مثلت دول »أوبك« الطرف الحاضر الغائب في معادلة النزاع الأوكراني الروسي حول إمدادات الغاز. فهي كانت غائبة بحكم كونها ليست طرفا معنيا أو مباشرا في تفاصيل النزاع ولكنها كانت حاضرة وبقوة في سياق الحديث عن أمن إمدادات الطاقة العالمي.

وهي أيضا كانت حاضرة وبقوة في إطار المقارنة بين مصادر الإمدادات، من ناحية مدى إمكانية الاعتماد عليها، ومدى الوثوق في التزامها بمواصلة الضخ والإمداد.

ومع انتهاء النزاع بين أوكرانيا وروسيا، وبدء مرحلة استلهام الدروس، يبرز دور »أوبك« باعتباره الرقم الصعب والأكثر أهمية في أية جهود دولية ترمي إلى البحث عن آليات لإدارة أزمات الطاقة، خصوصا وأن الأفق صار ملبدا بغيوم تنذر باحتمالات تفجر أزمات وصراعات على أرضية مصادر الطاقة،

وذلك في ضوء تأجج المخاوف الأوروبية حول مستقبل وارداتها من الطاقة، واستخلاص دول الاتحاد الأوروبي درسا من تداعيات النزاع الأوكراني الروسي حول ضرورة تنويع مصادر الإمداد، وعدم تكثيف الاعتماد على حفنة قليلة من المصادر، كما هو حاصل الآن . كما صار موضوع »أمن إمدادات الطاقة« على أجندة عمل مجموعة الثمانية بقوة أكبر.

وتبرز على سطح هذه التفاعلات احتمالات إطلاق جهود ترمي إلى البحث عن آليات مناط بها مسؤولية »تجنب تفجر أزمات الطاقة«، والعمل على التوصل إلى حلول لها في حال تفجرها. وهنا،سيبرز دور »أوبك« باعتبارها الطرف الذي سيكون له كلمة الفصل في أية ترتيبات مستقبلية.

لقد ألقى النزاع الروسي الأوكراني بظلاله على احتفالات العام الجديد، مع تقدم الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين بطلب إلى أوكرانيا وهي الدولة الجار لروسيا بأن تدفع قيمة وراداتها من النفط والغاز الروسي بأسعار السوق العالمي.

وهو ما يعني أنه سيكون من المتعين على الدولة الحديثة النشأة والتي يبلغ عدد سكانها 50 مليون نسمة والواقعة على الساحل الشمالي للبحر الأسود والتي تمتد مساحتها من بولندا حتى جبل القوقاز أن تدفع أربعة أضعاف ما تدفعه في الوقت الحالى لأجل الحصول على سلعة جوهرية وإستراتيجية.

النزاع جوهره سياسي

وبدا النزاع الأوكراني الروسي في شكله الخارجي على أنه يدور حول قضية تجارية واقتصادية محضة لكن في اللب والجوهر تطغى الأبعاد السياسية على ما دونها من أبعاد، حيث تبارت التحليلات في إبراز الموقف الروسي على أنه عودة وإحياء للإمبريالية الروسية، وأنها أي روسيا بصدد إعادة إنتاج إمبراطوريتها القديمة عن طريق استخدام ورقة الطاقة في ممارسة النفوذ على جمهوريات ما كان يعرف في الماضي بالاتحاد السوفييتي.

وتناولت التحليلات الغربية فصول النزاع بألوان ومشارب متعددة، فقد كتبت صحيفة »ليبراسيون« الفرنسية ذات التوجه اليساري موضوعا بعنوان »أوروبا تحت رحمة الغاز الروسي« اعتبرت فيه استخدام روسيا لورقة الغاز في مواجهة أوكرانيا بمثابة رسالة شديدة القسوة لتذكير الاتحاد الأوروبي بمدى استقلاليته في مجال الطاقة، حيث كان للنزاع وقع الصدمة.

ومثل بذلك الصدمة النفطية الأولى التي يتعرض لها الاتحاد الأوروبي منذ عقد السبعينات، وفيما وصفت صحيفة »لوموند« النزاع بأنه بمثابة إعلان حرب، تعد الأولى من نوعها في القرن الحادي والعشرين، انتقدت صحيفة فرانكفورتر الألمانية السلوك الروسي، واصفة إياه بالفظاظة، وانه شكل من إشكال الابتزاز المقنع.

ولفتت إلى أن التهديد الأكبر لإمدادات الطاقة في المستقبل المنظور لا يأتي من ندرة موارد الطاقة، وإنما يأتي من تركز هذه الإمدادات في أيدي حفنة قليلة من الدول تثير الشكوك حول إمكانية الاعتماد عليها سياسيا، حيث يأتي بعد روسيا التي تتجه إلى السلطوية كل من إندونيسيا التي تعاني من الإرهاب، وفنزويلا التي يحكمها شخص مناهض للغرب، فضلا عن تعرض العديد من دول وسط آسيا للقلاقل والاضطرابات السياسية.

وبمعزل عن توصيفات السلوك الروسي، فإن النزاع طرح مجددا قضية الاستخدام السياسي لسلاح الطاقة. وجاء هذا الطرح رغم تذرع روسيا بأن خلافها مع أوكرانيا لا يعدو أن يكون خلافا تجاريا محضا، ورغم تمكن الدولتين من حل نزاعهما بالتوصل إلى اتفاق مدته خمس سنوات، تقوم أوكرانيا بموجبه بشراء الغاز الروسي المختلط مع غاز وسط آسيا بسعر 95 دولارا لكل ألف متر،

إلا أنه جرى تصوير النزاع على أنه أشبه ما يكون بحالة افتراس حيوان ضخم لحيوان ضعيف. أو بالأحرى أسلوب للعقاب لجأت إليه روسيا لمعاقبة الأوكرانيين على ثورتهم البرتقالية، واختيارهم للرئيس فيكتور يوتشينكو المعروف بموالاته للغرب على اعتبار أن روسيا تستخدم ورقة الطاقة لمكافأة الدول التي تقبل طواعية أن تدور في فلكها،

ولمعاقبة الدول التي تشق عصا الطاعة، حيث تقوم ومنذ وقت طويل بتحصيل رسوم مختلفة من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وفقا لمدى الأهمية والولاء. فعلى سبيل المثال، تدفع جمهورية بيلاروسيا التي تنازلت لروسيا عن السيطرة على شبكة خطوط أنابيبها وتقف بثبات في فلك الكرملين نحو 47 دولارا لكل 1000 متر مكعب من الغاز الطبيعي.

على الجانب المقابل، تدفع كل من استونيا ولاتفيا، وهما دولتان عضوان في الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلنطي »الناتو« نحو 120 دولارا لكل 1000 متر مكعب من الغاز. وعليه، وفي إطار محاسبة أوكرانيا على توجهها نحو الغرب، طلبت روسيا صعود السعر الذي يقفز بتكلفة وارداتها من الغاز الروسي من 50 إلى 230 مليون دولار.

وفي هذا الإطار، أشار محللون إلى أن غاز بروم تقوم بشكل متواصل بزيادة الضغوط على أوكرانيا في محاولتها للسيطرة على شبكة خطوط الأنابيب الأوكرانية ذات الأهمية الحيوية والتي تحمل 80 % من صادرات الغاز الروسية.

المقارنة بين أوبك وروسيا

ورغم أن منظمة أوبك ليست طرفا معنيا بالنزاع على اعتبار أن روسيا ليست دولة عضو في المنظمة إلا أنه كان ماثلا في الأذهان المقارنة بين روسيا ودول أوبك، لاسيما العربية منها بشأن مدى الثقة في الاعتماد عليها كمصدر لإمدادات الطاقة.

وبدا منطقيا التساؤل: ماذا سيكون عليه رد فعل الدول الغربية، إذا ما قامت احدى الدول العربية المنتجة للنفط بالتلويح بورقة وقف إمدادات الطاقة لدولة معينة.

وجاءت الإجابة من خلال ما كشفت عنه ملفات وزارة الخارجية البريطانية والتي رفع عنها غطاء السرية من أن الولايات المتحدة أعدت في عام 1973 خطة لاحتلال الحقول النفطية في بعض الدول العربية ردا على الحظر الذي فرضته الدول العربية النفطية على واردات النفط في حرب أكتوبر 1973.

وتجاهل المحللون في مقارنتهم بين روسيا ودول منظمة أوبك بشأن مدى المصداقية والمسؤولية، الجهود التي بذلتها المنظمة على مدى عقود عديدة للحفاظ على استقرار الأسعار والحفاظ على نمو الاقتصاد العالمي، وذلك من خلال التشديد على أن أية أضرار تلحق بالاقتصاد العالمي، من شأنها أن تؤثر سلبا على أعضاء المنظمة كما أكدت على أن الزيادات الحادة في الأسعار ليست في صالح الدول المستهلكة والمنتجة معا.

وهكذا، فإن بلوغ السعر 70 دولارا للبرميل، لم يحظ بتأييد المنظمة وذلك على نحو ما أظهرته الأحداث حيث أعربت المنظمة عن عدم رضاها على هذا السعر عن طريق ضخ كميات أكبر من النفط والوصول بالإنتاج إلى أعلى مستوى له في تاريخ المنظمة حيث وصل تقريبا إلى 30.3 مليون برميل يوميا، وقادت سياسة ضخ كميات من النفط تفوق الطلب إلى تراجع الأسعار إلى مستوى 50 دولاراً للبرميل.

كذلك عندما ضرب إعصارا كاترينا وريتا سواحل خليج المكسيك في الولايات المتحدة في أواخر موسم الخريف وهو ما قاد إلى تراجع الإنتاج إلى ما يزيد على مليون برميل يوميا، قامت المنظمة بإمداد الولايات المتحدة بكميات كافية من النفط الخام والمشتقات البترولية والمنتجات المكررة. وقاد مثل هذا الموقف إلى تخفيف مخاوف الدول المستهلكة من وقوع أية أزمة أو كارثة. وهو ما عزز من مصداقية أوبك والثقة فيها من جانب أطراف متعددة على الساحة النفطية.

التطلعات الروسية وبغض النظر عن مدى عدالة المقارنة بين الجانبين، فقد تجدد الحديث مرة أخرى عن عودة الاستخدام السياسي لسلاح الطاقة في ظل الخطط التي تعلن عنها روسيا لتعظيم قدرتها الإنتاجية في مجال النفط والغاز. ويبرز ذلك جليا في تخطيط شركة غاز بروم التي تصفها بعض التحليلات بأنه الذراع الطويلة للكرملين بأن تصبح لاعبا رئيسيا في أسواق الطاقة في العالم.

ووفقا لتصريحات مسؤوليها، تتطلع الشركة لأن تتحول من شركة كبرى في مجال الغاز الطبيعي إلى لاعب رئيسي في أسواق الطاقة العالمية من خلال تعزيز تواجد الشركة ليس فقط في السوق الأوروبي وإنما كذلك في أكبر سوقين مستهلكين للطاقة، وهما السوقان الأميركي والصيني،

فضلا عن قيامها بإعداد خطط لتوسيع منشآت الإنتاج التابعة لها إلى جانب الاستفادة من موافقة مجلس الدوما الروسي على السماح للشركات الأجنبية بامتلاك حصص أسهم في الشركات الروسية عن طريق أسواق المال المحلية في رفع قيمتها السوقية بما يتراوح بين250 و300 مليار دولار.

وعليه، وفي إطار طموحاتها العالمية، توشك الشركة التي بالفعل أكبر منتج للغاز في العالم، على البدء في ضخ الغاز من بعض المناطق غير المستغلة في بحر برانتس. ودعت شركات النفط الأجنبية إلى المشاركة في كونسورتيوم يتولي تطوير حقل شتوكمات ذي الأهمية الحيوية والإستراتيجية والذي يبعد على مسافة 555 كيلومتراً شمال شرق مدينة مورمانسك في شبه جزيرة الكولا.

وتفيد تقديرات الشركة بأن الحقل الذي تبلغ مساحته 1400 كيلومتر مربع يعتبر أكبر حقل بحري للغاز، وهو يحتوي على احتياطيات من الغاز تبلغ كميتها 3.2 تريليونات متر مكعب، وهي موجودة على عمق 350 مترا تحت سطح الأرض، ولهذا يعتبر أحد المشاريع الأكثر أهمية لشركة غاز بروم خلال السنوات الخمس المقبلة، وأنه وإذا ما سارت الأمور وفقا لما هو مخطط لها، فأن الحقل سيكون مستعدا لضخ إنتاجه بحلول عام 2010.

وتخطط الشركة لأن تجري عمليات ضخ الغاز عبر أربعة خطوط أنابيب، على أن يجري تحويلها إلى غاز طبيعي مسيل في منشآت للمعالجة في مدينة مورمانسك. ومن هناك يتم شحن الشطر الأعظم من الغاز الطبيعي المسيل إلى أسواق أميركا الشمالية والتي يمكن أن تصل إلى هناك في غضون أسبوع. وتراهن الشركة على أن تسهم هذه الخطة في جعلها لاعبا رئيسيا في أسواق الغاز الطبيعي المسيل في أميركا الشمالية بالنظر إلى انخفاض تكلفة الشحن بالمقارنة مع طرق الشحن الحالية.

وفي سياق الطموحات العالمية للشركة، فإنها تخطط لزيادة صادراتها إلى أسواق غرب أوروبا. وهي بدأت مؤخرا في إقامة خط أنابيب غاز الشمال الأوروبي والذي يمتد لمسافة 1200 كيلومتر عبر بحر البلطيق إلى غرب أوروبا.

وعلى غرار حقل شتوكمات، فهي تخطط لأن تنتهي من إقامة خط الأنابيب بحلول عام 2010 وهو ما سوف يساعد الشركة على الوصول إلى المستهلكين في ألمانيا وهولندا وفرنسا والمملكة المتحدة من دون استخدام خطوط الأنابيب التي تمر عبر الدول المجاورة لها.

وتمتلك شركة غاز بروم حصة في مشروع خط أنابيب غاز الشمال الأوروبي نسبتها 51 %، وتتوزع النسبة المتبقية على شركتين ألمانيتين، وهما شركة »بي إيه إس إف« وشركة »إي أو إن«، حيث تمتلك كل واحدة منهما حصة نسبتها 24.5 %.

وقد أثار تعيين المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر رئيسا للكونسورتيوم جدلا في ألمانيا على خلفية الانتقادات التي وجهت له بإساءة استخدام صلاحيات منصبه. ويشكل خط الأنابيب الجديد جزءا من الاستراتيجية الروسية لتقليل اعتمادها على الدول المجاورة لها، وهو تحرك استقبلته هذه الدول باستنكار على اعتبار أنه سيسهم في تهميش دورها.

ورغم انتهاء الأزمة الأوكرانية الروسية إلا أن فصولها لم تنته بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي حيث بدأت بالنسبة لها مرحلة استخلاص الدروس في ضوء المخاوف التي تأججت والناجمة عن الأزمة والتي ألقت بظلالها على أمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي ككل،

وأيقظت الهواجس بشأن تزايد اعتماد دول الاتحاد على الخارج في تلبية احتياجاتها من الطاقة، وأثارت انتقادات في أوساط الرأي العام حول مدى تأهب الاتحاد الأوروبي للتعامل مع أزمات مماثلة قد تنشب في المستقبل .

هواجس أوروبية

ورغم تعبير الاتحاد الأوروبي عن ارتياحه لانتهاء الأزمة بين روسيا وأوكرانيا بشأن إمدادات الغاز إلا أنه صار واقرا في الذهن أنه لم يعد في الإمكان اعتبار شبكة خطوط أنابيب نقل الغاز الأوكرانية تتمتع بالأمان المطلق كمصدر لإمدادات الطاقة لدول الاتحاد الأوروبي حيث أن توقف إمدادات الغاز الروسي لأوكرانيا قاد إلى تأثر الإمدادات لبعض دول الاتحاد،

وهدد بتأثر الإمدادات المتجهة لكل من فرنسا وبولندا وإيطاليا وذلك على اعتبار أن العديد من الدول الأوروبية تعتمد بكثافة على الغاز الروسي، فعلي سبيل المثال، تعتمد ألمانيا على الغاز الروسي في تلبية 30 % من احتياجاتها من الطاقة.

وعكست تصريحات المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، تنامي الإدراك بأهمية تأمين مصادر متعددة إذ أعلن أندريس بيبلاجس مفوض الطاقة الأوروبي بأن أوروبا بحاجة ماسة لوضع خطة متماسكة بشأن إمدادات الطاقة حيث أن شبكة الأنابيب الأوكرانية تغطي 20 % من احتياجات الطاقة لدول الاتحاد الأوروبي، ورأس المفوض الأوروبي لشؤون الطاقة اجتماعا طارئا إثر تطاير الأنباء من موسكو عن التوصل إلى اتفاق مع كييف.

وفي السياق ذاته، صرح مارتين بأن الغاز الروسي سوف يظل العمود الفقري لإمدادات الطاقة الأوروبية ولكنه قال »إنه من المتعين التفكير بشأن أمن إمدادات الطاقة بشكل عام وأمن إمدادات الغاز, وانه يجب العمل على استخلاص دروس الأزمة الأوكرانية الروسية، وأن نتعلم الدروس.

وأضاف أن خط الأنابيب المخطط له لأجل نقل غاز بحر قزوين إلى أوروبا عبر تركيا يمكن أن يساعد في تنويع مصادر إمدادات الغاز لدول الاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى أن مسألة الطاقة سوف تحظي بأولوية عالية في اجتماع القمة الأوروبي الذي سيعقد في مارس المقبل.

وطلب من المفوضية الأوروبية أن تعرض خطة لتحسين سياسة الطاقة بأن تنظر إلى أمن الإمدادات وتنافسية الأسعار وإمكانية ضخ المزيد من الاستثمار في قطاع الطاقة. وقد عقدت حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي اجتماعا في 4 يناير على مستوى الخبراء في مجال الغاز لمناقشة الأزمة.

وتأججت المخاوف الأوروبية وذلك على الرغم من التطمينات الروسية بأن موسكو لا تعتزم وقف إمداداتها لأوروبا الغربية على الإطلاق، وأن هذه هي السياسة التي تتبعها منذ أيام الاتحاد السوفييتي السابق وأنها مستمرة على هذا النهج حتى الآن.

ولكن يكمن السبب وراء تصاعد القلق الأوروبي في تزايد اعتماد دول الاتحاد الأوروبي على الخارج في تلبية احتياجاتها من موارد الطاقة، فوفقا لتقرير نشرته المفوضية الأوروبية ويحمل عنوان »أفق الطاقة للاتحاد الأوروبي حتى عام « 2020،

فإن نحو ثلثي إجمالي احتياجات الاتحاد الأوروبي من الطاقة سوف يتم استيرادها من الخارج بحلول عام 2020. وتتوقع مؤسسة »يورو جاز« أن يستورد الاتحاد الأوروبي ما يزيد على 75% من احتياجاته بحلول عام 2020.

ويتعلق الأمر هنا بوجود احتمالات لأن يثقل الاتحاد الأوروبي دول منظمة أوبك بالمزيد من المطالب، بحكم أن المنظمة ستشكل بؤرة اهتمام صانعي السياسة الأوروبية،

خاصة في ضوء ما أظهرته العديد من التقارير المستقبلية بأن إنتاج الدول خارج أوبك لن يكون قادرا على تلبية الطلب العالمي المتصاعد على الطاقة، وأن أية حلول لمشاكل الطاقة تقبع في أيدي الدول الأعضاء في أوبك والتي تمتلك احتياطيات تؤهلها على لعب دور حيوي في تقرير مستقبل الإمدادات النفطية.

ولاحت البوادر الأولى لهذه المطالب خلال الاجتماعات التي عقدت بين منظمة أوبك والاتحاد الأوروبي، كما وردت بعض هذه المطالب في إستراتيجية الطاقة الأوروبية التي تحمل اسم »الورقة الخضراء«، وتشتمل هذه الاستراتيجية على محاور أساسية تتمثل في التالي:

أولا: ضرورة أن يتخذ الاتحاد الأوروبي أفعالا قوية لضمان أمن إمدادات الطاقة في سياق الأسعار المرتفعة للنفط ،التي تؤثر على نمو الاقتصاد العالمي وانه نظرا لمحدودية هامش المناورة، فإنه يجب تعزيز الجهود على جانب الطلب، وتلك هي فحوي الرسالة التي ستطلقها الورقة الخضراء حول كفاءة الطاقة.

ثانيا :على مدى أعوام عديدة، باحت المفوضية الأوروبية بهواجسها بخصوص تزايد الاعتماد على واردات الطاقة، وضعف الاقتصاد الأوروبي بسبب أسعار النفط العالية والمضطربة، إلى جانب تزايد الاعتماد على المشتقات البترولية، ولهذا، تعمل المفوضية الأوروبية في الوقت الراهن على تطوير مجموعة من السياسات والأفعال من أجل تعزيز الأمن الأوروبي في إمدادات الطاقة.

ثالثا : أوضحت خبرة الصدمات النفطية الأولي في التسعينات أن الإجراءات المتبناة في مجال الكفاءة في استخدام الطاقة قللت كثافة اعتماد الاقتصادات على النفط. وينبغي التذكير بأن المباني مسؤولة عن 40 % من استهلاك الطاقة و45 % من انبعاث ثاني أكسيد الكربون في حين أن قطاع النقل مسؤول عن 40 % من انبعاث ثاني أكسيد الكربون.

ومن المهم إعادة إطلاق سياسة طموحة لتعزيز كفاءة استخدام الطاقة في أوروبا من أجل تثبيت واردات النفط عند مستويات معينة. ويعد هذا الموضوع محور الورقة الخضراء التي ستقترحها المفوضية الأوروبية والتي ستعطي دفعة للجهود التي تم بذلها بالفعل خلال السنوات الأخيرة.

رابعا: ستعمل المفوضية الأوروبية على تعميق تعاونها الثنائي مع الدول الرئيسية المنتجة للنفط والتي تعتمد عليها في توفير الإمدادات لها . خاصة الحوار مع روسيا ودول بحر قزوين والبحر المتوسط والنرويج إلى جانب إطلاق حوار سياسي مع منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، وتهدف تلك الحوارات إلى تنويع مصادر الغاز والنفط.

كما يقوم الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن بتقوية تعاونه مع الدول التي تمر فيها أنابيب الغاز والبترول مثل أوكرانيا إضافة إلى تقوية وتعزيز النقاشات بين الاتحاد الأوروبي والدول الرئيسية المستهلكة للنفط.

خامسا : يؤدي غياب الشفافية في الأسواق وعدم اليقين فيما يتعلق بدقة البيانات إلى تعزيز اتجاهات المضاربة، ومن ثم اضطراب الأسعار، ويتيح الحوار بين الاتحاد الأوروبي وأوبك إمكانية عقد مقارنات أفضل للقدرات الإنتاجية والمخزونات المتاحة. وتدرس المفوضية تعزيز شفافية مخزون النفط داخل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عن طريق نشر إحصائيات بمعدل مرتين في الشهر .

سادسا : أوضحت المفوضية الحاجة الماسة لتعزيز الاستثمار على المدى المتوسط عن طريق تطوير مناخ مواتي للمستثمرين الأجانب خاصة في الدول التي تمتلك احتياطات مهمة، وفي هذا المجال، يجب ملاحظة أنه على مدار السنوات العشر الماضية، تم تنفيذ 75 % من الاستثمارات في الدول الصناعية التي تمتلك خمس احتياطات النفط العالمية.

والمسألة الحيوية هنا هي أن روسيا التي تتولي رئاسة مجموعة الثمانية لمدة عام، قد أدرجت في أجندة عمل المجموعة موضوع أمن لإمدادات الطاقة. كما تطرح نفسها كحلقة وصل بين الدول المستهلكة والدول المنتجة، وهو ما يثير التساؤل عن الإجابات التي ستقدمها دول أوبك في الرد على الهواجس الأوروبية يشأن أمن إمدادات الطاقة من ناحية، والدور العالمي الذي ترسمه روسيا لنفسها اعتمادا على مكانتها الإنتاجية.

والأكثر أهمية من ذلك كله هو الكيفية التي بها ستستجيب للمطالب الجديدة التي من المرجح أن يطرحها الاتحاد الأوروبي على مائدة النقاش مع أوبك. وكل هذه الأمور، تجعل أوبك الطرف الغائب والحاضر في معادلة النزاع الأوكراني الروسي، فهي ليست طرفا معنيا بالنزاع ولكنها طرف معني بالدروس المستخلصة من تداعيات هذا النزاع.

كتب : مجدي عبيد