منذ نحو ثلاث سنوات لم نسمع الرئيس الأميركي جورج بوش يقول مرة واحدة إنه أرسل قواته إلى العراق من أجل النفط لكننا لم نسمعه يقول العكس أبدا.
ولم نسمع الرئيس بوش يقول إنه يريد قواعد عسكرية دائمة في العراق لكننا لم نسمعه يقول إنه لا يريد مثل هذه القواعد. ولم نسمع الرئيس بوش يقول إنه لا يريد أن يسحب قواته من العراق المحتل لكن عدد الجنود اليوم يفوق أي عدد آخر في أي مرحلة منذ احتلال العراق حتى بات يقترب من 160 ألف جندي يساندهم ما يمكن إن يصل إلى 100 ألف «متعاقد خاص» عرفنا بعضهم في حروب غير الحرب في العراق باسم المرتزقة.
وخلال نحو 30 شهراً نصح العشرات من الخبراء الأميركيين الرئيس بوش بالإعلان عن جدول زمني للانسحاب من العراق لطمأنة العراقيين بأنه لا يريد دوام احتلال البلد العربي المسلم، لكنه رأى شيئاً مختلفاً لم يقل ما هو بالضبط. فتارة يقول للشعب الأميركي إن القوات الأميركية موجودة هناك لوقف العمليات الإرهابية ضد أميركا، وتارة يقول إن انسحابها سيؤذي مكانة أميركا العسكرية في العالم.
وتارة يقول إن الانسحاب سيمنع العراق من تحقيق الديمقراطية وكلما خرج إلى الناس بخطاب جديد سمعنا سبباً جديداً.ويطالب الباحث عن الحقيقة الصحافة العاملة في العراق بما لا طاقة لها على تقديمه إن هو توقع أن تقدم له ما يبحث عنه لكن إخفاء الحقيقة في عصر الانترنت لم يعد سهلاً كما كان قبلها.
كما أن المجموعة المتميزة من الكتب التي صدرت في الاشهر العشرة الاخيرة كشفت كثيراً من الحقائق لعل أهمها إجماع كثيرين بأن النفط العراقي احتل مكانة خاصة في تخطيط الادارة الاميركية حتى قبل الغزو لذا رأينا القوات الأميركية تسارع لحماية آبار البترول ومبنى وزارة النفط في بغداد فيما انهمك المئات في نهب المباني الحكومية الاخرى وإحراقها.
ونعرف أن العراق كان يستطيع في عصر صدام حسين تصدير نحو 5,2 مليون برميل من النفط يومياً لكن تلك الكمية كانت أقل من نصف الطاقة الانتاجية التي يمكن تصديرها لو استطاع العراق تطوير المنشأت النفطية، إلا أن بعض الدراسات الأميركية توقع أن يتمكن العراق من تصدير نحو عشرة ملايين برميل يومياً في نهاية عملية تطوير واسعة النطاق، وهي كمية توازي طاقة الانتاج السعودي الحالية مما يمكّن العراق من التأثير في اتجاه أسعار النفط الدولية.
وتقدّر الاحتياطات النفطية الثابتة في العراق بنحو 115 مليار برميل لكن هذه الاحتياطات موجودة في أقل من عشرة في المئة من الاراضي العراقية خصوصاً في الشمال (منطقة كركوك) والجنوب.
أما المناطق الاخرى وسط العراق فيمكن أن تحتوي على 100 مليار برميل نفط إضافي ولذا فإن السيطرة على هذه الاحتياطات الهائلة تعني عملياً السيطرة على جزء مهم من الطاقة في المستقبل وبالتالي على المستقبل نفسه.
وتعرف الإدارة الاميركية هذه الحقائق والامكانات أكثر من أي إدارة أميركية أخرى لأنها تضم في صفوفها عدداً من كبار المسؤولين والمستشارين والضالعين في الصناعة النفطية لم تضمه أي حكومة أميركية سابقة.
إضافة إلى أن كلا من مجلسي الشيوخ والنواب أطلقا يد الادارة لكي تفعل في العراق ما تشاء وقدما لها التمويل الذي طلبته كاملاً ووضعت بدورها كل الامكانات العسكرية المتاحة لدولة عظمى تحت تصرف الجنرالات لانجاح مهمتهم في العراق.
ومن الغريب بعد كل هذا أن يقترب عمر الاحتلال الاميركي للعراق من استكمال سنته الثالثة وقد أخفق أيما إخفاق في تحقيق أهم أهداف الغزو وهو إنعاش الصناعة النفطية بل إن صادرات العراق في الشهر الماضي هبطت إلى أدنى مستوى منذ أكثر من عشرين عاماً فبلغت نحو 1,1 مليون برميل يومياً أي أقل من نصف ما كان العراق يصدره في عصر صدام.
وصار العراق يستورد المشتقات من الخارج ولم يعد الاحتلال قادراً على تغطية الاستهلاك المحلي فارتفعت أسعار المشتقات وتظاهر الناس احتجاجاً وقتل بعضهم.
إن شركات النفط الدولية تتميز عن غيرها من الشركات العاملة في القطاعات الاخرى بأنها تستثمر للمستقبل البعيد. وعندما بدأ بعض من هذه الشركات في وضع خطط تطوير المكامن النفطية في العراق بالتزامن مع خطط الغزو فإنه أخذ في الاعتبار استثمارات هائلة عليه أن يصبها في العراق يمكن أن تصل إلى 500 مليار دولار خلال نحو ثلاثين سنة.
لكنه أخذ في الاعتبار أيضاً الكميات الضخمة من البترول التي يمكن اكتشافها في وقت تسود فيه شكوك بحقيقة حجم المخزون النفطي الثابت المعلن في بعض الدول النفطية الرئيسية.
لكن معظم هذه الشركات ينظر الآن إلى المستقبل في العراق فلا يرى لنفسه مكاناً فيه لأنه لا يرى للاحتلال الاميركي مكاناً في مستقبل العراق لذا لم يعد أغلبها راغباً في الاستثمار في هذا البلد العربي خصوصاً أن لصناعة النفط الدولية تجربة مريرة في الشرق الاوسط منذ أطاح انقلاب دبرته.
وكالة الاستخبارات المركزية والمخابرات البريطانية عام 1953 بآخر حكومة ديمقراطية في المنطقة هي حكومة محمد مصدق. كما أن بعضها يخشى من ازدياد المخاطر على استثماراته في قطاعي التكرير والتسويق في دول أخرى نظراً إلى وجود آلاف الكيلومترات من خطوط انابيب نقل النفط التي ثبت في العراق استحالة حمايتها.
ومن الواضح أن موقف شركات النفط الدولية من الاستثمار في العراق لعب دوراً مهماً في بدء التفكير بنقل القوات الاميركية إلى الكويت أو إلى المناطق الكردية في شمال العراق بعد تقليص عددها لأن إحجام هذه الشركات عن المساهمة بقوة في تطوير قطاع النفط يلغي أهم أسباب احتلال العراق.
وعلى الرغم من أن بعض المسؤولين في الادارة الاميركية لم يفقدوا الأمل تماماً من تغير الاوضاع في العراق فإن آخرين يعتقدون أن الوقت فات وأن السنة الراهنة ستكون أصعب من السنة الماضية بمراحل ولن يغير استبدال وزير نفط بوزير آخر من الأمر شيئاً.
ـ كاتب ومحلل اقتصادي
adel@bishtawi.com