شهد الاقتصاد العالمي عاماً جيداً في 2005 برغم الضغوط الهائلة التي عانى منها في العام المنصرم. كان ضمن هذه الضغوط ارتفاع أسعار البترول وارتفاع أسعار البترول في الشرق الأوسط والكوارث الطبيعية من تسونامي إلى إعصار كاترينا وغيره.
لكن رغم أن العام المنصرم كان عام تراجع في النمو الاقتصادي بالنسبة لبريطانيا، والنمو محبط بالنسبة لكل أوروبا فإن بقية أجزاء العالم سجلت نمواً جيداً.
ويبدأ أي محلل للاقتصاد العالمي غالبا بأميركا، وفق ما تقوله صحيفة »الاندبندت« البريطانية، أو يبدأ بالعالم النامي، غير أن هذا المنهج يثبت عدم جدواه عاماً بعد آخر لأن مركز الثقل الاقتصادي ينتقل ويتغير، فقد كان عام 2005 هو عام الصين، التي احتلت مكان بريطانيا في المركز الرابع عالمياً. وإذا لم يكن هذا التغيير كاملاً الآن فسوف يكون كذلك عن قريب.
الصين
كان النمو الاقتصادي في الصين بنسبة 9.5% في العام المنصرم برغم ضغوط ارتفاع تكاليف الطاقة والمخاوف البيئية.
واستحوذت الصين على 8% من التجارة العالمية بالنسبة نفسها تقريبا من الطلب على البترول، وتمكنت الصين بسبب فائضها التجاري من تكديس ربع الاحتياطي العالمي من العملات الصعبة والمال يعني القوة في الاقتصاد.
وشهد العام المنصرم الصين تبرم صفقات مع الدول المنتجة للبترول، وسعت الشركات الصينية البترولية المملوكة للدولة إلى شراء بعض مجموعات البترول المستقلة القليلة الباقية في أميركا مثل أونوكال. ولم تفلح الشركة الحكومية الصينية في ذلك، لكنه من المتوقع ان تكرر المحاولات.
ونجح ضغط الولايات المتحدة على الصين من أجل رفع قيمة عملتها إلى حد ما، لأن الرفع كان متواضعاً. وتساهم الثروة الصينية حاليا في رفع مستوى معيشة الشعب الصيني، فقد ارتفع معدل الاستهلاك وارتفع مستوى المعيشة في الأرياف، التي كانت متخلفة عن المدن بمراحل، وبلغ الارتفاع 15% سنويا ولاتزال المشكلات قائمة لكن السباق مستمر.
الهند
لايزال الاقتصاد الهندي أقل حجماً من نظيره الصيني والنمو الاقتصادي أبطأ أيضا. لكن في العام المنصرم بدأ المحللون والاقتصاديون يتحدثون عن صعود القوتين الصينية والهندية، وتفوق صادرات الهند لليابان نظيرتها الصينية حالياً.
ورغم ان الهند تستقطب كميات أقل من الاستثمارات الأجنبية يعتقد كثيرون أن عوامل الجذب في الهند قد تكون أكبر من نظيرتها في الصين، وسجلت الهند نمواً بنسبة 8% تقريبا، مع استهلاك نسبة كبيرة من الثروة في الداخل، ولذلك بدأ رجل الشارع الهندي العادي يجني ثمار النمو ويتمتع به، النمو في هذين البلدين جعل ما يحدث في بقية أنحاء العالم أقل أهمية.
أميركا وأوروبا
استطاع الاقتصاد الأميركي تحمل ضغوط ارتفاع تكلفة الطاقة وارتفاع أسعار الفائدة، وسجل الاقتصاد الأميركي نمواً أسرع خلال فترة الأعاصير مقارنة ببقية أجزاء العام، فبلغت نسبة النمو خلال الأعاصير 4% مقابل 3.5% في بقية أشهر السنة الماضية.
