لم يكن اختيار »ماء« فيلم الافتتاح لعروض شبه القارة الهندية، سوى تحية حب من اللجنة المنظمة لمهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الثانية. وهي جاءت أيضاً بعد تقدير آخر من مهرجان تورنتو السينمائي في دورته الثلاثين التي أقيمت في شهر سبتمبر الماضي.
فهذا الفيلم البديع الذي تعرض خلال الإعداد له في الهند عام 2000، للعديد من العثرات والحملات المناهضة من قبل الجماعات الهندوسية الأصولية، ظهر إلى النور في العام 2005، بعد جهود متميزة قامت بها المخرجة ديبا ميهتا، حيث تمكنت مع فريق جديد من الممثلين والتقنيين وفي مقدمتهم المنتج دايفيد هاميلتون والممثلان جون إبراهام وليزا راي، والطفلة المعجزة سارلا ابنة الثماني سنوات، من تصوير مشاهد الفيلم في سيريلانكا، لكن باسم مستعار هو »full moon« أي القمر المكتمل »ماء« تحفة سينمائية بامتياز، وهو رغم التراجيديا المؤلمة التي تتوالى في أحداثه، غير أنه يشعر المشاهد بالامتلاء الروحي إلى أقصاه، لعمق فكرته، وجرأة طرحه لقضية حساسة في المجتمع الهندي، بل في صلب الديانة الهندوسية، تعتبر الأرامل حاملات لخطايا موت أزواجهن، ما يجعلهن نصف أموات أو غير جديرات بالحياة الطبيعية، وبالتالي عليهن إكمال سنوات أعمارهن في مأوى متواضع للأرامل يقام قريباً من نهر الغانج الملحمي المقدس لدى الهندوس، هناك حيث يلقى برماد جثث أزواجهن في الماء.
وكان طبيعياً أن تمتلئ قاعة »ارينا« الفسيحة في مدينة جميرا مساء أول من أمس، برواد من جنسيات مختلفة، وطغى على المكان الحضور الهندي الارستقراطي، وكان بين الحضور مخرجة الفيلم ديبا ميهتا وجمع من الفنانين.
هذا الحشد الذي غصت به القاعة، كان كافياً لتكوين فكرة مسبقة اننا أمام فيلم غير عادي. فيلم لم تألف السينما الهندية إنتاج مثيل له إلا في ما ندر. ولا ندري ما إذا كان الإنتاج الكندي هو ما جعل الأمر يخرج عن السياق الكلاسيكي المعهود للسينما الهندية التي غالباً ما تحمل إلى المشاهدين أفكاراً تراجيدية وبوليسية مكررة وسطحية.
كنا في أمسية »ماء« مبللين حقاً، حيث اندمجت القاعة كلها، بينما العيون كانت مسمرة نحو الشاشة، حوالي الساعتين من الوقت، وهي تتابع المشهد تلو الآخر.
تبدأ الحكاية في العام 1938، بينما كان الاحتلال الانجليزي يجثم على الأرض الهندية الشاسعة، الغارقة في التقاليد الصارمة المكرسة دينياً .. تقاليد متوارثة من عمر الزمن، حيث الزواج مباح منذ الطفولة. وكان المجتمع الهندي في ذلك الحين منقسماً بين أغنياء مترفين وفقراء معدمين .. بينما المهاتما غاندي الذي كان يقود حركة سلمية لإخراج الإنجليز من بلاده، يقبع في سجنه.
وليس بعيداً عن مأوى الأرامل الحزينات، يلتمع على الضفة الأخرى قصر لأحد الأثرياء، يرسو بالقرب منه بين الحين والآخر، مركب صغير تستخدمه »غولابي« وهي امرأة قاسية الملامح تجلب نساء من المأوى ليقدمن المتعة للرجل الغني، رغم إقامة زوجته وابنيه الشابين اللذين تخرج أحدهما من لندن ويدعى »نارايان«، يلعب دوره الممثل جون ابراهام.
