تراجع نمو الاقتصاد الأميركي في أواخر العام المنصرم مما أثار الجدل حول دور رفع أسعار الفائدة وارتفاع تكلفة الطاقة وهدوء سوق المنازل في التأثير على النمو الاقتصادي في العام الحالي.

فقد تراجع معدل النمو الاقتصادي في الربع الأخير من العام 2005 الى 3% وفق تقديرات خبراء اقتصاد نقلت عنهم صحيفة وول ستريت جورنال، وذلك لأسباب أهمها تراجع الانفاق الاستهلاكي حتى قارب التوقف، وذلك بعد ان سجل الاقتصاد نمواً بنسبة 4% خلال الجزء السابق من العام الماضي.

ويرجع الكثير من خبراء الاقتصاد تراجع النمو في الربع الأخير من 2005 إلى عوامل مؤقتة، ولايزال الخبراء يجمعون على أن النمو الاقتصادي في العام الحالي سوف يكون 4 ,3% وفق مطبوعة مؤشرات بلو تشيب ايكونوميك الاقتصادية.

لكن عدداً من الخبراء يتوقع من ناحية أخرى تراجعاً في الأشغال، ويتوقعون ان يتراجع النمو الاقتصادي الأميركي خلال 2006 إلى أقل معدل له منذ 2002 مما سيرفع معدلات البطالة.

والبنك المركزي الأميركي عازم على ان يجعل النمو الاقتصادي بنسبة 3% حسب الاتجاه طويل المدى له، وسوف يرفع سعر الفائدة حتى يتحقق هذا الهدف كما يقول ادهيمان الخبير الاقتصادي في مجموعة أي. اس آي للأبحاث في نيويورك. ويضيف هيمان ان هناك ارتفاعاً كبيراً في تكلفة الطاقة والتاريخ يقول إن ارتفاع سعر الفائدة مع ارتفاع تكلفة الوقود، يؤديان الى تراجع النمو الاقتصادي.

وتوقعت آي. إس. آي ان يسجل الاقتصاد الأميركي نمواً نبسبة 5 ,2% في العام الحالي، وبحلول نهاية العام سوف يتراجع معدل توفير الوظائف إلى 100 ألف شهرياً، مقابل متوسط 168 ألفاً في العام الماضي، وليس هذا كافياً لامتصاص العمالة التي تدخل سوق العمل لأول مرة، والنتيجة أن معدل البطالة سوف يرتفع إلى 5 ,5% مقابل 9 ,4% في الشهر الماضي «آخر شهور 2005».

وأشارت آي. إس. آي الى ان هذا سوف يناسب نمط «تراجع وسط الدورة». وبعد ان رفع البنك المركزي أسعار الفائدة بشكل كبير في 1984 تراجع النمو إلى 1% سنوياً، فقط خلال النصف الأول من 1995.

وهذه السوابق التاريخية مشجعة، حيث انتعشت سوق الأسهم بقوة في كل من 1984 و1995 بعد ان اتضح ان البنك المركزي سيتوقف عن رفع أسعار الفائدة ولن يدخل الاقتصاد في مرحلة كساد.. وفي كلتا المرتين حقق الاقتصاد نمواً على المدى الطويل.

وكانت مبيعات التجزئة والتوظيف في قطاع البناء ضعيفة خلال ديسمبر الماضي. وأشار مسح اقتصادي إلى أن هناك اجماعاً بين خبراء الاقتصاد على ان نمو الربع الأخير من العام سوف يكون 9 ,2% لكن بعض الخبراء يتوقعون 2% فقط.

لكن كثيراً من المحللين يرون ان هناك عوامل مؤقتة تؤثر في الاقتصاد، فقد انخفضت مبيعات السيارات بشكل حاد في بداية الربع الأخير من 2005، لكنها بدأت تنتعش منذ ذاك الوقت، وبدأ انتاج البترول من خليج المكسيك ينتعش أيضاً ببطء بعد توقفه بسبب الأعاصير «كاترينا وريتا» وبدأت أسعار الوقود «غاز طبيعي وبترول» تعود لمستويات ما قبل إعصار كاترينا.

وانخفض الانفاق الدفاعي بشكل غير طبيعي خلال الفترة نفسها، وتبع ديسمبر البارد، الذي قد يكون شهد ارتفاعاً في معدل البناء، شهر يناير المعتدل، الذي يتراجع فيه البناء. وكانت مطالبات التأمين ضد البطالة ضعيفة في يناير، مما يعني توفر أعداد أكبر من الوظائف.

ويتوقع خبراء الاقتصاد الكلي ان ينتعش النمو من نحو 5 ,2% خلال الربع الأخير من 2005 إلى 7 ,4% خلال الربع الأول من 2006. وقال كريس فإن فارس رئيس مؤسسة ماكرو ايكونوميك الاستشارية إن الانفاق سيرتفع في منطقة خليج المكسيك أو المناطق التي تفيد من تدفق النشاط عليه، وبدأت سوق الأوراق المالية ترتفع، فقد عادت الثقة من جديد، وهذا شعور جيد.

ويتركز الجدل تقريباً بشأن نمو الاقتصاد في العام الجاري على كيفية استخدام البنك المركزي لأسعار الفائدة في إبطاء النمو الاقتصادي، ويقول المسؤولون بالبنك المركزي إن الأسعار تتغير من منخفضة جداً إلى طبيعية، أي المستوى الذي لا يعوق ولا يدفع النمو.

ويتفق فارفارسي معهم في ذلك ويقول ان ارتفاع سعر الفائدة قصيرة الأجل من 1% في منتصف 2004 إلى 25 ,4% حالياً، وقد يصل إلى 75 ,4% بحلول منتصف العام الحالي، يقل عن الارتفاع الذي تم في 1995، نسبة إلى معدلات التضخم.

والأكثر من ذلك أن الارتفاع في سعر الفائدة لم يصحبه ارتفاع في سعر الفائدة طويلة الأجل، الذي يكون له غالباً تأثير كبير على الرهونات العقارية ومبيعات المنازل واقتراض الشركات.

الحقيقة ان أسعار الفائدة طويلة الأجل لاتزال منخفضة كما يقول فارفارسي وسوف تستمر في دعم النمو وتدفع البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل، حتى لو كان لخفض معدل النمو الاقتصادي.

لكن هيمان يعتقد أن انخفاض أسعار الفائدة طويلة الأجل سببه القلق وليس التفاؤل، ويقول إن هذه الأسعار منخفضة لأن العائدات البديلة، ليست جذابة، وانخفاض توقعات العائدات من استثمارات جديدة مثلاً مدمر للاقتصاد.

فالمستثمرون يقبلون الأحوال في السندات طويلة الأجل لأنهم لا يستطيعون توقع الحصول على أفضل من فائدة 4%. وهذا المناخ يعني ان سعر الفائدة قصيرة الأجل عند مستوى 5 ,4% قد يكون محدوداً أكثر مما تشير التجارب السابقة.

وقال جوزيف كارسون الخبير الاقتصادي في اليانس برنشتاين ان التراجع المفاجيء في الانفاق الاستهلاكي في نهاية 2005 يفيد بأن الاتجاه مستمر.

وقدر أنه في العام الماضي أدى ارتفاع سعر الفائدة وتكلفة الطاقة معاً إلى أن يكون نصيبها 14% من إجمالي الدخل العائلي مقابل 12% قبل ذلك، ولم يعان الانفاق على أمور أخرى كثيراً بسبب انغماس المستهلكين في الديون الذي ساعد عليه سهولة الاقتراض مقابل أسعار المنازل المرتفعة.لكن كارسون يقول إن هذا الوضع تغير الآن.

وهناك إشارات على ارتفاع معدل النمو في دول أخرى مما يعني ان الانفاق الاستهلاكي ضعيف في أميركا وقد تؤدي الصادرات الى تقديم يد العون وتحافظ على معدل النمو.

وقدر البنك المركزي الأوروبي والمركزي الياباني تقديرات متفائلة لتوقعات النمو الاقتصادي بهما في الأسبوع الماضي، بالإضافة الى ذلك فإن الثقة بين رجال الأعمال مرتفعة في أميركا، وتتوفر سيولة نقدية لغالبية الشركات، لذلك فإن استثمار الشركات قد يساهم في رأب الصدع الناتج عن انخفاض الانفاق الاستهلاكي.

ـ ترجمة: أشرف رفيق