمقياس للقيم رغم ابتعاده عن وظيفته كأداة للمحاسبة، إذاً العلاقة بين ثمن الذهب وسعر النفط في الغالب علاقة خطوبة (علاقة وقتية)، فإذا ارتفع سعر النفط بمعدلات اقل تخلى تنشأ حينها المضاربة.
هنا يأتي دور البنوك المركزية في الحد من ارتفاع أسعاره عن طريق تعقيمه أي الحد من عمليات المضاربة، إذ تستند المضاربة في الذهب إلى أسباب مباشرة تتمثل في فقدان ثقة الأفراد في العملات الورقية، فالدولار وعد بالدفع يتوقف مصير صاحب الثروة المحتفظ به في صورته على الوفاء..
في حين الذهب سلعة مملوكة وليست مجرد وعد، والمضاربة تستند إلى سبب آخر هو الاحتفاظ بالذهب في صورته حماية لقيمتها من التآكل بسبب التضخم.
وقد قفز سعره منذ بداية العام الحالي ما يزيد على نسبة 20% مع إقبال صناديق الاستثمار على الشراء ضمن استراتيجية لتنويع محافظهم، في حين لجأ مستثمرون آخرون للمضاربة مع توقع إقبال البنوك المركزية على شرائه.
ويُشار إلى أن أعلى سعر للذهب على الإطلاق بلغ 850 دولارا للأوقية يوم 21 يناير 1980 لكنه تراجع حوالي 90 دولارا في اليوم التالي، ومع نهاية ذلك الشهر تراجع إلى 653 دولارا.
وقد ارتفعت أسعاره بلندن في نهاية عام 2005، الأمر الذي ساهم في قفز سعر الذهب إلى 540 دولارا للأوقية ليصل أعلى سعر منذ نحو ربع قرن.المهم في هذا أن الدور النقدي للذهب قد تضاءل كثيرا، وغلبت عليه السلعية لا الثمنية (النقدية)، وليس من السهل أن يعود العالم إلى تنقيد الذهب(جعله عملة نقدية) كما كان.
باحث اقتصادي
Kutaiba @ emirates.net.ae