أصبح قضاء التحكيم التجاري في اليمن في السنوات الأخيرة الخيار المفضل للمتنازعين خاصة لما يتميز به من خصائص تستجيب لسرعة المعاملات التجارية ويلعب المركز اليمني للتوفيق والتحكيم دوراً فعالاً في مجال القضاء التجاري المؤسسي منذ إنشائه عام 1997.

وحول الدور الذي بات يقوم به المركز اليمني للتوفيق والتحكيم في هذا المضمار قال الأمين العام للمركز شاهر الصالحي لـ «البيان» التحكيم آلية قديمة في اليمن حيث كان يجرى التحكيم القبلي وفقاً للعادات والأعراف القبلية المتواترة والمستقرة

وإن اختلف من منطقة إلى أخرى فإنه يتسم بالطابع الإجباري الذي يتعارض مع متطلبات العدالة إلا أنه مع صدور التشريعات الحديثة اكتست هذه الآلية طابعاً مؤسسياً جسد اهتمام اليمن بتسوية المنازعات عن طريق التحكيم، وفق تشريع يتواءم بالقدر الممكن مع قواعد الاتفاقيات الدولية للتحكيم التجاري الدولي.

ويستطرد الصالحي قائلاً كانت اليمن من أوائل الدول التي أصدرت قوانين خاصة بالتحكيم التجاري حيث صدر أول قانون وضعي للتحكيم عام 1941 في ما كان يسمى بمستعمرة عدن، كما صدر أول قانون للتحكيم في شمال اليمن عام 1981م وظل يعمل بالقانونين حتى قيام الجمهورية عام 1990م ثم صدور القانون رقم (22) عام 1992م بشأن التحكيم الذي حل محل القانونين السابقين.

وهذا القانون جاء مستوعبا قواعد وضمانات عديدة واستهدف إنعاش المبادلات والمعاملات التجارية وتشجع المستثمرين «يمنيين وعرب وأجانب» على الاستفادة من مزايا التحكيم مع أن اليد العليا في حسم المنازعات التقليدية كانت للتحكيم العرفي القبلي التقليدي الذي لم يكن يقوم على اتفاق تحكيم بين الأطراف، وإجراءات التحكيم في الغالب لا تتم وفق متطلبات القانون،

فتشكيل هيئة التحكيم وعقد الجلسات والاستماع إلى الخصوم وتدوين محاضر الجلسات لم تكن بالكيفية التي أصبح المركز اليمني للتوفيق والتحكيم منذ تأسيسه يؤمنها ويوفرها وفقا للمقتضيات القانونية الجديدة التي تستهدف خلق بيئة مشجعة للنشاطات الاستثمارية والمعاملات التجارية والمالية والاقتصادية.

ويرى أمين عام المركز اليمني للتوفيق والتحكيم أن إنشاء المركز مثل تحولا مهما كونه أعطى العملية التحكيمية طابعاً مؤسسياً يقوم على قواعد خاصة ومنظمة متفقة مع جوهر القانون الجديد وملائما لطبيعة ومتطلبات النشاطات التجارية الآخذة في التزايد في اليمن وهذه القواعد الخاصة بالمركز مثلت أنموذجا مرنا منظما جعل من هذه المؤسسة وجهة يقصدها المتنازعون تجنبا للتطويل في القضاء الحكومي وهروبا من عدم التنظيم الذي يتميز به التحكيم العرفي التقليدي.

ويقول الصالحي إن المركز لم يصل إلى هذه المستوى الذي جعله مقصدا للمتنازعين سواء كانوا في اليمن أو خارجه إلا بعد جهود بذلتها إدارة المركز ومجلس إدارته وسارت في عدة اتجاهات فمنذ البداية عمد المركز إلى التركيز على التوعية بأهمية التحكيم التجاري المؤسسي داخل كل الأوساط من محامين وحقوقيين وقضاة ورجال أعمال ومؤسسات وأفراد وحتى في وسط الرأي العام وقد عمل المركز على تنظيم نشاطات وتظاهرات مكثفة للعديد من المستهدفين

وبلغ إجمالي تلك الفعاليات 47 موزعة مابين مؤتمر وورشة عمل ودورات تدريبية بعضها نظمت بمبادرة منفردة من المركز والبعض الأخر بشراكة وطنية وإقليمية ودولية بغاية الرفع من مستوى التأهيل في مجال التحكيم لما يزيد عن 2400 مستهدف ينتمون إلى تخصصات وجهات مختلفة

كما عمل المركز بصفة موازية على نشر الوعي حتى في الأوساط التجارية والشعبية من خلال الإصدارات التي ينشرها المركز فهناك نشرة التحكيم التي بدأ صدورها عقب التأسيس ثم تحولت تلك النشرة إلى مجلة دورية شهرية تصدر وهي مجلة «التحكيم» واسعة الانتشار في الأوساط القانونية والحقوقية والقضائية اليمنية وحتى في الأوساط الشعبية والاقتصادية وجميعها أصبحت على موعد شهري مع هذه المجلة وقد صدر منها حتى الآن وبانتظام 70 عددا

مما خلق وعيا واسع بقضاء التحكيم كما يمثله مركز التحكيم اليمني وبفضل ذلك أصبح العديد من المؤسسات والأفراد سواء من اليمن أو خارجه تضمن شرط التحكيم وفقا لقواعد المركز في العقود المبرمة مع الأطراف وفيما بينها وهذا ساهم بشكل كبير بأن يلعب المركز اليمني اليوم دوراً فاعلاً في حسم المنازعات وبظرف وجيز يلائم ويستجيب للحركة المتسارعة في مجال المعاملات التجارية والاقتصادية في جميع القطاعات المختلفة وقد عمد المركز في هذا الإطار إلى افتتاح فرع له.

ويخلص الصالحي إلى القول إن المركز اليمني الذي نشأ في العاصمة صنعاء بعد أن تزايد الاهتمام بقضاء التحكيم بادر منتصف العام 2005 إلى افتتاح فرع له في العاصمة الاقتصادية والتجارية عدن مما يؤكد أن اليمن الذي هيمن عليه التحكيم العرفي القبلي التقليدي أصبح اليوم يتوفر على قضاء تجاري مستقل ومعاون للقضاء الرسمي يجسده المركز اليمني يعمل

وفق احدث القواعد الوطنية والإقليمية والدولية المرعية وهدفه هو تأمين بيئة قضائية تواكب التطورات الحاصلة والمتزايدة في مجال المعاملات التجارية والمالية والاقتصادية والاستثمارية في البلاد وهو عضو في الاتحاد العربي للتحكيم التجاري وفي الاتحاد الدولي لهيئات ومؤسسات التحكيم ومثل تحولاً بارزاً في مسار حسم المنازعات التجارية.

صنعاء ـ عبد الكريم سلام