بعض شركات العلاقات العامة في دبي يتقاضى 23 ألف دولار من العميل (84 ألف درهم إماراتي)، لقاء ترتيب مؤتمر يحشد الصحافيين وجمهوراً يصفق. هذا ليس ضربا من التخيّل، إنها أرقام واقعية أفصحت عنها مصادر في بعض الشركات،

متمنية (والأسباب مفهومة بطبيعة الحال)، عدم ذكر أسمائها. شركات العلاقات العامة التي ينمو عملها بوتيرة متسارعة في دبي، وتكسب المزيد من العملاء يوما بعد آخر، ما يعني ملايين الدراهم في شهور قليلة، تخفي في أدراجها الكثير من الأسرار: بعض العملاء يدفعون 600 دولاراً لقاء نشر خبر واحد عن منتجهم في الصحف. ذلك بوسعه أن يكون حدا أقصى، لـ »شطارة التجارة«

، لكنّ المعدلات »المعقولة« التي اعترف بها عدد من مديري الشركات لا تبتعد كثيراً عن تلك الأرقام، إذ يتراوح معدل ما تتقاضاه وكالة العلاقات العامة لقاء نشر خبر واحد في الصحيفة بين 500 و1200 دولار أميركي، والتعرفة تقل أو تزيد بحسب »عداد« الساعات الذي تقنع الشركة العميل بأنه »يمشي« طوال الوقت ولا يستريح إلا بتحقيق الغاية الكبرى والتي تتمثل بجعل سمعة عميلها الايجابية.. على كل لسان.

شركات العلاقات العامة، تقوم بعمل »مجيد«، وهي ذراع مساعد للصحافيين والشركات على حد سواء. لكنّ هذه الذراع، قد تستطيل أحياناً لكي »تعبث« بما لا شأن لها فيه، وقد تتقلص مرات لكي تقصر عن أداء أبسط ما يتوجب عليها أداؤه.

السوق يتسع كل يوم وشركات جديدة تظهر في المشهد وفروع في شركات تتحول إلى شركات جديدة مستقلة، ووكالات الـ »بي آر« تدير من مكاتبها الإقليمية في دبي ملايين الدولارات في أسواق السعودية وقطر ومصر وغيرها.

الكلّ يريد أن يحشد الصحافيين حوله، والعميل مقتنع أنّ الخبر أجدى بالنسبة إليه، في ظروف كثيرة، من الإعلان، أو على الأقل هكذا تريد وكالة الإعلان أن تقنعه.

غيض من فيض

وسط كل ذلك الصخب، يتسع المجال لخدمات »البطاطا«، حيث كل من هبّ ودب يريد أن يهاتف صحافيا من أجل مؤتمر أو يرسل له خبراً على بريده الالكتروني، وباعتراف موظفين في داخل الوكالات، فإن لوائح بأسماء الصحافيين وأرقام هواتفهم وعناوين بريدهم، بل وصورهم، يتم تسريبها أو بيعها أو تبادلها بين الشركات.

وسيظهر ذلك الموظف الذي يلاحقك طيلة اليوم على هاتفك الشخصي لكي يتأكد من أنك ستنشر الخبر (أحيانا يود أن يعرف في أي صفحة والحيز المفرود له والأخبار الأخرى التي ستنشر معه في الصفحة ذاتها)، أو انك ستحضر المؤتمر الصحافي.

وان تلطى الصحافي وتمطى، وغالب خجله ليقول: عذراً، فإنني غير مهتم بمؤتمرك الصحافي، فالمعلومات التي سيتم تداولها هناك ليست في إطار تخصصي، فإن الإجابة ستكون موحية جداً: لا بأس، احضر فقط لعشر دقائق ثم انصرف.

وربطاً مع الأرقام، وفي البدء كان الرقم (حسبما تؤمن الوكالات)، فإن مؤتمراً صحافياً سيدخل الى حساب الشركة 23 ألف دولار دفعة واحدة، سيجعل من موظفيها، لا فقط »تواقين« لضرورة دعوتك من أجل تعبئة كرسي في القاعة، ولكن ربما أيضا مجيئهم إلى مكتبك مع الكرسي ذاته.

المقابل كبير، الشركات كثيرة، الوكالات الصغيرة تحرق الأسعار، الصحافيون يعدون على أصابع اليد الواحدة، لذلك تتجه الأساليب لأن تكون في مرات كثيرة، تجارية، لا تأبه سوى للربح. »رضاء عملائنا، وجيوبهم، ومن بعدنا الطوفان«، قاعدة بدأت بالترسخ في صناعة العلاقات العلامة عندنا،

ومن الضروري لجمها والعودة بهذه المهنة النبيلة إلى أصولها المحترفة والمتبعة في الغرب، حيث منشؤها. وبالحديث عن الغرب، فإن العجيب في الأمر، أن المكاتب التي تمثل شركات عالمية تتصدر لوائح أهم شركات العلاقات العامة في أوروبا والولايات المتحدة، تنجر، في كثير من الأحيان، إلى ألعاب التجارة والشطارة، بل وتقودها في بعض المرات.

هذا غيض من فيض، والعميل، المقتنع أن خلف مكاتب الصحف »ذئاباً« تريد أن تنهش في سمعته ومشاريعه، لا يتوانى عن تسليم اذنه كاملة إلى وكالة العلاقات العامة التي تصنع بينه وبين الصحافيين جداراً من »الفصل العنصري« بحجة »حمايته«. وكأن الصحافيين يحملون السواطير ويتأهبون لشن غارات المغول.

سارس

»دوري أن أحمي عميلي«، قال لي أحد موظفي الشركات في إحدى المرات وكنت قد أعربت إصراري على رغبتي بمحادثة المسؤول في شركة الاتصالات شخصياً وعدم إرسال أسئلة مسبقا عبر جهاز »الفاكس«، خاصة أن الموظف كان قد تفتق عن اعتقاده الخاص بأن »عميلي غير مهتم على الأرجح بالحديث عن هذا الموضوع«. ولأنني، كنت على قناعة تامة بأن الموضوع حيوي جداً بالنسبة الى الشركة،

ولأنني كنت أعرف، او هكذا تفيد تقارير وزارة الصحة على الأقل، أنني غير مصاب بالسارس أو انفلونزا الطيور أو أي مرض عضال آخر، نهرت الموظف وسألته أن يلتزم حدود عمله من دون ادعاء ادوار بطولية لا دخل لشركات العلاقات العامة بها.

ثم سألت: لماذا لا يوفر بعض الشركات طاقة »التأهب« القصوى التي يبديها أحياناً، فيستخدمونها لتصحيح تلك الأخبار المليئة بالأخطاء النحوية والتشكيلية و»السوريالية«. لو كنت صاحب شركة، فإنني لن ادفع دولاراً واحداً لقاء خبر تترجم فيه »الضفة الغربية« إلى »البنك الغربي« (باعتبار الكلمة الانجليزية هي west bank)؟ هذا ناهيك عن رفع المفعول وتصب الفاعل.

وإذا كانت وكالات العلاقات العامة تحاسب العميل »على الساعة« (حوالي مئة دولار في الساعة)، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: كم ساعة تصرفها هذه الشركات لترجمة خبر ترجمة رديئة أو صياغة خبر عربي مكتوب »بالأعجمية«.

ولكن السؤال الأهم: هل يعقل أن يستغرق كتابة خبر واحد 16 ساعة، كي تتقاضى عنه وكالة معروفة بدبي مبلغ 1600 دولاراً؟ الأرجح أنه ليس خبراً عن »تأكسد الفعاليات النووية في شرايين الكيان الأعلى من المدى اللامحدود« (جملة مفككة تشبه إلى حد كبير الجمل التي تحفل بها الأخبار التي يصدرها بعض الوكالات).

الجدير ذكره، أنّنا اتصلنا بعدد كبير من مدراء شركات العلاقات العامة من أجل »تحقيق« الأرقام التي تم تسريبها إلينا، إلا أنهم أجمعوا على »عدم الرغبة بالخوض في هذا الموضوع«. رافضين في الوقت ذاته النفي أو التأكيد.

هناك مثل غربي يقول "نو نيوز، غود نيوز"، أي لا خبر يعني خبراً جيداً. ولكن، يبدو أننا بحاجة إلى إعادة نظر جدية في جدوى الأمثال الغربية.. وفي كل شيء.

أزمة شرعية

في الوقت الذي تشير فيه أرقام حديثة إلى وجود أكثر من 60 شركة تعمل في منطقة الشرق الأوسط تحت مظلة العلاقات العامة، تشير هذه الإحصاءات إلى أن السوق الإماراتي يستقطب أكثر من 40 من بينها، أي ما يتجاوز 60% من هذه الشركات. ويدير هذه الشركات، ويعمل فيها، نسبة كبيرة من العمالة الأجنبية الوافدة، الغربية بالدرجة الأولى ثم العربية.

وتقول بعض الدراسات الرسمية أن نسبة المواطنة العاملة في قطاع العلاقات العامة لا تتجاوز 1%، فيما تصل النسبة إلى 20% لدى الحديث عن الجنسيات الوافدة من دول المشرق العربي، وتتوزع النسب الباقية على الجنسيات الغربية، الأوروبية والأميركية والجنوب أفريقية.

وفي ظل امتناع الجهات الحكومية الرسمية، مثل وزارة الإعلام، عن التدخل حتى الآن، من أجل تنظيم هذا القطاع وإعطائه الشرعية القانونية التي يحتاجها وسن التشريعات التي تحكمه، بعيدا عما يشتكي منه بعض أهل هذه الصناعة الناقمين على حالة الفوضى التي بدأت تدبّ في سوق العلاقات العامة في الفترة الأخيرة، يحمل بعض العاملين في الصناعة مهمة المبادرة التنظيمية على عاتقهم عن طريق تأسيس تجمّع غير حكومي.

لوائح سوداء

في حوار أجرته »البيان« قبل فترة مع صدري براج، بصفته رئيس جمعية العلاقات العامة في الشرق الأوسط، كشف أن لدى شركات العلاقات العامة ما يشبه »لوائح سوداء« مدرج عليها أسماء لصحافيين مصنفين »مزعجين«. وأكّد أن هذه اللوائح تولّف بناء على طلب العملاء (أصحاب الشركات التجارية) الذين يشعرون أنهم ملاحقون من قبل صحافة »المتطفلين«.

ويروي في هذا السياق حكاية وزير طلب من شركة العلاقات العامة التي تخدمه استبعاد عدد من الصحافيين عن لائحة الحوارات المعدة معه، باعتبارهم »مزعجين«. ويعترف، في المقابل، أن المبالغة بحماية العميل، في مواجهة الصحافة، هو خطأ تقع فيه بعض الشركات العاملة في قطاع العلاقات العامة »ففي نهاية المطاف لا يمكن إخفاء الحقائق ولكن بالإمكان تصويبها إذا دعت الحاجة إلى ذلك«.

ويتحدث برّاج عن أزمة شركات العلاقات العامة مع العملاء أنفسهم، الذين يغالون في توقعاتهم وطلباتهم. مؤكداً في الوقت عينه أن العلاقات العلامة لا تعني خبراً صحافياً تجارياً ولا العلاقة، حصرياً، مع وسائل الإعلام وإنما هو مفهوم شامل يهدف إلى »إدارة السمعة« في حالات الهدوء كما في حالات الأزمات، »حيث ننصح العميل بأن يكون شفافاً وصريحاً بدل أن يصمت أو يداري الحقائق«.

لكنه يأسف لكون الكثير من الشركات لا تزال تتعامل مع العلاقات العامة بوصفها حلا للحظات الأخيرة: »يأتينا بعض العملاء في الوقت الذي يكونوا قد تورّطوا فيه بأزمة مع الجمهور راغبين منا أن نجد لهم الحلّ الشافي«.

كتب إبراهيم توتونجي