حتى الذين يختلفون معه، يحترمون عطاءه المتميز، ويقدرون موهبته الفذة، إنه المخرج المصري العالمي يوسف شاهين، صاحب العبقرية الفريدة، والسخرية والروح المرحة، المخرج الذي ظل يعمل بعقلية الفيلسوف، ما جعله حالة خاصة يندر تكرارها في تاريخ السينما المصرية والعربية.

ظل شاهين يطرح أفلاماً تحمل أفكاراً، ليقول ما يريده هو، لا ما يريده الآخرون، وعلى الجانب الآخر، ظل المنتجون عاجزين عن إثنائه عن أفكاره، فقدم ما يزعج العالم.. أطلقوا عليه عدة ألقاب، منها الأستاذ، ومنها العاشق الثائر، والعبقري الغاضب، والمجنون أحياناً، وظل لقب جو هو المحبب له.

يمكنك أن تراه مشاركاً دوماً في التظاهرات الشعبية، على الرغم مما تصيبه تلك المشاركات من أزمات قلبية دخل على إثرها المستشفيات مرات عدة. قدم «جو» للسينما مجموعة من أهم الأفلام يأتي في مقدمتها: «الأرض»، «العصفور»، «عودة الابن الضال»، «اليوم السادس»، «المهاجر»، «الناصر صلاح الدين»، «الآخر»، «اسكندرية ليه»، «اسكندرية كمان وكمان»، «اسكندرية نيويورك»، «المصير»..

وغيرها فضلاً عن مساهماته الإنتاجية المتعددة والتي صنعت صفاً جديداً من المخرجين الذين تتلمذوا في مدرسته. من أجل كل ذلك، فإن الدخول فى حوار معه أشبه بالدخول في مناطق شائكة، غالباً ما يقودك هو إليها بنفسه، خاصة عندما يمسك بدفة الحوار ليوجهها كما يشاء إلى المناطق الساخنة فى حياته أو في السياسة، وفيما يأتي مجريات الحوار:

ـ هل تعتقد أن حب الجمهور لك بسبب الموهبة أم لصدقك فيما تقوله من خلال أفلامك؟

ـ منذ بدايتي وأنا جاد في عملى وأقدم كل ما هو جيد ولا أقبل أن أقدم ما ينتقص من أعمالي السابقة بل أقدم ما يزيدها جمالاً.

ـ وماذا يخيف يوسف شاهين؟

ـ لا أخاف إلا الله وحده.

ـ وماذا أعطتك الشهرة وماذا أخذت منك؟

ـ أعطتني حب واحترام الجمهور، وأن أحترم أي شخص حتى أعرف ما بداخله.

همجية

ـ هل هناك علاقة بين الجماهيرية التي يتمتع بها الفنان والفن الجيد؟

ـ نعم لأن من يقدمون أعمالا همجية لا يستمرون، حتى لو حصدت أفلامهم الملايين! ـ هل تكتفي بما حققته من نجاح؟

ـ الحمد لله.

ـ هل انتهى زمن الحب؟

لن ينتهي أبداَ طالما يوجد بشر على ظهر الأرض والحب موجود وكذلك الانتماء والعطاء ولن نستطيع إلغاء الحب، ولا الجنس، فحينما يقول لى شخص ما نريد أفلاماَ نظيفة ليس فيها قبلات فأتساءل كيف ستكون الحياة بدون حب، كيف سيكون هناك مستقبل بدون حب، وكيف سيكون هناك جيل قادم؟

ـ كيف تكمل العبارات التالية؟

ـ أكره... لا أعرف معنى الكراهية

ـ أحب... الإخلاص والولاء

ـ أبتعد عن المرأة... عندما أشعر أنها لا تتمتع بالأنوثة

ـ أتمرد على المرأة... عندما تكون غير منطقية

ـ أذوب في المرأة... عندما كان عمري 19 سنة

ـما هي قصه فيلم 11 دقيقة و9 ثوان وكادر واحد؟

فى أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 فكر أحد المنتجين الفرنسيين أن يصنع فيلماً يخرجه 11 مخرجاً ينتمون إلى 11 بلداً من العالم عن أحداث سبتمبر، ورؤية كل مخرج لها بشرط ألا تزيد مدة الفيلم على 11 دقيقة و9 ثوان وكادر واحد. فاشتركت معه بدون مقابل.