يقوم الفيلم على خمس شخصيات رئيسية، تلعب الطفلة سارالا التي تجسّد شخصية الأرملة الصغيرة »شويا«، دوراً محورياً في الفيلم، بحضورها اللافت وأدائها الآسر. بينما يقوم جون ابراهام بدور »نارايان« الجامعي والمثقف والثري الذي يلتقي صدفة »كالياني« التي تلعب شخصيتها العارضة الممثلة ليزا واي، وهي الأرملة الشابة الساحرة بجمالها وهدوئها، وتدور بين »نارايان« و»كالياني« قصة حب مرتبكة ومعقّدة، حيث التقاليد الهندوسية تحظر على الأرامل الحب والزواج، وترغمهن على تمضية العمر في المأوى. وإلى هؤلاء هناك »شاكونتالا« التي تلعب دورها الممثلة سيما بيسواسي وهي امرأة غامضة هادئة الطباع وتحترم التعاليم الهندوسية.
أما مادهوماتي، فهي الحاكمة في المأوى وفقاً لإرادة »الاله كريشنا« فهي تمثّل دور المرأة التي تطبق التعاليم وفقاً لأهوائها، فهي صارمة في منع الأرامل من مغادرة المأوى التزاما بالتقاليد والتعاليم الدينية، بينما تسهّل خروج الجميلات من الأرامل اللواتي يطلبهن الزبائن للمتعة.
تدور المشاهد في فضاءات محددة، مراكب تعبر نهر الغانج من ضفة إلى أخرى، مأوى الأرامل، وقريباً منه قصر الثري، وضمن هذه المساحات كانت الكاميرا تلتقط المشاهد ببراعة، لكأننا أمام لوحات تنطق شعراً، بينما كانت النساء تغتسلن للتطهّر من الخطايا، كان الرجال يقومون بالفعل ذاته »ايمانا« بقدرة مياه النهر المقدسي على تحقيق أمنياتهم لدى الاله كريشنا.
ثلاثة أجيال من الأرامل، بينهن من تشارف على نهاية العمر وهي تحلم بطعم الحلوى التي لم تذقها منذ الطفولة. وواحدة تتمتع بالجمال لكنها لا تحسن سوى الركون إلى قدرها، صارت أرملة، وليس لديها سوى الاله كريشنا تتضرع إليه، أما الطفلة »شويا«، فقد كانت صديقة الجميع ما عدا رئيسة المأوى، التي كانت عرضة لشتائمها كلما قامت بتصرف خاطئ مع احدى نزيلات المأوى. وكانت أيضاً ساعي البريد بين العاشقين كالياني ونارايان.
في الفيلم، يحضر الماء كثيراً، من مشاهد الاغتسال في المأوى، إلي التطهّر في »الغانج«. ومثلما يحضر الماء تحضر النار، ليكونا متجاورين قرب النهر المقدس.
والحزن يخيّم أيضاً في معظم المشاهد من وجوه الأرامل العجائز الحزينات، إلى النهاية المؤلمة للعاشقة كالياني التي تنهي حياتها غرقاً في النهر، بعد اكتشافها وهي برفقة حبيبها »نارايان«، انها مارست البغاء مع والده. وصولاً إلى علامات الخوف والألم على وجه »شاكونتالا«، حين تهرع للبحث للبحث عن الطفلة »شويا« لتجد أنها كانت ضحية أخرى للثري والد »نارايان«.
في هذا الوقت يخرج غاندي طليقا، ويلتقي بأنصاره ومحبيه. ويدعوهم بكلمات مقتضبة إلى العيش بسلام وحرية وعدالة، ونبذ التقاليد البالية، وحين غادر غاندي بالقطار إلى مدينة أخرى، كان »ناريان« الذي رفض حياة أسرته وسلوك أبيه، وآمن بأفكار غاندي.. وكانت »شويا« بين يدي »شاكونتالا« التي سارعت باتجاه »نارايان« صارخة بأعلى صوتها: خذها إلى غاندي لتعود إلى الحياة.
وتتوقف الكاميرا عند وجه شاكونتالا، وهي تتأمل رحيل القطار، بينما ظهرت على الشاشة عبارة: 33 مليون أرملة هندية مازلن يعانين قسوة الوحدة حتى يومنا هذا«!
كتب إسماعيل حيدر: