هل يمكن أن نطلق على القرن الواحد والعشرين عصر الفضائيات، أم هو عصر العولمة وفتح أبواب ونوافذ المنازل على مصراعيها، حيث لا حسيب ولا رقيب؟ كل الدلائل تشير إلى ان الفضائيات العربية والأجنبية أصبحت تغزونا وهناك تسابق على فتح المزيد دون ان يكون لها هدف أو رسالة إعلامية. الأفراد والأحزاب أصبح كل له فضائيته الخاصة، بالإضافة إلى الفضائيات الحكومية والمتخصصة في مجالات لا تحصى ولا تعد.
وتشير آخر الإحصائيات إلى أن أكثر من 200 محطة بث تليفزيوني موجودة حالياً في العالم العربي، هذا الرقم إلى ازدياد بنسبة 3 محطات جديدة كل شهر ان لم تكن أكثر، مع وجود العديد من المستثمرين المستعدين للاستثمار في قطاع تكنولوجيا البث، والفنانين والمطربين الذين أصبح اغلبهم يفكر بفتح قنوات خاصة بهم، ورجال الأعمال والسياسيين الذين هم الأكثر تنافسا على فتح قنوات خاصة بهم تروج لأعمالهم وأفكارهم.
وحدها فقط أقمار عربسات ونايلسات تبث أكثر من 200 محطة فضائية، وبانتظار انطلاق المزيد من القنوات خلال الأشهر القليلة المقبلة ما يقارب 45 قناة حتى شهر يونيو المقبل، على هذه الأقمار فقط بحسب ما ذكره احد المسؤولين العاملين في هذا المجال.
انطلاق العدد الكبير من الفضائيات العربية، ما بين قنوات إخبارية ورياضية وفنية وفيديو كليب وتسلية، هل لنا أن نسأل هل زيادة عدد المحطات الفضائية ظاهرة صحية؟ وما هو جانب السلب فيها؟ وجاءت الإجابات مختلفة من الأشخاص مختلفين.
* الغث والسمين
الدكتورة أمينة الرستماني المديرة التنفيذية لقطاع الإعلام بالمنطقة الحرة للتكنولوجيا والإعلام في دبي تقول: قطاع البث الفضائي في المنطقة العربية شهد نموا سريعا خلال السنوات القليلة الماضية، مدعوما بالتطور التكنولوجي الهائل وتقدم تقنيات البث، وإذا ما أردنا ان نشكل رأيا حول هذه الظاهرة يبقى الأمر محكوما بالمحتوى المقدم عبر شاشات تلك المحطات.
الظاهرة بشكل عام تعتبر صحية إذا ما أخذنا في الاعتبار أن المشاهد في نهاية الأمر سيكون مطروحاً أمامه العديد من الخيارات التي يمكنه المفاضلة بينها، ويبقى دائما النجاح والبقاء من نصيب الأقدر على حمل رسالة إعلامية مفيدة ذات مضمون وتقدم للمتلقين في المنطقة العربية قيمة فكرية وثقافية ومعلوماتية وترفيهاً راقياً في إطار من الالتزام بمعايير العمل الإعلامي المسؤول الذي يعمل على الارتفاع بذوق المتلقي.
وأكدت الدكتورة أمينة أن زيادة حجم المنافسة سيكون لها اثر في اهتمام المحطات بتقديم الجديد والمفيد، من اجل ضمان البقاء والاستمرار، وترى أنه من المهم للمستثمرين النظر جيدا في مضمون المحطة قبل إطلاقها، خاصة في وقت بات فيه المشاهد العربي يتمتع بقدرة على المفاضلة بين الغث والسمين والمنتج الإعلامي الجيد ونظيره الرديء، وتتصدر قضية المحتوى اليوم قائمة الموضوعات المطروحة على ساحة العمل الإعلامي العربي.
* الاعتماد على التمويل
يؤكد جهاد بلوط مدير إعلامي في محطة «إم بي سي» ان التعددية في الفضائيات ظاهرة صحية لاعتبارين، الأول أنها تأتي في إطار التنافس المشروع وخلق فرص جديدة لأفكار وتوجهات مختلفة والثاني أنها تسهم في وضع خيارات إضافية للمشاهد.
الاعتباران ـ في رأيه ـ مرتبطان بشرط وجود تمويل متواصل، ولكن الإعلانات التجارية والتي هي محور ارتكاز الفضائيات أصبحت محدودة ولا يمكن الاعتماد عليها كمصدر دخل للفضائيات.
والأمر يختلف للفضائيات الرسمية التي لها تمويل رسمي من جهات معينة تحقق لها الاستقرار ويكون لها انعكاس في الجانب المهني. والمهم عند جهاد أن المحطات التلفزيونية العربية خرجت من سيطرة مقص الرقيب وأصبحت بعيدة عن الرقابة، وهذا التحرر سوف يعطي دفعة لتقديم البرامج التلفزيونية بحرية أكثر.
عبدالله بوعابد ممثل ومخرج تلفزيوني ومسرحي يقول بصراحة إن الفضائيات العربية تسير باتجاه واحد ونظام لا يختلف من قناة إلى أخرى، ويعتمد بدرجة كبيرة على المسجات وأغاني الفيديو كليب بدون برامج أو وجوه لمذيعين ومذيعات، والهدف ليس الترفيه وتقديم مادة تلفزيونية مفيدة إنما الكسب المادي والربح.
ويلخص ما يحدث أنها غير صحية لها سلبيات كثيرة على المشاهدين من شرائح الشباب والأطفال، وعلى المجتمع العربي كله. ويرى أيضاً أن هناك فضائيات عربية تحترم المشاهد العربي وعقليته وتقدم برامج ومواضيع معرفية مفيدة.
* التخمة الفضائية
الأرقام التي تشير إلى الزيادة في أعداد الفضائيات الهائلةأذهلت القاصة والكاتبة باسمة يونس، وتقول إنها شعرت بأن الفضاء قد أصيب بالتخمة من هذا الازدحام اللامعقول بالفضائيات، وتسمي ما يحدث بأنه تلوث للفضاء بالقنوات.
وتعبر باسمة عن اسفها من أن تتحول الفضائيات إلى وسائل تثقيف وترفيه إلى وسائل دمار، خصوصاً حينما لا تقودها الأيدي المسؤولة والواعية والتي يمكن أن تديرها بالشكل الهادف والصحيح وتوجه دفتها إلى المتعة والفائدة المرجوة.
وتطالب بأن تكون أعداد الفضائيات متناسبة مع العصر والتطور ومع زيادة انفتاح الإنسان على العالم، وترى أن المشكلة الأساسية في هذه الفضائيات هي أن تراخيصها تمنح بسهولة ويمكن لأي صاحب مال أن يسعى للحصول على ترخيص لإنشاء محطة فضائية يبث من خلالها ما يعجبه وما يرضي ذوقه وأسلوبه وآراءه، وهذا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة وخيمة تجعل من استهلاك الفضائيات مشابهاً لمطاعم الوجبات السريعة اللذيذة ظاهرياً والقاتلة باطنياً.
ورغم الأخطار والمحاذير إلا أن الكاتبة باسمة يونس ترى أيضاً أن هناك قنوات إيجابية تسهم في خلق الوعي والمعرفة لدى قطاع كبير من المشاهدين.
* الهابط يتحسن
الدكتورة امتثال النقيب مدير عام المتاحف والتراث في أم القيوين: ترى أن الفضائيات العربية تؤدي إلى الإبداع والتنوير وأحياناً تكون دون المستوى وتعتقد أن المهم هو التنافس والتصميم بين الفضائيات العربية في تقديم المادة الجيدة، والهابط ممكن أن يتطور للأفضل والأحسن، والكم ممكن أن يخدم التنوع.
وظاهرة الفضائيات العربية وانتشارها هي في إطار التطورات التي تشهدها البلاد العربية ومتغيرات العصر، مرحلة جديدة بكل مكوناتها، وسوف تؤدي إلى خلق حالة جديدة لأن العالم يسير نحو التغيير.
لكن أعود وأقول إن 75% من الفضائيات العربية قائمة على الربح المادي خاصة التي تقدم برامج مختلفة ولديها طاقم كبير من الفنيين والمعدين والمذيعين، وهناك محطات يمكن القول إنها لا تحمل مضموناً معيّناً، ولكن أيضاً تقوم على الكسب والربح، بمعنى آخر أنه أصبح اليوم يوجد سوق للفضائيات، وهذا يخلق مساحة كبيرة من التنافس الكبير بين مختلف الفضائيات العربية، كما هو حاصل بين الفضائيات الأجنبية.
إبراهيم جمعة ملحّن وشاعر يقول رأيه في الزيادة الكبيرة في الفضائيات: إنه بحكم عملي في مجال الفن والموسيقى أحاول دائماً أن أتتبع أخبار الفضائيات العربية، وأي نوع من البرامج تقدم، وخلال السنوات القليلة الماضية وجدت أن أغلب هذه الفضائيات ليس لها هم سوى العبث بعقلية الإنسان العربي، خاصة شريحة الشباب منهم، وينتقد الفضائيات التي حملت شعارات تشجيع المواهب وفرز أصوات غنائية شابة، بأنها تعمل على إفراز أصوات ممسوخة وتشويه مقصود للفن الراقي الذي حمل لواءه الرواد من المطربين العرب.
ويؤكد إبراهيم أنه فنان يحترم نفسه ويحترم فنه، ولهذا أخذ على عاتقه مسؤولية عدم التعاون مع مثل هذه الفضائيات أو القبول في الظهور فيها ومخاطبة المشاهدين، مهما كانت المغريات. ويرى بصفة عامة أن معظم هذه الفضائيات يسير في اتجاه معاكس للعقل والفكر العربي.
تحقيق: جميل محسن
