يقول خبراء اقتصاد أميركيون إن التكاليف الاقتصادية للحرب الأميركية في العراق تفوق بمراحل الفوائد المرجوة منها في ظل ارتفاع حجم الخسائر المادية والبشرية التي تتكبدها القوات الأميركية هناك.
وقال خبراء نقلت عنهم صحيفة «نيويورك تايمز» إن الدراسات السابقة كانت تركز على نتائج العمليات العسكرية، ولا تزال هذه النتائج محل قلق كبير إلى جانب تأثيرها على أمور أخرى مثل أسعار البترول والنمو الاقتصادي والمخاوف من ارتفاع الديون لدفع تكاليف الحرب.
وأضاف خبراء اقتصاديون آخرون إلى ذلك قيمة الخسائر البشرية مقيمة بالدولار وأثر ذلك أيضاً في توليد مشاعر معارضة للحرب بين الشعب الأميركي.
وقال ديفيد جولد الخبير الاقتصادي في كلية نيو سكول إن الاقتصاديين يولون اهتماماً أكبر بصفة عامة بالأثر الاقتصادي وتكلفة الخسائر والإصابات البشرية والأمراض التي قد تصيب القوات وتكلفة علاجها. وقال إن القضية ساعدت على تحويل اتجاه الدراسات إلى هذا المنحى.
وتعود اقتصاديات الحروب إلى قرون طويلة، غير أن تحليل التكلفة والفوائد للحروب الأميركية السابقة كان يقول إن مقتل أو إصابة جندي في المعركة ليس له تكلفة تذكر، بل هو تضحية حتمية ونتيجة بائسة لتحقيق النصر من أجل حماية مصالح البلاد. وكان النصر هو الفائدة التي تعوض الخسائر في الأرواح.
ولا يزال هذا ينطبق على الحرب العالمية الثانية التي تترسخ في الوجدان الأميركي على أنها حرب دفاعية رداً على هجوم وساعدت الأرواح المفقودة في الحفاظ على الأمة وهذه فائدة كبيرة.
وتجنب خبراء الاقتصاد في الحرب الباردة حساب تكلفة الأرواح المفقودة وحتى في فيتنام كان تركيز الدراسات الاقتصادية على الأسلحة والغذاء، وهو إصرار مضلل من حكومة جونسون على أن أميركا تستطيع ان تتحمل حرباً كاملة ولا يتأثر الانفاق المدني فيها.
لكن أحد الأسباب الرقود الذي أصاب أميركا في السبعينات كان سبب حرب فيتنام. وينطبق تحليل الفوائد والتكلفة على الحرب، لكن هذا التحليل توقف عقب الحرب الفيتنامية ولم يبدأ ثانية إلا في خريف 2002، عندما بدأت أميركا الحرب في العراق.
وقال ويليام نورداوس استاذ الاقتصاد بجامعة يل إننا نكرر هذه الأبحاث الآن لأن الحرب في العراق مثيرة للجدل. وحذر نورداوس أنه اذا منيت الولايات المتحدة بسوء حظ أو سوء حسابات خلال أو بعد الحرب، ستصل الخسائر إلى 9. 1 تريليون دولار بمجرد حساب الخسائر غير المباشرة على مدى بضع سنوات.
وقد بدأ سوء الحظ يصيب أميركا بالفعل في حربها في العراق، وتحققت توقعات نورداوس نسبياً. وأظهرت دراسات اقتصادية أخرى أن تكاليف الحرب بدأت تتجاوز خط التريليون دولار بالفعل. وبلغت التكلفة العسكرية حتى ديسمبر الماضي 251 مليار دولار والمتوقع ان يتضاعف هذا الرقم اذا استمرت الحرب بضع سنوات أخرى.
ويضيف الباحثون انه يجب إضافة تكاليف علاج وتعويضات المصابين والمعقدين من مستشفيات إدارة قدامى المحاربين، خاصة ذوي الإصابات الخطيرة في المخ والنظام العصبي، الذين يحتاجون لرعاية طبية مدى الحياة، وحتى قبل حرب العراق، كانت هذه التكاليف ترتفع، من أجل تعويض قدامى حرب العالمية الثانية وحرب كوريا، لكن الشعب الأميركي تقبل هذه الحروب ولم يلتفت إلى التكلفة.
والوضع يختلف في العراق، التي تفتقر فيها الحكومة الأميركية للتأييد الناتج عن فوائد تغطي على التكلفة لأن الأمر يختلف هنا. وذكرت دراسة في سبتمبر الماضي مثلاً عن سكوت ولمستون الباحث في معهد المشروعات الأميركية ان الوضع في العراق لم يعد يستحق فرض مناطق حظر طيران، كما حدث من قبل ولم يعد نظام صدام حسين موجوداً ليقتل الناس.
غير أن هذه الفوائد لا تعادل الخسائر التي تكبدتها أميركا. وقالت الدراسة بل بالعكس قد يكون هناك تكلفة أخرى من هجمات إرهابية محتملة في المستقبل، ولسوء الحظ يختلف الباحثون حول أثر هذا الاحتمال، والواضح أن النسبة بين التكاليف والفوائد في الحرب تعتمد على الأقل على جزء من إجابة هذا الجدل.
وأشارت دراسة أخرى إلى تقدير تكلفة الحرب بنحو تريليون دولار، على أساس الوفيات والأضرار الناتجة حتى الآن. وقدرت الدراسة ذلك بغرض استمرار وجود القوات هناك حتى عام 2010، وشملت التقديرات ارتفاع أسعار البترول محلياً.
وقالت الدراسة في الوقت الذي يساهم فيه الانفاق العسكري في النمو الاقتصادي، فإن هذا النمو كان يقدر له ان يكون أكبر، اذا كان الانفاق على الطرق والمدارس والأبحاث المدنية واستثمارات أكثر فائدة.
وقالت الدراسة إن هذا الانفاق على الحرب رفع تكلفة التجنيد وخصم من فرص ارتفاع الدخول والأجور بفرض أن آلافاً من المدنيين انخرطوا في صفوف الجيش للحرب في العراق بأجور أقل من التي كانوا سيتقاضونها في الوظائف المدنية.
وقالت الدراسة «لم يكن لنا أن نخوض هذه الحرب ولم نكن مضطرين لأن نفعل ذلك، وكان بمقدورنا ان ننتظر حتى يكون المناخ أكثر أماناً لقواتنا لكننا اخترنا ألا ننتظر».
ترجمة: أشرف رفيق
