النص التلفزيوني والطريق إلى عمل درامي مميز

النص التلفزيوني والطريق إلى عمل درامي مميز

النص التلفزيوني أهم عنصر في دراما الشاشة الصغيرة، وإذا كان هناك من يرى أن المسرح ممثل والسينما مخرج فإن المسلسل التلفزيوني نص، تحمله شخصيات نابضة وعلاقات درامية تتولد عنها حبكة تجذب المشاهد وتمتعه، وخلف تلك الشخصيات والعلاقات، يقف كاتب يمسك بقبضته كل موازين القوى ويحركها طبقا لما يقتضيه عنصر الإقناع في الحكاية.

ولكن تبدو حكاية النص وعلاقته مع شركات الإنتاج وقنوات البث الفضائية جديرة بأن نتوقف عندها الآن، لا سيما وان هناك آراء مختلفة حول كيفية التعامل مع النص، فثمة جهات تفضل أن يعرض عليها النص وهي تتخذ قرارا بالموافقة عليه أو رفضه، وثمة جهات أخرى ترى أن تقوم هي بتكليف مؤلفين بكتابة مسلسل لها..

فأي الطرق أفضل للوصول إلى مسلسل درامي متميز ..؟ وهل حقا هناك قاعدة يحتكم إليها منتجو الأعمال الفنية أم يسود لعبه الدراما الارتجال..؟ وما هي الدهاليز التي يمر النص عبرها قبل أن يصل لمرحلة التصوير..؟ عن رحلة النص التلفزيوني العربي قديماً وحديثاً.

يقول الفنان السوري أسعد فضة : «كان العمل الدرامي يشغل على نار هادئة، وكان عدد الذين يكتبون للدراما التلفزيونية قليلاً جداً وكذلك المخرجون، وكانت آلية العمل في إنتاج عمل جديد لا تحركها أي معطيات أو ضرورات.

هذه الصورة كانت في فترة السبعينات والثمانينات على وجه التحديد، حيث الكاتب كان يقدم عمله إلى التلفزيون السوري الذي يدخل إلى المكاتب ليسجل تحت رقم واسم ويطبع منه عدة نسخ ثم يوزع على الرقباء الذين يقرأونه ويقيمونه، وإذا تمت الموافقة عليه يعرض على مخرج كي يضع تصوراته عنه بعد دراسة مستفيضة.

تحديد موعد التصوير له علاقة بظروف العمل وتحديد الميزانية وموافقة الممثلين، وبعد الانتهاء من التصوير كان يُحدد موعد لبث العمل على شاشة التلفزيون السوري «العرض الأول».

ويضيف الفنان أسعد فضة: الآن الوضع تغير وبالتحديد من فترة التسعينات حينما صارت قنوات البث هي التي تشرف على إنتاج الأعمال التلفزيونية.

وحينما انتشرت شركات الإنتاج أصبحت الآلية هي ذاتها ولكن بتسارع أكثر، وصارت هناك علاقة بين المنتج والتلفزيون مباشرة عبر ما يسمى بالإنتاج التنفيذي».

المتابع لهذه التفاصيل يجد أنها حفلت بالعديد من المتغيرات التي يمكن أن نقول إنها متغيرات شكلية وليست جذرية، لأن آلية العمل التي شرحها فضة هي ذاتها لا تغيير فيها، بل على العكس ربما لجأت بعض قنوات البث إلى تشديد الرقابة على المسلسلات التي تعرضها لأن الجمهور صار يضيق من انفلات بعض المفردات، أو بعض المشاهد، التي لم يعتد عليها هذا المشاهد من قبل.

* المنتج المنفذ

التحول في إنتاج الأعمال الجديدة، جاء عبر بوابة المنتج المنفذ بعد أن وجدت بعض المحطات نفسها منهمكة في تقديم أعمال درامية ومتابعة تنفيذها من ألفها إلى يائها في سعي منها إلى المنافسة والتفرد، فقامت برصد مبلغ مالي تعهد به المنتج المنفذ الذي كان صلة الوصل المحورية بين العمل والجهة المنتجة .

وهنا يقول الممثل سلوم حداد صاحب التجربة الدرامية الهامة كمنتج منفذ لصالح تلفزيون أبوظبي عن هذا التحول: إن التلفزيونات العربية عندما اعتمدت آلية العمل كمنتج منفذ ساعد هذا في الإسراع في تنفيذ الأعمال الدرامية والتخفيف من كلفتها.

وجاء الأمر ليحقق ازدهارا للسيناريو التلفزيوني من حيث السرعة في الانجاز والاختيار الدقيق له، صار المنتج المنفذ العارف بتفاصيل اللعبة الدرامية يقدم النص للمحطة بناء على رؤيته لأهميته، ولتوجه المحطة، وهنا تصبح علاقة المحطة مع المنتج المنفذ في تبنيه لفكرة النص والسرعة في انجازها.

ويواصل سلوم: أنا أعمل وفق هذه الطريقة وهي مثالية لأنها حققت نجاحا طيبا ومهما حينما عمل بها إن ثلاثة أعمال لي نجحت وهي المتنبي والسيرة الهلالية وأبيض أبيض .

.طبعا هناك شكل آخر للتعامل مع تجربة الإنتاج التلفزيوني، لا أحبذه لأنه لا يجد النجاح المطلوب عندما تعهد محطة لمخرج أو لمنتج منفذ بأن يخرج لها عملا ما اشترته من كاتب قدمه لها هنا تقع المشكلة في العثور على توافق بين النص والمخرج وباقي عناصر العمل، في حين أنه عندما يقدم المشروع الأول الذي تحدثت عنه يقدم بشكل متكامل بدءا من السيناريو وانتهاء بالمخرج»..

ومن خلال رأي الأستاذين أسعد وسلوم نستطيع أن نقول إن ثمة اتجاها تقليديا جرى العمل به كما توضح من كلام الأول في الدراما العربية التي كانت تقوم على صناعات بدائية أو فلنقل لم يكن محققا لها النضوج والتطور.

والجانب الآخر في حديث سلوم يحكي عن تطور المهنة وكيف دخل المنتج المنفذ الساحة ليحمل السيناريو بيده إلى القناة التي ستنتجه ليحمل توقيعها كمنتجة له.

جمال سالم الكاتب الدرامي الإماراتي ومؤلف مسلسل «حاير طاير»، إضافة إلى العديد من الأعمال التلفزيونية والمسرحية، يرى الموضوع من وجهة نظر أخرى، وقبل استعراض رأيه نشير إلى أن جمال قدم معظم أعماله كمنتج منفذ لها لصالح تلفزيون أبوظبي.

وبالتالي نحن أمام حالة جديدة في الكتابة الدرامية للتلفزيون قضت ان يكون المؤلف هو الشخص المنتج. ويقول جمال سالم عن تجربته:

«ليس بالضرورة أن يتزامن طلب القناة التلفزيونية مع ما يكتبه الكاتب لأن سياسة المحطة التلفزيونية او رؤيتها تختلف عما يريده الآخرون والدليل ان عملي «الدريشة» الذي عرض في شهر رمضان الماضي كتبته قبل خمس سنوات، وتم تصويره بعدما توفر له المنتج المنفذ الذي دفع به إلى قناة دبي.

وسبق لي أن قدمت عدة أجزاء من مسلسل «حاير طاير» الذي عرضته قناة أبوظبي ومعظم المحطات الخليجية الأخرى، وغالبا ما كان تقديم جزء جديد منه يأتي بطلب من المحطة التي كانت تعهده لي كمنتج منفذ بناء على نجاحات كبيرة حققها في المنطقة الخليجية.

وربما كانت هذه حالة خاصة، ويمكن ان يتصادف هذا مع حالات أخرى بناء على اسم الكاتب أو على نجاحات حققها مسلسل ما حيث تقوم المحطة بتكليف كاتب ما بكتابة عمل آخر أو جزء ثان للعمل، على العموم تكليف المحطات للكتاب بكتابة أعمال درامية هو مؤشر هام على تطور الكتابة الدرامية والإحساس بالمسؤولية تجاهها من قبل المحطات وشركات الإنتاج» .

* نظام التكليف

وفي شهر رمضان الماضي عرض تلفزيون سما دبي مسلسلا محليا بنظام المنتج المنفذ قام به الفنان احمد الجسمي الذي سبق له أن قام بعمل المنتج المنفذ منذ عدة سنوات و قدم في فترة ماضية عددا من البرامج.

ويقول أحمد الجسمي يتحدث عن أهمية النص التلفزيوني «الكاتب التلفزيوني كالعملة النادرة ما ان تجده حتى تقبض عليه بكلتا يديك وأنا لا أقول هذا كوني منتجاً بل كوني ممثلاً بالدرجة الأولى، وبالتالي إمكانية الحصول على عمل تلفزيوني جيد تبدو صعبة في ظل غياب النص الحرفي».

على مستوى الإمارات لدينا بعض الكتاب الجيدين والنصوص التي يقدمونها لها خصوصية البيئة المحلية التي يكتبون لها، وأرى أن مبادرة تلفزيون دبي بالقيام بتبني نصوص درامية جديدة قد ساعد في تحريك الوسط الدرامي الإماراتي بعد أن شهدت الفترة الماضية سكونا قل النشاط فيه.

ويؤكد أحمد الجسمي أن العمل مع المحطات يقوم على العرض والطلب بالنسبة للنصوص الدرامية كأن يقوم التلفزيون بتكليف شخص ما له علاقة بالدراما لان يقدم لهم مسلسلاً درامياً خلال فترة ما يحددها عقد واضح بين الطرفين، على سبيل المثال تلفزيون سما دبي طلب مني فكرة لعمل درامي له صلة بواقع الشباب.

ومن المهم الجلوس مع القائمين على المحطة من اجل البحث في طبيعة هذا العمل وماذا يمكن أن نقدمه وهذه طريقة في تقديم الأعمال الدرامية وهناك طريقة أخرى في التعاطي مع الأعمال الدرامية ولها علاقة بالعرض أو الطلب مع هذه المحطات.

وبطبيعة الحال عندما ينال العمل الموافقة المبدئية تقراه لجنة قراءة النصوص وتبدأ نقاشات توضيحية او تكميلية تخدم توجه العمل.. وهذه إجراءات روتينية تقوم بها المحطات بشكل عام وهي ليست شائكة ولكنها تتطلب بعض الوقت».

الممثل السوري أيمن زيدان الذي عمل لفترة طويلة مديرا لاثنتين من كبرى شركات الإنتاج الفني في سوريا يقول انه ليست ثمة معايير ثابتة لاختيار النصوص الدرامية، وإذا كان هناك بعض الكتاب المتمرسين إلا أن نصوصا أخرى تأتي للشركات أو المحطات من أسماء أخرى .

.وبغض النظر عن الأسماء إلا أن للمحطات شروطاً وقيوداً ينبغي علينا الالتزام بها أثناء البحث أو اختيار النص الدرامي، وهي ليست محاذير رقابية بقدر ما هي إجرائية.

. ولكن هذه المهنة، إذا افترضنا أنها تحولت إلى مهنة، تحتاج إلى تنظيم أكثر وإلى آلية لتعليم كتابة النص التلفزيوني، آخذين بعين الاعتبار أنه ليس ثمة أكاديميات أو معاهد لتعليم كتابة النص التلفزيوني، ربما كان هناك محاولات لتعليم كتابة النص المسرحي أو السينمائي ولكن الحاجة إلى النص التلفزيوني باتت أهم نظراً للطلب المتزايد على هذه النصوص.

ولأن الكثير من الأسماء صارت ترتجل وفي أحيان كثيرة هذا الارتجال كان بعيداً عما نريده أو ما تريده الساحة كماً ونوعاً.. لذا وقبل الحديث عن النص التلفزيوني العربي وآلية إنتاجه، ينبغي البحث عن وجود هذا النص.. ومدى أهميته.

طباعة Email