لا تزال فورة الأعياد مستمرة. أشجار وزينة وهدايا وإعلانات في كل مكان. إعلانات الأعياد، مثل الأعياد، تظهر في موعدها كل سنة، لأيام قليلة وتختفي. سريعة، رشيقة، موحية، تحمل عنصر المفاجأة، تزورنا لفترة قليلة وتودّعنا على أمل اللقاء في العام المقبل في التوقيت ذاته. نكبر سنة ولا تكبر الإعلانات. تظل كما هي، نضرة بعمر الشباب، وديناميكيته. على الإعلان أن يكون دوما شابا، فكيف إذا كان الموسم عيد؟

لا تجرّب الاتصال بمدير إبداعي في أي وكالة إعلانات خلال الفترة الممتدة بين العاشر من ديسمبر وأول يناير من كل عام. هذه نصيحة مؤكدة، لأن مصممي الإعلانات سيكونون غارقين حتى آذانهم بتصميم ما يشتهيه العميل من روح »الكريسماس«، ولن يكونوا جاهزين للرد على استفساراتك.

هذه السنة، نصبت المراكز التجارية أعلى أشجارها والمطاعم »أثلجت« ومن حضر سوق العيد باع واشترى، أكثر من أي سنة مضت. وفي ظل التوقعات التي تتحدث عن انتعاش مبيعات المراكز التجارية ومحلات الهدايا المستقلة بنسب نمو تتجاوز 15%، فإن أرقام نمو عمل وكالات الإعلانات تشير إلى نمو موسمي،

بالنسبة ذاتها تقريبا. خلف الصورة الجذابة لـ»بابا نويل«، هناك دورة اقتصادية كاملة، أطرافها: المستهلك والبائع.. وأيضا وكالة الإعلان والميديا، وخاصة الصحف الأجنبية، التي تستقطب شريحة كبيرة من إعلانات أعياد الميلاد.

»نحن لا نبيع شوكولاته«

يصرّح عيسى آدم إبراهيم، مدير مركز برجمان للتسوّق، أن فترة »الكريسماس« تعتبر فترة حيوية جدا بالنسبة إلى المراكز التجارية:» مئات السواح يأتون إلى دبي خلال هذه الفترة للتبضع، بعيدا عن صخب المدن في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، حيث التسوّق في فترة الأعياد يعدّ ضربا من ضروب الجهد والعناء«.

ويضيف:» نسعى إلى توفير منتجات جديدة في هذا الموسم، حيث توقعات المستهلكين تكون عالية، وخياراتهم متنوّعة ونشطة«. وعلى خلاف مراكز تسوّق أخرى، مثل مركز »وافي«، فإن »برجمان« لم يطلق حملات إعلانية خاصة بفترة الأعياد واستمرّ مبقيا على حملته التي تتحدث عن »أدبيات الأناقة«.

كما أن قطاعات تجارية أخرى، مثل المصارف، تدلو بدلوها في هذا المجال وتكيّف روزنامتها الإعلانية مع هذا الموسم الذي يزداد فيه الإنفاق والطلب على استخدام بطاقات المصارف الائتمانية. ولكي لا يقع المستهلك في ارتباك، قامت بعض المصارف بتظهير نسخة معدلة من الحملات الإعلانية التي أطلقتها قبل بدء موسم الأعياد،

بحيث تكون أكثر ملاءمة للجو الجديد. وقام بنك »إتش اس بي سي« بنشر إعلان يصوّر الاختلاف في وجهات النظر تجاه فكرة العيد وشراء الهدايا، حيث أن البعض ينظر إليها بوصفها محض مناسبة استهلاكية والبعض الآخر يرى في الهدية معبراً عن شعور الإيثار وحب الغير. وهذا النموذج يندرج تحت مظلة واسعة من نماذج أخرى تنطق بالفكرة ذاتها.

إلا أن هذا النموذج، ليس سائدا في كل مكان، وكثير من وكالات الإعلانات تتذمر من طبيعة طلبات العملاء في هذا الموسم، خاصة إذا كانت نوعية المنتجات أو الخدمات التي تسوق لها لا تتماشى مع فكرة العيد. ويقول المدير المساعد في إحدى وكالات الإعلانات العاملة في دبي (فضل عدم ذكر الأسماء):» لدينا عدد من العملاء الذين يريدون حشر طابع الأعياد في إعلاناتهم،

لمجرد أن يبقوا »على الموضة، من دون أن يكون للمنتج أي علاقة أو رسالة تجارية تختص بالاستهلاك خلال العيد. يأتون ويطلبون منا الزج بشخصية بابا نويل في الإعلان، رغم أن الشركة تبيع مواسير مياه وإمدادات انشائية. ما دخل هذا بالميلاد، نحن لا نبيع شوكولاته!«.

الأطفال لا يصدقون »رجل المدخنة الأحمر«

ولا يبدو مأزق طبيعة المنتج هو الوحيد الذي يواجه صناعة الإعلانات في وقت »الكريسماس«، فدرجة الإبداع في هذا النوع من إعلانات المناسبات، تثير نقاشا في الأوساط المتخصصة. ويعتبر عدد من الخبراء أن إعلانات هذا الموسم تدور في فلك واحد طوال الوقت، ولا تأتي بجديد، فالأفكار هي ذاتها مستلهمة من شخصية بابا نويل أو صورة الثلج والعربة التي تجرّها الذئاب والمدخنة وغيرها من الاكسسوارات المألوفة.

تقول روشنا بورمن، وهي مديرة فنية في وكالة »إمباكت بي بي دي« للإعلانات إن الدعايات التجارية التي تظهر في وقت الكريسماس تتشابه في غالبها، حتى يصير من الصعب تمييز منتج عن آخر، إذ تضيع السمة التي تمهر إعلانا عن آخر، وتجعل المستهلك لا يفرق بين إعلان عن خدمات مصرفية أو إعلان عن حذاء أو إعلان عن مركز تسوّق.

وتضيف أن تركيز الإعلان على الشكل الكلاسيكي المتمثل بالاستلهام من شخصية »بابا نويل« يجعل ملامح التميز تضيع:» إذا سألني احدهم أن أتذكر إعلانا يتعلق بالميلاد شاهدته في دبي خلال السنتين الماضيتين، فسأقول لا أتذكر«. وطالبت بأن تكون الإعلانات المتعلقة بهذا الموسم أكثر إبداعا وابتكارا، وان تستخدم أكثر الأفكار الإيحائية وليست المباشرة، و»خاصة ان المستهلك ذكي ومطلع على التجارب كافة«.

وبالرغم من أن دراسات حديثة أجريت حول سلوك الأطفال بدبي تجاه صورة »بابا نويل« أثبتت أن ما يفوق 60% من عددهم، لا يعتقدون أن »بابا نويل« هو شخصية حقيقية، الا أن الشعبية التي تتمتع بها هذه الشخصية صارت سمة رئيسية للعيد لا يمكن الاستغناء عنها، حتى في الإعلانات.

ويدافع شاكيل علي، مساعد مدير إبداعي في وكالة »جي دبليو ايه« في دبي عن طبيعة إعلانات الميلاد، ويقول انه يتوجب عليها أن تبقى بسيطة بحيث لا يتم التشويش على الفكرة الرئيسية وهي الترويج لفترة عروضات تجارية معينة خلال الموسم، وفي الوقت ذاته تتجه لاستخدام الأفكار المجرّدة احتراماً لعقلية المستهلك الذي باتت درجة ثقافته وخبرته بالصورة الإعلانية أعلى بكثير مما سبق:» لماذا على الإعلان أن يظهر الصورة الكاملة لبابا نويل، بوسعه أن يظهر قبعته فقط؟«.

إلا أن عددا من المحلات التي تبيع هدايا الأطفال لا تزال تفضل استخدام الأفكار الكلاسيكية في الإعلان، كونها تتعاطى مع المناسبة بوصفها مناسبة استهلاكية مؤثرة بالنسبة إلى الأطفال الذين يطمحون إلى تلقي العدد الأكبر من الهدايا في العيد.

كتب إبراهيم توتونجي