في السابعة من مساء كل ثلاثاء، وفي قاعة مكتظة في الدور الرابع، نطل على شارع مزدحم بالعمال العائدين إلى بيوتهم، يتخذ مئات العمال الكوريين الجنوبيين، وهم في بدلات العمل، مقاعدهم، لحضور دروس خاصة بعد ساعات العمل المضنية.
وما هي إلا دقائق معدودة حتى يستغرق هؤلاء في موجة هستيرية من الضحك، فالضحك يحمل في طياته منافع جمة، فهو ينعش النفس ويحيي الفؤاد. حسبما يقول المدرب »جوزيف لي«، الذي يشرف على تدريب 300 من عمال البريد في مقاطعة غوانغ جين، التابعة لسيئول، والذي يضيف ان الأساس بالفرح والسعادة، لابد ان تنعكس اثاره على العملاء.
وهو يوصي بالضحك من القلب، والضحك حتى تهتز الخواصر، وتنكمش عضلات البطن، وتنفرج اسارير الوجه، ويضيف الى ان الكوريين يجدون مشقة في الضحك، مشيراً الى ان قروناً من الكونفوشيه، علمتهم إيثار الجد على الهزل. وينوه إلى أن الرجال، حسب التقاليد، يكونون أكثر جاذبية، عندما يبتعدون عن الدعابة ويقطبون الجبين.
أما النساء فقد أمرن بالإمساك عن الضحك، في حلقات الزواج، وإلاّ خاطرن بعدم إنجاب الذكور، ولقّن الأولاد أن الإفراط في الضحك، »يجلب النحس وسوء الحظ«. ولقد كان الكوريون الجنوبيون، في الأزمنة الحديثة، مجبرين على مواكبة مزاج اجتماعي متجهم، فرضته ظروف الحرب، وعقود من الحكم الاستبدادي وعملية تصنيع متسارعة!
غير أن ذلك كله بدأ الآن التحول عن طريق رواج العلاج بالضحك. وفي الصفوف الاستجمامية التي توفرها الحكومات المحلية والمشافي، ينوّه المدربون بمنافع الضحك الصحي النابع من القلب، ويستشهدون بدراسات أظهرت أن الضحك ينبه الجهاز التنفسي والدورة الدموية.
ويسكن آلام المفاصل، ويجنّب الكثير من أمراض الرشح، وحتى السرطانات. غير أن هناك بواعث على صلة بالعمل، وتعد خدمة البريد الوطني »وكوريا بوست«، من بين المؤسسات التي أدركت قيمة الضحك. وهي تواجه الآن منافسين أشدّاء، في خدمة توزيع الطرود، التي كانت يوماً حكراً عليها.
وفي كراسة ارشادية وزعها مكتب بريد غوانغ جين، على موظفيه البالغ عددهم 500 موظف، دعاهم إلى رسم البسمة على شفاههم مدة في كل ساعة على الأقل، ولو من غير داع.
ويبدأ عمال البريد، صباحهم اليومي، بتمرين يستغرق عشر دقائق يمارسون فيه بقيادة قادة الفرق، الانحناء ويسترسلون في القهقهة والتصفيق الحماسي. ويقر أصحاب العمل، بعجزهم عن المنافسة في السعر والجودة فقط، ففي مصانع سامسونغ للالكترونيات شعار يحتل مكان الصدارة يقول »ان أعظم المجدين عملاً لا يمكنه مجاراة انسان يستسيغ عمله وفي متاجر الأقسام في سيئول يحيي كتبة مبتسمون أول عملاء الصباح، بالانحناء تسعين درجة.
ولم يتوان رجال السياسة عن اللحاق بالركب، ففي مبنى الجمعية التشريعية، استخدم الطامحون من حزب يوري الحاكم، الضحك في احدى الجلسات بهدف كسب الأصوات ويقول هان كوانغ رئيس مركز الضحك الكوري، الذي يلقي 15 محاضرة أسبوعياً، ان الاهتمام بصنوف الضحك، هو استجابة جزئية للترهل الاقتصادي.
ويتابع بأن الناس يريدون أن يسرّوا عن أنفسهم، والهروب من واقعهم الاقتصادي المرير، بالانفجار في قهقهات عالية، غير أنهم لا يعرفون كيف ومتى يضحكون.
يبدأ »هان« درسه النموذجي بدرس في التنفس، ثم يطلق المشاركون في صوت واحد صيحة »ها« الأقرب إلى صيحة التكواندو. ثم تتطور إلى »هو هو، ها ها« ثم إلى »هو ــ هو ــ هو، ها ــ ها ــ ها« وما تلبث القاعة أن تتحول إلى مشهد شبيه بغرفة للمجانين تضج بصيحات وقهقهات لا أول لها ولا آخر. وينصح »هان« الناس بممارسة أنواع أخرى من الضحك في أيام مختلفة من الأسبوع.
ومن جهته قال بارك دونغ رئيس مركز للعلاج بالضحك يسمى »ها ها ها كوريا« بأن الوجوه الباسمة من شأنها جعل الكوريين أكثر قبولاً في الخارج. ويضيف: إن نظرة الكوريين الجنوبيين الصارمة المتجهمة، تبدو أمام الناس الذين لا يعرفون أخلاقنا، ضرباً من الإهانة،
ومن جهته قال جوزيف لي إن الكوريين الجنوبيين يعانون من عجز خطير في الضحك، وأظهرت دراسة مسحية أن الكوري العادي يقضي ما يعادل 88 يوماً من الضحك خلال فترة حياته، وأن 70 إلى 80 في المئة من الضحك يحدث قبل بلوغ الشخص سن العشرين.
ترجمة وائل إبراهيم الخطيب