وهذا المعدل يجعل نمو الاقتصاد الأوروبي يبدو قزماً، لكن هذا لم يكن مجاناً، فقد دفع النمو الأميركي الانفاق الاستهلاكي.
حيث كان المستهلكون على استعداد للإقراض »بضمان المنازل غالباً« من أجل الحفاظ على مستوى المعيشة وارتفع أيضاً الانفاق الحكومي الذي استمد تمويله في الغالب من شراء الأجانب للسندات الحكومية.
وتمر أميركا حالياً بالتجربة البريطانية، وهي الطفرة المدفوعة بالإنفاق العام وارتفاع أسعار المنازل، ولكن بصورة أكثر حدة وبعد بريطانيا بنحو عام، وربما يشهد عام 2006 تراجعاً في معدل النمو الاقتصادي الأميركي، كما حدث للاقتصاد البريطاني في 2005.
واعترف جوردان براون (وزير المالية) بأن النمو البريطاني في 2005 أقل من نصف توقعات ما قبل الانتخابات، وشعر الناس بأن 2005 كان عام الفشل، لكن هذا رد فعل سنوات من النمو الجيد جداً مع ارتفاع مستوى المعيشة بنسبة 4% سنوياً.
ورأى تجار التجزئة والوكلاء العقاريون الأمور محبطة، لكن معدل التضخم ظل منخفضاً، وارتفعت الضرائب ومعدل البطالة بشكل طفيف، وانخفض سعر الفائدة، وقد يكون هناك تحسن في 2006، إذا صدقت وزارة المالية في توقعاتها.
والصورة في بقية القارة الأوروبية لا تزال محبطة أيضاً.
ويبدو أن القاعدة تقول كلما كان الاقتصاد صغيراً كان أفضل، لذلك سجلت لوكسمبورغ وايرلندا والسويد وإسبانيا نمواً أسرع.
وشهدت الدول الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي أيضاً نمواً سريعاً وعاماً سعيداً. فسجلت المجر نمواً بنسبة 4% وبولندا أقل من ذلك قليلاً، حتى وإن كانت هناك وظائف ظهرت أكثر للشعب البولندي في بريطانيا من بولندا ذاتها.
لم تكن مشكلة أوروبا على الأطراف، بل في القلب، فقد يكون الاقتصاد الإيطالي انكمش، وسجلت ألمانيا معدل نمو أقل من 1%، برغم الأداء الرائع للصادرات الألمانية، حتى فرنسا التي ثبت أنها أكثر مرونة اقتصادياً، سجلت نمواً أقل من بريطانيا مرة أخرى.
وتحسنت الأمور في الربع الأخير من العام المنصرم، مما أتاح الفرصة للبنك المركزي الأوروبي لرفع أسعار الفائدة والأمل هو أن يستمر التحسن.
اليابان وغيرها
في اليابان يبدو أن الاقتصاد أخيراً سيخرج من دائرة الركود الذي حاصره عشر سنوات، وفي روسيا على خلفية ارتفاع أسعار الطاقة، كان العام جيداً، لكنها لا تزال تعاني من هروب رأس المال.
وسجلت الأرجنتين وشيلي طفرة نمو اقتصادي، لكن البرازيل والمكسيك كانتا أقل حظاً منهما.
واستطاعت جنوب إفريقيا أن تحافظ على معدل نمو ثابت في العام المنصرم، لكن بقية القارة الإفريقية عانت كثيراً من ارتفاع أسعار وتكلفة استيراد الطاقة.
بصفة عامة كان 2005 عام تقدم ونمو، وتفاوض السياسيون وتجادلوا حول التجارة العالمية ومستقبل أوروبا، لكن غالبية أجزاء العالم شهدت عاماً سعيداً نسبياً، وأيد إطلاق المزيد من حرية التجارة، لكي يستطيع الكل أن يبيع ويشتري وهذا بعد كل شيء ما ينبغي أن يكون.
ترجمة أشرف رفيق