بعد كل فيلم له هدية

محمد اللبابيدي : كل أبطال السينما في خزائني

أصحاب الهوايات النادرة يلفتون الانتباه إلى علاقتهم مع ما يهتمون به ويبحثون عنه، إلى درجة تستغرب كيف تصبح الهواية احترافا، وبدلا من أن تشغل وقت الفراغ لديهم تستهلك اليوم بأكمله، والعمر بحاله..!

وقد لا يجدون مشكلة في ان يقضوا أياما لا تروي عطشهم، ومحمد اللبابيدي المولع بعالم الفن السابع، هو واحد منهم، إنه شغوف جدا بجمع ملصقات الأفلام السينمائية القديمة والجديدة.

وقد اعتاد أصحاب صالات السينما الدمشقية على زيارة أسبوعية منه، يسألهم فيها عن الأفلام الحالية وعن الملصقات الجديدة، يأخذ منهم حاجته أو ينتظر وعدا حتى أسبوع آخر، وإذا سمع بملصق فيلم قديم في أي مكان يهرع إليه، ويطلبه من صاحبه بأي ثمن كان، ويتذكر أنه سافر أكثر من مرة إلى لبنان من أجل عيون ملصق فيلم قديم سمع عنه.

يعترف اللبابيدي بأنه مهووس في صور وملصقات أفلام الفن السابع، دون ان يبرأ حتى الآن من هذا المرض الذي ألم به منذ أن كان في سن العاشرة، ولديه كما يقول ما يزيد عن ألفي ملصق لأفلام سينمائية قديمة وجديدة، وخزائنه مليئة بها تضم حكايا أفلام عتيقة منذ عام 1930 وحتى الآن، ولكن الأهم لديه.

وهو ما يعتبره ثروة نادرة، هو مئتا ملصق لعدد من الأفلام النادرة الطريف هنا، أنه كان يعمل مساعدا لمدير بنك كبير في الشام،بعد حصوله على الليسانس في الحقوق، وقد قام هو بإنهاء خدمات عمله بناء على عدم تفرغه له وانشغاله بعالم الفن السابع..

هذه الموهبة تفتحت لديه عقب دخوله لأول فيلم سينمائي في صغره، وكان هذا في لبنان حينما كان يرافق خاله المولع بالسينما، وحالما خرج من أول عرض سينمائي شاهده الطفل ابن السنوات العشر، انتبه إلى الملصق الموضوع على باب الصالة وقد جمع الملصق أو «الصورة الكبيرة».

كما سماها أول مرة بطلي العمل، ولشدة حبه للفيلم طلب الولد من خاله ان يأتي له بهذه الصورة حتى يريها لأولاد الحارة، ويفخر أمامهم بأنه كان في السينما، وهذا ما حدث فعلا فقد حمل الصبي معه تلك الصورة الكبيرة، وحلما بان يسعى للدخول في هذا العالم الجديد الذي أذهله وامسك به، وأصبح خاله لا يدخر له ملصقا دون أن يحمله إليه..

وصار كلما حضر فيلما يأخذ منه هدية وهذه الهدية متاحة له حتما بعد ان لاحظ أصحاب الصالات اهتمامه وولعه بتلك الأفلام، وحينما كبر كبرت معه تلك الهواية إلى درجة قادته لإقامة معرض كبير لتلك الملصقات.

وقد حظي هذا المعرض الذي أقيم على هامش إحدى دورات مهرجان دمشق السينمائي، باهتمام جيد من قبل النقاد والضيوف الذين زاروا المعرض، لأن المادة الوثائقية النادرة الموجودة فيه أعادت الأذهان إلى تلك النوعية من الأفلام التي لم تعد موجودة الا في مخيلة من شاهدها، وفي معارض الأفلام السينمائية النادرة..

وحسب تعبيره فإن أول من يموت بعد انتهاء العرض السينمائي هو الفيلم ذاته لأسباب تتعلق بطبيعة المشاهدة وبالسينما، لذا لا بد للذاكرة من ان تحلق مع انتاجات عظيمة كتلك ولم تكن» لدى وسائل أكثر من حفظ ما يشير إلى هذا الفيلم أو ذاك وازددت ولعا بهذه الهواية إلى ان أخذت مني كل وقتي».

بطبيعة الحال يعتني محمد بصوره الكبيرة تلك في مكان دافيء، بعيدا عن التلف الذي يمكن أن يطالها، وربما غلفها بالنايلون أيضا، وقام بتصويرها فوتوغرافيا وجمعها على سي دي، والأصل تم الاحتفاظ به.. والملفات الموجودة في حوزته هي لأفلام ايطالية وهندية واسبانية ومكسيكية وفرنسية ومصرية وغيرها.

هواية غريبة يقوم بها محمد، يعترف بهذا ولكنها أقرب طريق له إلى عالم الخيالات الذي أحبه، وربما كانت تلك الملصقات الجسر الذي يصله بعالمه وبأفلامه التي قضى وقتا طويلا وهو يتابعها ويتعب من اجل الحصول على شيء منها، وهو يرغب ان يتم الحفاظ على هذه الثروة الموجودة بين يديه بطريقة تجعل منها وثيقة لجيل قادم ذلك.

إن جمع أرشيف كهذا قلما يقوم به إنسان، وحتى الآن لا يوجد من قام بهذا العمل كما قال، وقد بحث طويلا عمن يحتفظ بملصق ما ولكنه لم يجد أحدا مما دفعه للاهتمام أكثر بالأفلام والمعلومات عنها.

هو لا يعرف إلى أين سينتهي، أو ما مصير ما جمعه من مادة سينمائية ولكنه يدرك أنه قام بعمل توثيقي كبير حظي باهتمام المؤسسة العامة للسينما، ولقي إعجاب كل من رآها، ويوما ما إذا أتيح له رؤية أبطال هذه الأفلام في الحياة أو في الآخرة فهو واثق من أنهم سيشكرونه.

جمال آدم

طباعة Email
تعليقات

تعليقات