أدى ارتفاع أسعار النفط طوال السنوات الثلاثة الماضية إلى حدوث زيادات ضخمة في عائدات التصدير لدى البلدان المنتجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط. ومع ارتفاع هذه العائدات إلى مستويات فاقت توقعات الجميع، أصبحت هذه البلدان تواجه خيار إنفاق البترودولارات محليا وعلى الواردات أو ادخارها.
وادخرت البلدان المصدرة للنفط جانبا كبيرا من عائداتها النفطية حتى الآن. ويعكس ذلك جزئيا حذر الحكومات الساعية إلى تأمين الاقتصاد من مخاطر انخفاض أسعار النفط إلى مستويات أكثر «طبيعية» في المستقبل. ومن ناحية أخرى، لم يتوافر بعد الوقت الكافي لتصميم مشاريع استثمارية ذات احتياجات تمويلية ضخمة.
لكن الخبراء وأسواق العقود المستقبلية يشيرون جميعا إلى أن أسعار النفط المرتفعة تبدو باقية لفترة طويلة مقبلة، مما يتيح لبلدان الشرق الأوسط المصدرة للنفط فرصة جديرة بالترحيب لتلبية احتياجاتها الاقتصادية الداخلية من خلال زيادة الإنفاق. وعن طريق زيادة الإنفاق، سوف تساعد هذه البلدان على تعزيز زخم النمو الاقتصادي العالمي.
والأرقام المسجلة مدهشة. فقد ازدادت الصادرات النفطية من البلدان العشرة الكبرى المصدرة للنفط في الشرق الأوسط من حوالي 200 مليار دولار أميركي في عام 2003 إلى 450 مليار دولار تقريبا خلال العام الحالي. ويمكن أن تتجاوز عائدات النفط 500 مليار دولار في عام 2006 ـ بزيادة مقدارها 150% عن عام 2003.
وازداد الإنفاق على الواردات أيضا في بلدان الشرق الأوسط المصدرة للنفط، وإن كان بوتيرة أبطأ. ففي عام 2004، ازدادت الواردات بما يعادل نصف نسبة نمو الصادرات النفطية تقريبا.
وفي عام 2005، تسارعت وتيرة الاستيراد، ولكن تصدير النفط ازداد بوتيرة أسرع. وتشير التوقعات في مجملها إلى زيادة الواردات بنحو 100 مليار دولار في الفترة 2003-2006، مما يوفر لبلدان الشرق الأوسط المصدرة للنفط حوالي 200 مليار دولار للإنفاق أو الادخار، وهو ما يقارب المستوى المتوسط للواردات خلال الفترة 2003-2006.
ويقدر الفائض المتزايد في الحساب الجاري الخارجي لدى بلدان الشرق الأوسط النفطية بحوالي ربع إجمالي الناتج المحلي المحقق فيها، وهو ما يفوق بالدولار الأميركي فوائض الصين وبقية بلدان آسيا الصاعدة معا. وقد انعكس ذلك في شكل زيادة ضخمة في الاحتياطيات الرسمية وانتعاشة أكبر في الاستثمارات الأجنبية التي تقوم بها شركات النفط الوطنية.
وصناديق النفط والاستثمار الحكومية، والشركات الخاصة والأفراد الساعين إلى تنويع حوافظ أصولهم.
وبينما يصعب معرفة قنوات استثمار هذه الأموال على وجه الدقة، فمن المرجح أن يكون جانب كبير منها قد استثمر في أصول مالية محررة بالدولار الأميركي. أما الباقي فيجري استثماره في الأصول العينية وأسواق الأوراق المالية سواء في الغرب أو في المنطقة.
وللقرارات التي تتخذها البلدان المصدرة للنفط في الشرق الأوسط آثار اقتصادية مهمة، منها ما يدعم النمو العالمي ومنها ما يحد منه. فقد ساعدت تدفقات رؤوس الأموال الكبيرة إلى الأسواق المالية العالمية على إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة، مما عزز النشاط الاقتصادي العالمي.
ومن ناحية أخرى، أدى ارتفاع أسعار النفط بالفعل إلى تحويل جانب كبير من دخل البلدان المستهلكة للنفط ـ لا سيما في الغرب وآسيا ـ إلى البلدان المنتجة للنفط.
وحتى الآن، أنفق منتجو النفط من هذا الدخل مقدارا أقل مما كان يمكن لمستهلكي النفط إنفاقه منه. وهكذا نجد أن الإنفاق يتراجع على الصعيد العالمي، مما يخلِّف أثرا مقيِّدا للنشاط الاقتصادي العالمي.
ومن الصعوبة بمكان قياس حجم هذين الأثرين على وجه الدقة، ومن ثم يصعب الخروج برأي قاطع حول ما إذا كانت قرارات الإنفاق والادخار التي اتخذتها البلدان المصدرة للنفط في الشرق الأوسط قد أدت عموما إلى تشجيع النمو العالمي أو تقييده.
ولكن اختلالات الحسابات الجارية العالمية ازدادت اتساعا، مما يعزز احتمالات تصحيحها بشكل مُخِلّ ـ وهي بالطبع نتيجة لا ينشدها أحد للاقتصاد العالمي.
وبفضل زيادة الإنفاق سوف تتمكن بلدان الشرق الأوسط المنتجة للنفط من تلبية احتياجات القطاع الاجتماعي والبنية التحتية، مع المساهمة في نفس الوقت في تقليص الاختلالات العالمية بشكل منظم.
وسوف يسهم الحفاظ على استقرار النمو الاقتصادي العالمي في ضمان استقرار نمو الطلب على النفط، وهو ما يحافظ بدوره على استقرار أسواق النفط.
فكيف يمكن إنفاق الأموال المتأتية من تصدير النفط؟ هنا تتضح أهمية الدروس المستخلصة من تجربة السبعينات. فسوف يكون التحدي الأكبر هو زيادة الإنفاق على نحو منظم، مع تجنب الإسراف. وسوف تختلف السياسات الملائمة باختلاف البلدان، ولكنها جميعا يجب أن تتضمن العناصر التالية:
زيادة الإنفاق في المجالات التي تحقق نتائج دائمة من حيث تعزيز النمو وتخفيض معدل البطالة، ومن ثم توسيع نطاق الاستفادة من الطفرة التي شهدتها العائدات النفطية. وينبغي أن تتضمن أولويات الإنفاق الاستثمار في البنية التحتية؛ وزيادة الإنفاق على الرعاية الصحية والتعليم؛ وتمويل البرامج الرامية إلى زيادة فرص العمل.
زيادة الطلب على الواردات. فتوجيه الإنفاق إلى السلع والخدمات التي تنتجها بقية بلدان العالم سوف يساهم مساهمة ملموسة في تخفيض الاختلالات العالمية كما يساعد على الحد من مخاطر حدوث فورة في نشاط الاقتصادات المحلية غير القادرة على استيعاب الإنفاق المحلي واسع النطاق.
زيادة الاستثمار في الطاقة الإنتاجية والتكريرية لتخفيف النقص في العرض في سوق النفط مستقبلا. ولا شك أن استقرار سوق النفط يصب في مصلحة البلدان المنتجة لأنه يحد من تعرض اقتصاداتها للصدمات الخارجية.تخفيض الدين الحكومي في البلدان المثقلة بديونها المرتفعة.
تقديم المساعدة المالية (مباشرة أو من خلال المنظمات الدولية) إلى البلدان ذات الدخل المنخفض التي تمر بمشكلات مالية نتيجة ارتفاع أسعار النفط.
إن التوجه المتزايد نحو العولمة يتطلب من البلدان القيام بمسؤوليات محلية ودولية في آن واحد. وباتباع السياسات المذكورة آنفا، يمكن لبلدان الشرق الأوسط المصدرة للنفط أن تقوم بدور فعال في دعم الجهود المبذولة لتحقيق الرخاء العالمي، مع العمل في الوقت نفسه على تنمية اقتصاداتها الوطنية.
ـ مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى
صندوق النقد الدولي