خلاصة المشهد الاقتصادي العالمي عام 2005 هو أن الأغنياء زادوا غنى والفقراء ازدادوا فقرا. ويضم هذا المشهد دولا تثبت أقدامها في عالم الاقتصاد، وأخرى تحاول اللحاق بها.

وثالثة تستجدي العون والمساعدة لتقليل معدلات الوفيات المستمرة في الارتفاع بسبب الجوع والفقر والمرض. وفي مقابل أرباح غير مسبوقة للشركات والمؤسسات المالية والمصرفية، نجد ارتفاعا ملحوظا في نسبة البطالة في الدول الصناعية الكبرى إذ وصلت في الاتحاد الأوروبي إلى 6 .8% وفي سويسرا إلى 5. 3% واليابان إلى 6 .4% والولايات المتحدة إلى 4. 6%، في مقابل متوسط أرباح للشركات العالمية يتراوح بين 10 و12% في عام 2005 مقارنة مع العام 2004، حسب مقياس «ستاندارد آند بور».

وفي الوقت الذي تزداد أرصدة الأثرياء في المصارف بالمليارات ومئات الملايين، ظهرت في أوروبا طبقة جديدة من الفقراء، يعملون فقط بالحد الأدنى من الرواتب أو أقل منه بكثير، تلك الطبقة التي بدأت تتوسع وتنتشر حتى بين أغنى الدول وأكثرها ثراء، كما يتواصل انتشار الفقر في الدول النامية كعادته.

وتبلورت في عام 2005 قوتان اقتصاديتان مهمتان هما الصين التي تحولت إلى مصنع كبير لجميع المنتجات، والهند كأكبر مصدر للخدمات لاسيما في مجال المعلوماتية والبرمجيات، وتسير الصين ـ بتعداد سكانها الذي يفوق المليار ـ نحو نمو اقتصادي هائل يتراوح بين 7 و9% سنويا في مقابل معدلات أوروبية تتراوح بين 5 .1 و5 .2%.

في المقابل، فقد تفاقمت مشاكل الفقر والديون والعوز وبالبطالة في أفريقيا ودول أمريكا اللاتينية والعديد من الدول الأسيوية، حيث العديد منها يستذكر اليوم كارثة سونامي.

ولم يكن بعيدا اختتام المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد في هونغ كونغ 18 ديسمبر الماضي بتحقق نتائج متواضعة لم ترتق إلى مستوى طموح الدول النامية، خاصة على صعيد الزراعة والقطن. وكعادتها، حاولت الدول الصناعية إلقاء اللوم بفشل الاجتماع على الدول النامية. بينما أنحت واشنطن باللائمة على الدول الأخرى في انهيار المحادثات.

وقالت إن هناك أطرافا كثيرة جدا غير مستعدة لتقديم تنازلات. كما طالبت الدول الصناعية - وكمخرج من المأزق التي وقعت فيه ـ بربط قضية تحرير المنتجات الزراعية بتحرير القطاعات الأخرى المتفق عليها في جولة الدوحة كالاستثمار والخدمات المالية وأسواق العمل، الا أن الدول النامية ترى في قضية تخفيض الدعم للمنتجات الزراعية للدول الصناعية قضية قديمة مطروحة منذ الجولة الأولى للمفاوضات.

وبالتالي لا يمكن التمطيط فيها، بينما المطلوب منها تقديم المزيد من التنازلات في القضايا الأخرى. كما ترى الدول النامية أنه ينبغي على الدول الغنية الوفاء بتعهداتها في الدوحة وتقليص الدعم الذي تغدقه على المزارعين والبالغ 300 مليار دولار سنويا أي ما يوازي ستة أمثال ما ينفقونه على معونات التنمية.

ومع هذه المساعدات والرسوم الجمركية المرتفعة تقول الدول الفقيرة إنها عاجزة عن التصدير لأسواق الدول الغنية بل تجد نفسها محاصرة في الداخل بواردات مدعومة بشدة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بصفة خاصة.

كما أعلنت دول منتجة للقطن في غرب أفريقيا كبنين وبوركينافاسو ومالي وتشاد أن محادثات كانكون أخفقت في علاج شكواها من دعم الدول الغنية لمزارعيها وهو ما يحرمها من المنافسة. وتنفق الولايات المتحدة أكثر من 5,2 مليار دولار سنويا على برنامجها لإنتاج القطن.

وكان من الطبيعي أن تبادر هونغ كونغ - وهي الدولة المستضيفة للاجتماع ـ الى محاولة التوصل الى حل وسط بشأن هذه الخلاقات لتجنب ربط اسم بلادها بانهيار مفاوضات الجولة الجديدة التي أطلقها اجتماع الدوحة.

وأخيرا توصل الاجتماع الى حل وسط بازالة الدعم للمنتجات الزراعي بحلول عام 2013. وهو هدف تشك الدول الفقيرة في إمكانية تحققه في ضوء معارضة جماعات الضغط الزراعية القوية في أوروبا.

وفي مقابل هذا سيتعين على الدول الفقيرة فتح أسواقها الزراعية التي تفرض عليها حماية كبيرة كما تطالب بذلك واشنطن. كما سيتعين عليها بدء مفاوضات في موعد لاحق بشأن القواعد المنظمة للاستثمار الأجنبي وهو هدف أساسي لليابان وأوروبا. لكن هذا الهدف يلقى معارضة شديدة من أكثر من 70 دولة بزعامة الهند وماليزيا.

وعلى صعيد التحولات العالمية والعولمة وعلاقاتها بالبشر والعمالة، فنحن نشير هنا إلى تقارير البنك الدولي التي تكرر الإشارة بان العولمة ولدت ثراء غير مسبوق، بيد انها تركت نصف البشرية تقريبا يعيش باقل من دولارين في اليوم. وتشير هذه التقارير الى بروز مكاسب «استثنائية في لا مساواتها» من وراء العولمة.

كما تشير إلى ان الدول الفقيرة باتت متأخرة اكثر عن الركب. وان نصف سكان الكرة الارضية تقريبا (8,2 مليار نسمة من اصل 6 مليارات) يعيشون حاليا باقل من دولارين يوميا فيما متوسط الدخل في الدول العشرين الاغنى يفوق بـ 37 ضعفا متوسط الدخل في الدول العشرين الاكثر فقرا.

ويقول نيكولاس ستيرن، وهو من كبار اقتصاديي البنك الدولي، ان البنك يتقاسم مسؤولية السياسات المخلة التي اضرت بالدول الفقيرة وقال لقد شرعنا في سلوك طريق مختلف لتحقيق تنمية تؤكد على الصحة والتعليم وقضايا المساواة بدلا من تمويل مشاريع البنى التحتية الضخمة.

وفي قائمة البنك لاغنى دول العالم وفقا لمتوسط دخل الفرد السنوي جاءت سويسرا في المركز الاول، اذ بلغ متوسط دخل الفرد فيها 38350 دولارا تليها النرويج ثم اليابان فالدنمارك بينما جاءت الولايات المتحدة في المركز الخامس.

وتكشف تقارير البنك الدولي عن ان معدل الدخول في الدول العشرين الاغنى في العالم اكبر 37 مرة منه في الدول العشرين الافقر. وهذا يعني تضاعف الفجوة التي كانت قائمة قبل 40 عاماً.

وجميع هذه الارقام ليست بحاجة الى تعليق كبير، وهي فاحشة ومؤلمة لدرجة لم يستطع المسؤولون بالبنك اخفاءها. واذا كانت التقارير توصي بمنح الفقراء سيطرة اكبر على الانفاق العام والمساعدات الخارجية التنموية، وزيادة حرية الوصول الى الوظائف والمدارس ووسائل النقل والكهرباء والماء وتركيز الانفاق العام على الصحة والتعليم والاولويات الاجتماعية.

وانشاء صناديق تمويل للنكبات لحماية الفقراء من الكوارث الطبيعية والركود الاقتصادي، فان جميع هذه التوصيات لن تحقق تقدما مهما بظل استمرار الاختلالات في انظمة التبادل التجاري وانظمة تبادل المنافع على المستوى العالمي.

كما ان البنك الدولي يشدد على ان الدول النامية مدعوة اولا الى تطبيق مختلف الاصلاحات الادارية والسياسية والتشريعية للتخفيف او ازالة اسباب الفقر الاساسية بدءا من التمييز على اساس الجنس والعرق والوضع الاجتماعي. والى اعتماد اليات فاعلة تخفف من هشاشة الاكثر فقرا ازاء الازمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية (التأمين وصناديق الضمان).

إلا أن التقارير تخفق في تأكيد مسؤوليات الدول الصناعية في استمرار هذه الاوضاع، بل وتدهورها في الدول النامية، حيث تكتفي بالاشارة من بعيد الى ان الانفتاح على التجارة الخارجية لا يخلو من المخاطر.

كما توجه التقارير دعوة خجولة الى الدول الغنية الى فتح اسواقها امام صادرات الدول الفقيرة خصوصا الصادرات الزراعية، حيث تعتقد هذه الدول ان الجانب الاكبر من الانظمة التجارية للبلدان الغنية انما يتم على حسابها.

ولا شك ان تخفيف الديون عن دول العالم الثالث يأتي في مقدمة الاجراءات المطلوب من الدول الصناعية اتخاذها مع اعتماد الاجراءات اللازمة لجعل مساعدات التنمية مساعدات ذات جدوى.

ان المؤسسات المالية المتعددة الجنسيات مدعوة للمساعدة في استقرار الاوضاع المالية في العالم واعتماد طرق استثمار ذات منظور اخلاقي والمساعدة على اعادة الاعمار المادي والاجتماعي بعد النزاعات. وهي جميعها تلعب الدول الصناعية دورا رئيسيا فيها.

ولكنها جميعها دعوات اشبه بالامنيات بظل سيطرة القوى الكبرى على مصالح العالم، وتسخير هذه المصالح لتحقيق رفاهية احادية الجانب لا تنطوي على أي من المعايير الاخلاقية والحضارية.