ـ هل ترك لك كل الحرية التي طالبت بها؟

ـ لا.. فقد خاف المنتج وانزعج مما سأخرجه، ولهذا فقد باع إنتاج الفيلم لشركة أخرى، يملكها منتج آخر «جاك بران» ولكن «بران» أرسل لي فاكساً يؤكد أنه غير مرتاح لما سأخرجه، مع أنني كنت لا أزال أصور الفيلم فأرسلت له إنني لا أقدم فناً من أجل راحة أحد، أو حتى العالم كله، واستمرت الخطابات بيننا، وفي كل خطاب كان يطلب مني عدم التعرض لإسرائيل أو الإمعان في انتقاد الأميركيين، واستمر رفضي إلى أن انتهيت من إخراج الفيلم.

خوف وذعر

ـمن هو بطل الفيلم وكم من الوقت استغرق تصويره وأين؟

ـ بطل الفيلم النجم نور الشريف والذي عمل معي من قبل في عدة أفلام ومنها «المصير» وتم التصوير في أربعة أسابيع ومعظم المشاهد صورت في بيروت والباقي في القاهرة.

ـ ماذا فعل «بران» مع باقي المخرجين هل أرسل لهم الخطابات نفسها التي تحمل مخاوفه؟

ـ لا، لم يحدث ذلك مع بقية المخرجين الذين أخرجوا أفلاماً ضمن هذا المشروع.

ـ لم كل هذا الخوف والذعر من يوسف شاهين؟

ـ أعتقد أن بعض أصدقائي في فرنسا أخبروا المنتج بأنني مشاغب والكل يعلم أنني لا أخضع للضغوط المالية أو الفكرية للمنتجين بل ألعنهم اذا فكروا في فعل ذلك معي.

ـ كيف كان تأثير أحداث الحادي عشر عليك وأنت تكتب؟

ـ كتبت سيناريوهين، الأول بعد الأحداث بيومين فقط وكان إنسانياً، فيه كثير من التعاطف مع ضحايا الأحداث، ولكنني وجدت أنني لن أقدم جديدا بهذا الفيلم، فهو مجرد عويل ونواح على الضحايا، مع أن الأميركيين أنفسهم لا يبكون .

ولا ينوحون على الضحايا، بل ينوحون ويبكون على برجي التجارة اللذين يمثلان لهم جبروت الرأسمالية الأميركية، وهذان البرجان صارا دماراً، وبالتالي فقد أهينت الرأسمالية الأميركية في عقر دارها وهي التي غرست بذور الشر والكراهية في شعوب العالم وعليها أن تحصد ذلك الغرس.

مخرج محب

ـ وماذا كتبت في السيناريو الثاني؟

ـ تعتمد فكرة بنائه على رفض الأميركيين ان يفهموا العالم، وانعكس ذلك عليهم بالكراهية والرغبة في الانتقام، والسيناريو يحكي عن البطل .

وهو مخرج محب لأميركا وأثناء اشتراكه في مهرجان ببيروت، وفي ليلة عرض فيلمه، تقع أحداث سبتمبر، فيهرب من المهرجان وهو يبكي إلى قلب صخرة في بحر بيروت، فيخرج له من المياه جندي أميركي فيأخذه المخرج إلى بيت أحد شهداء فلسطين.

ويحكي له كيف غدر الإسرائيليون بهذا الشعب البطل، وفي الفيلم لقطات توثيقية لجرائم أميركا في «فيتنام» و«السلفادور» و«غواتيمالا» و«كوبا» و«أفغانستان» و«كوريا» باختصار قلت من خلال هذا الفيلم إن أميركا هي العدو الأول لأميركا.

ـ اكتشفت منذ شبابك أن أميركا ما هي إلا خدعة كبيرة فما هو تاريخ غضبك منها؟

ـ بعد الخبرة والتجارب الكثيرة، يمكنني أن أقول إنني أحببت أميركا من طرف واحد، فقد أحببت بها رقص «فريدأستير» وهو يرقص على النغمات الموسيقية الجميلة الساحرة ووسط حشود استعراضية عجيبة أحببت كفاءة وضخامة الانتاج السينمائي هناك.

وأول فتاة أحببتها عندما كان عمري 17 سنة وهذا الحب لم ينقلب إلى كراهية، بل غضب يشبه غضب العاشق الذي يرى محبوبته في أحضان رجل آخر ولكنها بلغت الذروة منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية لما رأيته من مجازر إسرائيلية ضد الفلسطينيين العزل وذلك كله بمباركة ودعم من واشنطن، ومن قبل ايضاً كرهت .

وغضبت على أميركا لأنها لعبت دوراً اساسياً في قيام إسرائيل كدولة ولدورها في سحب تمويل بناء السد العالي من مصر سنة 1956، ولدخولها في عداء مع كل حركات التحرر في العالم، ولدعمها إسرائيل في مواجهة العرب، وهكذا انسحب الحب لأميركا من داخلي تدريجياً، إلى أن وصل الغضب إلى ذروته منذ ستة أعوام.

القاهرة ـ تامر المغازي: