تتباهى الحكومة التركية بسجلها الاقتصادي ولها مطلق الحق في ذلك فمنذ تعافي البلاد من أزمتها المزدوجة المالية، والسياسية، عام 2000 و 2001، وبدعم من صندوق النقد الدولي، وهي تنعم بفترة من الاستقرار الاقتصادي، لم تشهده منذ عقدين وأكثر.

فقد منح البنك المركزي كياناً مستقلاً وأمكن ترويض التضخم، وبدأت أسعار الفائدة في الانخفاض وتنامت الصادرات، وانتعشت القدرة الإنتاجية. كما أن النظام المصرفي للبلاد يمر بمرحلة إصلاحية بالرغم من ان المكلف الضريبي، هو الذي يتحمل القسط الأعظم من الفاتورة.

وفي الوقت ذاته، كانت الدخول ترتفع على الأقل بالنسبة لأصحاب الوظائف المضمونة.واكتظت شوارع أنقرة واسطنبول بالسيارات الجديدة الفاخرة، والسلع الاستهلاكية تغادر أرفف المحال التجارية، بفضل انخفاض كلفة الاستدانة، والطفرة العمرانية بادية في مدن كثيرة.

وقد يقول قائل، إن الفضل في ذلك، لا يعود إلى حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم، التي اكتسحت السلطة في نوفمبر العام 2002، هي ولا شك تمتلك عدة فضائل في الإدارة الاقتصادية، بالرغم من ان كثيراً من كبار وجوه الحزب بمن فيهم رجب طيب اردوغان، رئيس الوزراء يتمتعون بخلفيات تجارية ويمكن تألقها في حداثتها، ووعودها بمكافحة الفساد.

وما انفك الحزب ملتزماً بخطة الانعاش التي وضعتها الحكومة السابقة وصندوق النقد الدولي. وهذا الالتزام بسلامة الاقتصاد، اكسب الحكومة الثناء من أرباب التجارة في اسطنبول، والذين ليسوا من أنصار الحكومة التقليديين وكما أدهش حزب العدالة والتنمية الاوروبيين بأوروبيته اكثرمن أسلافه الآخيرين،

لذلك فإن سجله الاقتصادي جاء مفاجأة للكثيرين في تركيا، وربما إلى الحزب نفسه وفي هذا الإطار يقول أوصمان بيرسن، رئيس وكبير تنفيذيي بورصة اسطنبول، ان العيش مع صندوق النقد الدولي لم يكن سهلاً بالنسبة للحكومة. لكن يبدو انهم خلقوا »تسوية مؤقتة« اما السؤال الآن، فهو ما اذا كان شهر العسل سيستمر بعد انتهاء العلاقة،

فعقد الاحتياط الراهن البالغ 15 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي ينتهي في مايو 2008، كما أشار علي باباخان، المفاوض الحكومي الأول مع الصندوق، بأنه قد يكون الأخير وقد لا يكون لذلك أهمية تذكر، نظراً لأن الاقتصاد التركي يتجه نحو التطبيع غير أنه لما يصل هناك بعد، وفقاً لسوريا سردينتشي، حاكم البنك المركزي، الذي قال إننا مازلنا في طور البحث عن نمو اقتصادي مستدام.

ويذكر ان الناتج الإجمالي المحلي توسع بمعدل 8.9 في المئة عام 2004 ومن المتوقع نموه بمعدل 5 في المئة عام 2005 وهذه الأرقام مؤثرة، غير انها متقلبة بحيث لا يمكن ان تحافظ على استدامتها.

ويرى سردينتشي ان النمو الاقتصادي المستدام، قد يكون أهم المعايير، في تحديد ما إذا كان طموح تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سيكلل بالنجاح، وحتى لو وفت البلاد بجميع المعايير السياسية اللازمة للعضوية، فإنها مالم تعجل بحركة النمو بالسرعة والاستدامة الكافية، لإزالة صورتها كبلد واسع الأرجاء،

يسوده الفقر، وعدم الاستقرار الاقتصادي والنسبة العالية من البطالة، وبقطاع زراعي ضخم، يفتقر للفعالية، فإنها لن تكون مقنعة بصورة كافية للمتشككين الأوروبيين، ويقول: »عندما تعرف ماهو معدل النمو التركي المستدام عرفنا ماهي آمالنا الاوروبية«.

ولهذا السبب، فإن من الأهمية بمكان مواصلة عملية الإصلاح الهيكلي، بما في ذلك الإجراءات المتعلقة بالضمان الاجتماعي ونظام التقاعد الحكومي ويؤكد أن من المثالب الهيكلية الرئيسية لسوق العمل التركي هي إمكانية التقاعد في سن الأربعين، بمعاش تقاعدي كامل وهذا بدوره يخضع للتغيير،

غير أنه قد يخلق مشاكل مستقبلية في صورة مسؤوليات تقاعدية غير مستطاعة وفي هذا الصدد يقول سردينتشي، إنه إذا عجزت تركيا عن إصلاح نظام ضمانها الاجتماعي،

فإنها ستواجه مشكلات مهمة في هذه المرحلة، والأكثر وضوحاً هو معاشات تقاعدية أكثر انخفاضاً أما الضرورة البارزة الأخرى في تركيا، فهي الاستثمار الأجنبي المباشر خصوصاً في تنويعه خلق الوظائف، ولقد كانت هذه السنة سنة فارقة للاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا، فقد اجتذب امتزاج الخصخصة،

وإصلاح القطاع البنكي، المزيد من الأموال إلى البلاد، أكثر من السنوات العشر الماضية مجتمعة، فقد تم الإعلان وإنجاز صفقات بعشرة مليارات دولار وفقاً لوزارة المالية، وكان أبرزها بيع تيرك تيليكوم، وصفقتان كيبرتان في القطاع البنكي.

ومع ذلك، فإن أياً من تلك الاستثمارات لن تساهم في خلق الوظائف مع أن العكس ممكن، وخصوصاً بالنسبة لتيرك تيليكوم. ويشار إلى أن معدل البطالة الرسمي يصل إلى 14 في المئة، بالرغم من أن ذلك الرقم قد يخفي تباينات إقليمية خصوصاً في المناطق الريفية، وفي الشرق والجنوب الشرقي، حيث تشكل البطالة طويلة الأمد، مشكلة مزمنة.

ومع ذلك، فإن محللين يقولون إن تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر لا بد أن يخلق في نهاية المطاف، المزيد من الوظائف فهو سيمهد الطريق لمزيد من الاستثمارات المنتجة في المستقبل بحسب »بيرسان«. كما أن الاستثمار الأجنبي المباشر، بحاجة لتبديد المخاوف الكبيرة إزاء قوتها المالية، ألا وهو العجز في الحساب الجاري، المثقل لكواهلها.

وقد يصل ذلك العجز إلى 6.3 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي عام 2005، وربما أقل بقليل خلال عام 2006، وفي هذا الإطار يقول سايمون كويتجاور ايفانز، كبير الاقتصاديين في بانك استريا كريديت شتالت، إن هذا هو أكبر هواجس الأسواق ووكالات التصنيف الائتماني.

والمفتاح الرئيسي لمعالجة هذا الأمر، يكمن في زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، ومواصلة الإصلاح الهيكلي، والاستثمار في البنية التحتية. وكانت الأزمات السابقة في تركيا، ناجمة جزئياً على الأقل، عن العجز العمومي المتزايد، والليرة المتقلبة،

ويعتقد كونيجاور ايفانز، أن الوضع الراهن، لا يقارن بالأزمات السابقة، فإن اقتصاداً أقوى وزيادة القدرة الإنتاجية وترويض التضخم، والإنفاق الحكومي، ساهمت في خفض عامل المخاطرة في الاستثمار في تركيا.

ترجمة: وائل الخطيب