جدل واسع يدور حول أدوار العنف، التي تؤديها المرأة في الأعمال الدرامية، هناك من يقول أن المرأة كائن رقيق، لا يتماشى مع أدوار الرعب والقتل والعنف، الذي يناسب طبيعة الرجل، وآخرون لا يرون غضاضة في أن تمارس المرأة دور «شجيع السيما» البطل الذي يناصر الخير ويطارد الشر، طالما تمتلك مقومات أداء هذه الأدوار وألا يقتصر دورها على أفلام الرومانسية والحب.. الابتسامة والدموع..

لذلك استطلعنا آراء كتاب سيناريو ومخرجين وفنانين من الجنسين وخبراء علم النفس والاجتماع حول ما إذا كان لهذه الظاهرة من أثر على الدراما في العمل الفني فماذا قالوا؟

السيناريست عبد الحي أديب يبدأ قائلا: انتشار ظاهرة تجسيد النساء لأفلام العنف مجرد انعكاس للتغيرات التي طرأت على المجتمع، وساهمت في زيادة شعور أفراده بالقهر ونزوعهم للعنف، ويتساوى في هذا الشعور كل من المرأة والرجل، ليعلن كلاهما إحساساً بالاضطهاد، والثورة على الأوضاع الحالية التي تدفع الإنسان للعنف.

وكان لدي منذ فترة إحساس بخطر هذه الظاهرة وطالبت بضرورة التصدي لها وترجمت ذلك في فيلم «ديسكو ـ ديسكو»، الذي قوبل بنقد لاذع في الوسط الفني والإعلامي، ولكن عادوا ليكتشفوا عمق رؤيتي بعد تفجير قضية «عبدة الشيطان» وقد تكون هذه الظاهرة سببا في اعتزال نجمات عصر الرومانسية بعد أن انتابهن القلق، فيما يخص نوعية الأدوار التي يجسدنها مستقبلا.

* نموذج أميركي

أما الناقد أحمد رأفت بهجت: فيؤكد أنه من المستحيل أن تكون هناك أفلام خالية من العنف، وبعد أن اقتحمت المرأة أفلام العنف، أصبح من الضروري أن نفكر في كيفية توظيف هذا العنف لخدمة العمل الفني، بحيث لا يكون مجرد عنصر يهدف إلى جذب المشاهدين فقط، وإنما إطار نناقش من خلاله قضايا المجتمع وهمومه، بعيدا عن المحاكاة المتطابقة مع النماذج المحفوظة في أفلام السينما الأميركية، كما حدث تماما في فيلم «اغتيال» إخراج نادر جلال.

والذي قامت ببطولته «نادية الجندي»، التي نجحت في تقديم صورة ثانية لفيلم «الهارب» الذي جسده هاريسون فورد، وللأسف ضاعت المعالم الرئيسية للعمل، في خضم المحاكاة والتقليد.. وتمثيل البطلة لأفلام العنف، يتنافى مع وضع المرأة العربية في مجتمعاتنا، لأنها نموذج غير موجود، بشكل عام، وحالات السيدة القاتلة، وزعيمة العصابة، والمتعطشة للدماء، هي نماذج نادرة ومنبوذة من المحيطين.

* الحكم للجمهور

أما الفنانة نادية الجندي فلها رأي آخر وتقول: أفلام العنف التي أقدمها ترضي أذواق جمهوري، والدليل الإقبال الشديد على عرضها، وتحقيقها لأعلى الإيرادات، كما أن هذه النوعية من الأفلام يميل إليها المشاهد منذ زمن طويل، ويقدر أبطالها ويعرفهم ويتذكر أدوارهم المختلفة على عكس النوعيات الأخرى، فالجمهور العربي في غالبه، يعرف سلفستر ستالوني، نجم «روكي» والعديد من أدوار «الأكشن» الأخرى، لكن وعيه محدود بباقي الممثلين الأجانب، والعنف في الأعمال الفنية وسيلة يستطيع بها المشاهد، تفريغ شحناته النفسية عن طريق الاندماج مع البطل أثناء العرض، لأنه يجسد النموذج الذي يود لو كان مكانه، ويستطيع التنفيث عن مكنونات صدره، خاصة وأن الأدوار التي يقدمها الأبطال، دائما ما تنصر الخير، وتحارب الشر.

* المرأة مثل الرجل

الفنانة نجلاء فتحي، تدافع عن تجسيد المرأة لأدوار العنف وترى أن المتغيرات الاجتماعية والحوادث التي تتعرض لها المرأة من آن لآخر هي التي أوجدت مصداقية لعنف المرأة على شاشة السينما، لأنها أصبحت في حاجة إلى الدفاع عن نفسها، وكثيراً ما تجد المرأة مدفوعة للعنف رغما عنها، والمهم أن تمتلك الممثلة التي تؤدي هذه النوعية من الأدوار القدرة على أداء مشاهد العنف وأن تتمتع بلياقة بدنية عالية.

وأذكر أنني مارست فنون الكاراتيه على يد مدرب متخصص قبل تصوير فيلم «المرأة الحديدية»، حتى أتمكن من تقديم هذه المشاهد بصورة مقنعة، وعنف المرأة لا يختلف كثيرا عن عنف الرجال، لكن تاريخ السينما، وضع المرأة في دائرة أدوار المغلوبة على أمرها فقط، قبل أن تخرج للعمل وتتفاعل مع المجتمع وتتغير سلوكياتها ووعيها، بدليل وجود فتيات يحصدن ميداليات في الرياضات العنيفة.

* عنصر جذب للمشاهد

ويربط الفنان نور الشريف بين تطور السينما وعنف المرأة، حيث يرى أن تطور السينما عموما، تصحبه تغيرات جديدة طفت على سطح الواقع الفني، وهو ما حدث بتحول المرأة من شخصية وديعة رقيقة، كانت محوراً للحب في الأعمال الدرامية إلى قاهرة المصاعب والأخطار، وقد تأثر المخرجون كثيرا بالسينما اليابانية والهندية، الأمر الذي يتضح في تحول أساليب المعارك والمشاجرات إلى اعتماد فنون الكاراتيه والكونغ فو، وبعد الصدى الذي حققته هذه النوعية من الأفلام لدى الجمهور، تعود البعض على استخدام المرأة كعنصر جاذب للمشاهد، فدائما ما يلتفت الإنسان إلى الظواهر الغريبة ويتهم بها.

* قالب جديد

ويرى المخرج عادل الأعصر أنه ليس بالضرورة أن يملك كل مخرج القدرة على صنع نجمة سينمائية مقبولة في أدوار العنف، خاصة وأن هذه الأفلام ظلت مقصورة لفترة طويلة من الزمن على الرجال، فالعنف النسائي يحتاج إلى شكل جديد يخرج فيه إلى الجمهور، حتى لا تصبح البطلة، كالطفل الذي يرتدي ثوبا أكبر من حجمه، لذلك نلاحظ أن معظم الأدوار التي تعتمد على النساء في تمثيل أدوار العنف والقتل وهكذا..؟

تخلط بين جزئيتين، هما إظهار هذه الشخصية بالذكاء الشديد، الذي تحرك به عن بعد من ترغب لتصيب أهدافها، بجانب بعض اللقطات العنيفة التي تساعدها على إقناع المشاهد بالاستعانة بالمسدسات، وبعض الحركات العضلية البسيطة، بعكس الأفلام القديمة، التي جسدها مثلا عملاق «الأكشن» فريد شوقي، والتي كانت تعتمد في الأساس على تحطيم الأشياء، والمعارك العضلية بين الأبطال، وبذل مجهود حركي كبير، وأنا أقدم العنف بعد أن أتفاعل بشكل حقيقي مع القصة، لتولد لدي رغبة تدفعني لإخراج هذا العمل، فأتوحد مع المظلوم وأدفع الأبطال باندماجي هذا إلى الارتفاع بدرجة الإتقان أثناء أداء المشاهد العنيفة.

* الرعب الكوميدي

أما الفنان محمود ياسين فيرحب بتقديم المرأة لأدوار العنف خفيف الظل، الذي يجذب المشاهد وفي الوقت نفسه لا يسبب له ضيقاً نفسياً أو اضطراباً سلوكياً نتيجة التفاعل معه، كما يحدث حين تحتوي اللقطات الدرامية على المذابح الدموية، والرعب المجسم، ولكن يقدم العنف بصورة لطيفة كوميدية.

كما فعل روبين هود مثلا مع أشرار قومه.. وخير من تجسد هذه النوعية، الممثلات الكوميديانات، وخاصة تلك التي تتمتع منهن بجسم ضئيل، فما تلبث أن تطل على الجمهور، من خلال مشهد عنيف، إلا وتثير عاصفة من الضحك، لأن حجمها وطبيعة المشهد وكيانها الأنثوي، تركيبة يصعب تألقها، وبالتالي تنتزع ضحكات المشاهد.

* تكريس لقضايا الواقع

وحول رأي علم النفس في هذه الظاهرة يقول الدكتور يسري عبد المحسن أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس بالقاهرة: أدوار العنف التي تقوم بتمثيلها بطلات السينما، هي رصد لظاهرة منتشرة في المجتمع بالفعل تدفعنا للانتباه والبحث عن وسائل لعلاجها، فالمرأة أصبحت كائنا عنيفا، تأثر بسوء الأوضاع المالية والسياسية، المحيطة به، ولكن التمادي في تقديم هذه النوعية مؤشر خطير، فبرغم تكوين المرأة النفسي، الذي أهلها لتحمل مزيد من الضغوط، خلق لديها مزاجا أكثر صبرا من الرجل، فإنها تنهار، إذن سيتحول العالم بعد فترة إلى غابة يتصارع جميع أفرادها.

ولابد من مشاركة الرجل للمرأة في أعبائها، خاصة وأنها تتحمل ضغوطاً ومسؤولياتٍ أكثر من الرجل، في العمل والمنزل ومع الأبناء، وهو أمر يزيد الأعصاب توترا ويؤدي للإحباط النفسي، الذي يجسد العنف أهم أعراضه. وعن تأثير عنف المرأة على شاشة السينما في السلوك الاجتماعي، تؤكد الدكتورة هدى زكريا الأستاذ بجامعة الزقازيق بمصر خطأ لجوء بعض الفنانات لهذه الأفلام بحثا عن الانتشار.

وتضيف: يظن البعض أن تقديم أفلام وأعمال فنية، تعتمد على تجسيد البطلة للمشاهد العنيفة، يضمن النجاح للعمل المقدم، ويحقق التميز للمشاركين فيه، ولكن إذا كانت الدراما خالية من أي مضمون عميق، أو فكرة جادة، فلن تستمر طويلا وسيتراجع إقبال الجمهور، لأنها فرقعة فنية سرعان ما تزول..

أما عن أثرها على المجتمع فتقول دكتورة هدي: الاعتماد على المرأة في أداء أدوار العنف، يتسبب في حدوث خلل في ميزان القيم داخل المجتمع، لأن المرأة بصورتها المعروفة في العقول العربية رمز للرقة والحنان والوداعة.. وهذه الأدوار لها تأثير مباشر على الأطفال خصوصا، حيث يولد الطفل وبداخله مساحة من العنف الفطري قابلة للزيادة مع الوقت، وعند مشاهدته للأنثى التي يتصورها «أمه» وهي عنيفة تحطم ما تمتد إليه يداها، يبدأ في فقد الثقة بقيم الأسرة، وما تربيه عليه الأم التي تدعوه للمسالمة والتسامح بينما الأخرى على الشاشة تتخلى عن رقتها وتسامحها، في مقابل الدفاع أحيانا عن قوى الشر.. ولا يعني هذا تجنب دراما العنف تماما واعتماد الرومانسية والرقة منهاجا أبديا.. ولكن توظيف الدراما لخدمة الأحداث الطبيعية التي يمر بها الأشخاص ما بين العنف المبرر الذي يتخلل مشهد أو مشهدين لخدمة الأحداث مع الأداء السهل الذي لا يعتمد على العنف من أجل العنف فقط.

خدمة (وكالة الصحافة العربية)

القاهرة ـ «البيان»: