منذ عام مضى، ومع أفول شمس اليوم التالي لعيد الميلاد، كانت طائرة نفاثة تابعة لخطوط »يونايتد ايرلاينز« الجوية، تتخذ مسارها نحو الثلج للهبوط في مطار »لاغوارديا« في نيويورك، عندما رأى الطاقم المدرج، رأي العين، وأعطى برج المراقبة الإذن للبوينغ 757 بالهبوط.

كان المدرج في الواقع أضواء حمراء وبيضاء تبرق فوق أحد الفنادق، التي بدت كأضواء المدرج وهي تتلألأ بين ذرات الثلج المتدحرجة. كانت الطائرة التي تستوعب 182 راكباً، وطاقماً من خمسة أفراد، شبه مليئة، وكانت على انخفاض 200 قدم أو 60 متراً بسبب خطأ ملاحي.

في أقل من عشر ثوان قبل الكارثة، انطلق صوت اصطناعي عبر القمرة، ينادي »عائق، عائق، عائق ارتفع إلى الأعلى«، في تلك الليلة حقق »دون بيتمان«، معجزة أخرى.

»بيتمان« كبير المهندسين في »هوني ويل« في سياتل، يسارع إلى تغيير دفة الحديث بمجرد ان تلهج الألسن بالثناء عليه لإنقاذه مئات بل آلاف الأرواح على امتداد العقد الماضي.

عموماً، بيتمان، الذي يناهز 73 عاماً، معروف في عالم الطيران، بتطويره ما كان يُعرف سابقاً باسم نظام الإنذار ضد الاقتراب الأرضي المطور«، الذي يمكنه المساعدة في تجنيب الطائرة الكارثة في المسار الخطأ.

وفي هذا الصدد يقول »جون لاوبور« النائب الأول لرئيس شؤون السلامة في ايرباص، »إننا مدينون له بفضل عظيم«، ويتابع: »دون بيتمان فرد قام على عاتقه وحده، بتجنيب الانقضاض الموجه نحو التضاريس الأرضية مستخدماً المصطلح الجوي لاندفاع الطائرة نحو الأرض، وهو القاتل الأكبر في حقل الطيران، حتى مجيء بيتمان.

وبدوره، قال نيك ساباتيني، رئيس إجازة الطائرات في إدارة الطيران الاتحادية في الولايات المتحدة »لقد كان له الفضل الأكبر في الحيلولة دون اصطدام الرحلات الموجهة بالتضاريس الأرضية«.

ويستخدم النظام المعروف على نطاق واسع، في عالم الطيران، باسمه المختصر EGPWS، أنظمة الملاحة والارتفاع التي تحملها الطائرة، بالاشتراك مع خريطة مفصلة للعالم واضحة المعالم، مدمجة في رقاقة بحجم قطعة البسكويت، لتحديد موقع الطائرة الدقيق.

بالنسبة إلى سطح الأرض ومن شأن هذا النظام إعطاء الطيار تحذيراً، مقداره دقيقتان من الوقت، ينذره بأن الطائرة على وشك الانقضاض إلى الأرض، أو أنها على شفا الاصطدام بسفح جبلي، وهي مهلة أكثر من كافية للارتفاع أو الدوران يمنة أو يسرة.

وكان النظام طبق منذ عقد مضى من الزمن، إثر تحطم طائرة تابعة للأميركان ايرلاينز في 20 ديسمبر 1995 بالقرب من كالي، في كولومبيا، والذي وقع نتيجة لخطأ الطيارين في برمجة جهاز الكمبيوتر، والدوران ببطء حول جبل في الظلام الحالك مكتشفين خطأهم بعد فوات الأوان بواسطة جهاز إنذار عتيق عفا عنه الزمن.

وقد دخل نظام »بيتمان« حيز التطبيق بعد انتهاء الحرب الباردة وأصبحت المعلومات الطبوغرافية السرية متاحة من روسيا والولايات المتحدة ومع ذلك فهو يقول ان المزيد من الجهود مازالت مطلوبة لوضع خرائط تفصيلية لمناطق أخرى من العالم.

ويضيف بصوت ينم عن تواضع جم بأن لدينا الآن معلومات تضاريسية عن المريخ والزهرة، أكثر مما نملكه عن كوكب الأرض.

ويحفل سجل بيتمان بأكثر من 50 شاهداً ساهم فيها نظامه في »كسر السلسلة« كما بحلوله القول، وتلقى جوائز بالعشرات ودون اسمه هذا العام في قاعة مشاهير المخترعين الوطنية في آكرون، اوهايو لكنه ينفي عن نفسه لقب المخترع، ويقول : انا مجرد مهندس أقوم بواجبي.

أما ديفيد ليرمونت، من فلايت انترناشونال مجازين، الذي عرف بيتمان لسنوات طويلة فيقول عنه »إنه ليس مهندساً عادياً، وإنما هو مبشر«. وقد أجرت يونايتد ايرلاينز، بالتعاون مع اتحاد طياريها، دراسة لإيجاد أمثلة وشواهد، على مساهمة نظام بيتمان في إنقاذ الأرواح، فوجدت حالتين موثقتين.

الأولى عندما كانت الطائرة التابعة لها، على حافة الكارثة في لاغوارديا.

أما الأخرى فهي حادثة هاواي والتي وقعت يوم 4 أكتوبر 2003، عندما كانت الطائرة يوبايتد 1656 والتي تحمل على متنها 11 راكباً.

في طريقها إلى الصعود، بعد اقلاع ليلي من كونا، عندما لمح مساعد الطيار ما بدا أنه دخان خفيف حول مصباح راداره، والذي سرعان ما ازدادت كثافته. لم يقم الطيار بأي مجازفة، وضع الطياران قناعي الغاز، وعادا أدراجهما إلى كوبا.

كان الملاحون منشغلين بالعمل مع تقدم الطائرة نحو المطار، والقناة اللاسلكية الجوية الوحيدة مزدحمة بسبب محاولة الخروج قبل الهبوط الاضطراري، وكانت الرياح الخلفية أعتى من السماح بالتقدم في خط مستقيم، فما كان من الطيار سوى الدوران بحدة، فوق المحيط المظلم، للاقتراب من اتجاه آخر.

ولقد فات الملاحين أن الطائرة كانت تنجرف بانخفاض شديد، وأن ثمة مارداً جبلياً ينتصب بينها وبين المطار. وكان الفضل لجهاز التحذير من الاقتراب الأرضي، في إنقاذ الطائرة من الدمار المحقق.

ترجمة: وائل الخطيب