ألقت تصريحات مسؤولي السياسة النقدية في منطقتي الدولار واليورو بثقلها على العملتين على حد سواء، مما أفقدهما في مواجهة بعضهما البعض المكاسب السعرية التي جنياها بحيث ظهر الأمر على أنه أقرب ما يكون إلى السجال الذي يتبادل فيه الخصمان مواقع الخسارة والربح.

ومثلت تصريحات صانعي السياسة النقدية السلاح الفاصل في تناوب العملتين هذه المواقع بوتيرة تتميز بالسرعة الشديدة، لدرجة أن ما قد تجنيه إحداهما من مكاسب في مواجهة الأخرى خلال احدى جلسات التداول تعود لتفقده وربما في اليوم ذاته في جلسة تداول أخرى، وهو ما يعكس حالة التقلب الشديدة التي تسود أسواق العملات.

وبرز التقلب في أوج صوره في 13 يناير إذ ساهمت تصريحات جان كلود تريشيه رئيس البنك المركزي في وقف مسيرة اليورو نحو الصعود حيث إنه أحبط التوقعات التي راهنت على قيام البنك برفع معدل الفائدة مرتين خلال العام الجاري.

وفي اليوم المذكور، ارتفع اليورو في مواجهة الدولار من أدنى مستوى بلغه خلال أسبوع نظرا لمراهنة التجار والمستثمرين على أن البنك المركزي الأوروبي سوف يرفع الفائدة مرتين خلال هذا العام.

وجنت العملة الأوروبية الموحدة حوالي نصف ما خسرته في 12 يناير والتي تعد أكبر خسارة تكبدتها في ثلاثة أسابيع، إذ ارتفع اليورو إلى 2055 .1 دولار مقابل 2036 .1 دولار في اليوم السابق، وتقدم اليورو في مقابل الين الياباني إلى 13 .138 ينا من 67 .137 ينا.

إحباط توقعات رفع الفائدة الأوروبية

ونهضت التوقعات القائلة بقيام البنك المركزي الأوروبي برفع الفائدة على توليفة من مصادر القوة التي تعزز قوة اليورو في مواجهة الدولار، جاء بعضها من بروز مؤشرات تدل على تحسن أداء الاقتصاد الأوروبي، وجاء البعض الآخر من بيانات أميركية ألقت بظلال قاتمة على العملة المنافسة وهي الدولار.

وفي هذا السياق، أعلن مكتب الإحصاءات الأوروبية أن النمو الاقتصادي في منطقة اليورو خلال الربع الثالث من العام الماضي تسارعت وتيرته بدرجة أكبر مما كان عليه الأمر خلال فترة تزيد على عامين.

وقدر المكتب أن الاقتصاد الأوروبي نما بنسبة 7. 0 % خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في شهر يونيو الماضي مقابل نمو نسبته 6 .0 % في الربعين السابقين. وبالتالي، سجل الاقتصاد الأوروبي أقوى نمو منذ الربع الأول لعام 2004.

ومن ناحية أخرى، أظهرت استطلاعات الرأي والتقارير الصادرة عن الحكومات والدراسات المسحية الصناعية أن معدل البطالة في نوفمبر بلغ أدنى مستوياته على مدى ثلاث سنوات، وسجلت ثقة المستثمرين الألمان الذروة في شهر يناير خلال فترة تصل إلى ثلاث سنوات.

وارتفعت ثقة المستهلك الأوروبي خلال الشهر الماضي إلى أعلى مستوياتها على مدى يزيد على خمس سنوات. ووظف المصنعون عمالا إضافيين وذلك للمرة الأولى منذ عام 2002، ونمت الصناعات الخدمية بمعدل يعد الأكبر في عامين.

وغذت هذه البيانات الآمال بأن الاقتصاد الأوروبي آخذ في التعافي والانتعاش مدفوعا بقوة الطلب الاستهلاكي وليس بقوة الصادرات فحسب، وهو الأمر الذي شكل حافزا للمحللين في مؤسسة «جيه بي مورجان تشيس» وبنك «كريديه سويس فيرست بوسطن» للتنبؤ بأن ينمو الاقتصاد الأوروبي بنسبة 1 .2 % خلال العام الجاري، وهو ما يعد أكبر معدل للنمو منذ عام 2001.

ويضاف إلى ما سبق، ورغم استهداف البنك المركزي الأوروبي معدلا للتضخم عند مستوي أقل من 2 %، وتجاوز الأسعار هذا المستوى على مدار الأشهر العشرة الماضية إلا أن معدل التضخم قد تراجع إلى 3, 2 % خلال شهر نوفمبر مقابل 6 .2% في شهر سبتمبر من العام الماضي.

وقوت تلك البيانات التوقعات بأن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع الفائدة خلال الأشهر المقبلة، حيث تركها دون تغيير خلال اجتماعه في يوم 12 يناير، بعدما قام برفعها في الشهر الماضي للمرة الأولى على مدار خمس سنوات لتصل إلى 25 .2% .

وفي المقابل، رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة في كل الاجتماعات التي عقدها منذ يونيو 2004 حتى وصلت إلى 25 .4 %، إلى جانب بروز توقعات بأن يقوم البنك برفع الفائدة خلال الشهر الجاري مع احتمال نسبته 60% أن يقوم برفع آخر للفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في شهر مارس المقبل.

وكان من شأن اتساع الفارق في العائد بين أوراق الخزانة الأميركية والديون اليابانية والأوروبية أن يساعد في تقوية الدولار ليسجل أول مكسب سنوي في مواجهة الين واليورو منذ عام 2001.

وعليه، قدرت التوقعات السابقة على تصريحات رئيس البنك المركزي الأوروبي بأن صناع السياسة النقدية الأوروبيين سيرفعون الفائدة مرتين أو أكثر خلال العام الجاري.

وعبر عن هذه التوقعات الكثير من المحللين ومن بينهم إيد تيثر المحلل الاقتصادي في بنك «يو بي إس» بقوله إن هناك الآن الكثير من الثقة في الاقتصاد الأوروبي، حيث صارت هناك إمكانيات لنمو الاقتصاد.

وهو ما يعد أمرا ايجابيا بالنسبة لآفاق المستقبل. وشاطر ديريك دودي المحلل في بنك أيرلندا هذا التقدير بإشارته إلى أن التجار والمستثمرين ينظرون لمثل هذا الوضع على أنه يقدم فرصة طيبة لشراء اليورو، كما أنهم يتطلعون إلى قيام البنك المركزي الأوروبي برفع سعر الفائدة مرة واحدة أو مرتين خلال العام الحالي.

وقال نوربيرت وولتر كبير الاقتصاديين في بنك دوتشه الألماني إنه لايزال في جعبة مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي بعض الأوراق في ضوء التحسن الحاصل في الاقتصاد.

وأثارت توقعات رفع الفائدة غضب السياسيين الأوروبيين الذين رأوا أن الاقتصاد مازال بحاجة إلى دعم البنك المركزي الأوروبي حيث صرح مايكل جلوس وزير الاقتصاد والتكنولوجيا الألماني في 11 يناير بأنه من المتعين على البنك المركزي الأوروبي أن ينهض بمسؤولياته بشكل جدي وأنه لا يرى سببا في هذا الوقت لرفع سعر الفائدة.

إحباط توقعات الفائدة الأميركية

وعلى أية حال، حصل اليورو في يوم 13 يناير على دعم من التطورات في الجانب الآخر من الأطلسي إذ هبط الدولار في مواجهة اليورو بعدما أظهر تقرير أن المبيعات الأميركية نمت في الشهر الماضي بوتيرة أبطأ مما توقعه الاقتصاديون، وهو ما أحبط التكهنات القائلة بأن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سوف يرفع معدلات الفائدة مرتين خلال الربع الأول من العام الجاري.

فمن جانب،أظهرت البيانات الصادرة عن وزارة التجارة الأميركية أن مبيعات التجزئة باستثناء السيارات قد ارتفعت خلال شهر ديسمبر الماضي بنسبة 2 .0%، وهو نمو يقل بمعدل النصف عن معدل النمو الذي توقعه اقتصاديون استطلعت مؤسسة بلومبيرج آراءهم.

ومن جانب آخر، أظهر تقرير حكومي آخر منفصل صدر في 13 يناير أن أسعار المنتج باستبعاد الطاقة والمنتجات الغذائية صعدت بنسبة 7 .0% خلال شهر ديسمبر الماضي قابل تراجع نسبته 7 .0 % في الشهر السابق.

وجاءت تصريحات جون سنو وزير المالية الأميركي التي عبر فيها عن عدم قلقه من اتجاه البنوك المركزية نحو تنويع احتياطياتها بعيدا عن الدولار، وأن التنويع لا ينطوي على أية متاعب بالنسبة للاقتصاد الأميركي جاءت هذه التصريحات لتفقد الدولار بعضا من المكاسب التي جناها في 12 يناير نتيجة لتقرير صدر عن وزارة التجارة الأميركية،أظهر أن العجز في الميزان التجاري قد تراجع بشكل أكبر مما توقعه الاقتصاديون.

حيث ضاقت الفجوة بين الصادرات والواردات خلال شهر نوفمبر الماضي إلى ما قيمته 2 .64 مليار دولار، بعدما بلغت مستوى قياسيا قيمته 1 .68 مليار دولار .

وهو ما أشاع تفاؤلا عبر عنه داراغ ماهر محلل العمل في مؤسسة كريديه أجريكول ومقرها لندن بقوله «لقد بدأنا الأسبوع ونحن لدينا وجهة نظر سلبية بخصوص الدولار ولكن تحول الأمر، وأبلي الدولار بلاء طيبا.

ولايزال بالإمكان قيام البنك الاحتياطي الفيدرالي بإجراء المزيد من الرفع في معدل الفائدة، وأنه وبالإمكان رؤية ارتفاع معدل الفائدة إلى 75 .4 % ، وربما إلى 5%».

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن البنوك خارج الولايات المتحدة تمتلك احتياطيات تزيد قيمتها على 4 تريليونات دولار تستحوذ منها الأصول المقومة بالدولار على حصة نسبتها 66%.

وألمح البنك المركزي الصيني إلى اعتزامه تعظيم عائداته من هيكل احتياطياته. وجاء ذلك على لسان هيو إكسيو ليان مدير الاحتياطي في بنك الشعب الصيني في بيان صادر عنه في 5 يناير، الأمر الذي عزز الانطباع بأن البنك المركزي الصيني قد يبيع الدولار ولكن صحيفة شنغهاي للأوراق المالية نقلت عن زوهو إكسيان شون محافظ البنك المركزي الصيني قوله بأن الصين ليس لديها خطط لبيع الدولار.

وعبر تيم فوكس محلل العملات في شركة Dresdner Kleinwort Wasserstein ومقرها لندن عن حالة إحباط السوق إزاء الدولار بقوله ان البيانات جاءت أقل قوة مما كان متوقعا،ولهذا، كان بيع الدولار هو رد الفعل الطبيعي ،كما تعززت فرضية أن البنك الفيدرالي الأميركي قد بلغ الذروة في رفعه لمعدلات الفائدة .

و قال جون شولاكيس محلل العملات في Natexis Banques Populaire «إن جون سنو وزير المالية قد تفوه بهذه التصريحات في يوم الجمعة حيث تكون التعاملات في السوق محدودة، وهو ما دفع الناس إلى بيع الدولار لإنقاذ أنفسهم».

وقال كاثي لين محلل العملات في شركة Forex Capital Markets نحن بحاجة إلى بيانات متدفقة على نحو متواصل تظهر قوة أداء الاقتصاد الأميركي لتدعيم الطلب على شراء الدولار.

وقال ناعومي فينك المحلل في شركة باس سيكيورتيز إنه السوق يبدو في الوقت الحالي كما لو كان غير مقتنع بقوة بالدولار. ورغم حصول اليورو على الدعم من عناصر القوة الآنفة الذكر إلا أن تصريحات جان كلود تريشيه رئيس البنك المركزي الأوروبي دفعت بالعملة الأوروبية الموحدة إلى موقع الخسارة.

وتراجعت في 13 يناير بنسبة 1 .0% إلى 2142 .1 دولار لليورو بعدما جنت مكسبا نسبته 5 .2% على خلفية توقعات بانحسار فارق عائدات الفائدة بين العملتين الأوروبية والأميركية

. فقد أشار رئيس البنك المركزي الأوروبي إلى أن هناك علامات مشجعة تدل على تسارع وتيرة النمو الاقتصادي، وأن صناع السياسة النقدية يتابعون توقعات التضخم بعين يقظة بيد أنه حذر من أنه لاتزال هناك مخاطر تعترض النمو. وأفضت هذه التصريحات إلى تقليص التجار لرهاناتهم على مدى سرعة البنك المركزي الأوروبي في رفع تكلفة الاقتراض.

وقال بول ماكيل محلل العملات في بنك «إيه بي إن آمرو» إن تريشيه أحبط توقعات السوق ودفع إلى الخلف فكرة أنه بصدد رفع الفائدة في مطلع شهر فبراير وهو ما أثقل على اليورو.

كتب ـ مجدي عبيد: