تنافست في السنوات الخمس الأخيرة الماضية السينمات الأوروبية وفي طليعتها الفرنسية والإنجليزية مع السينما الأميركية حول الأسواق في الداخل الأوروبي أو في أنحاء أخرى ما عدا الولايات المتحدة نفسها. لأنه لا أحد يستطيع منافسة هوليوود في الداخل الأميركي.

فالصناعة السينمائية الأميركية الضخمة برأسمالها وامتلاكها لشركات التوزيع الكبير، جذبت البعض من مخرجي الدول الأوروبية الكبار إلى هوليوود كي يستطيعوا نشر أعمالهم في الأسواق العالمية التي تهيمن عليها بقوة شركات توزيع هوليوود.

والتنافس بين أوروبا وأميركا في السينما امتد لنصف قرن، لكنه شهد في العقد الأخير حدة حقيقية، أوقفه هذه السنة تراجع مداخيل شباك التذاكر في أميركا وأوروبا عموماً.

مما أفزع كل من هو عامل في هذا القطاع، خصوصاً بعد إحصاءات ودراسات كثيرة أفضت إلى أن هذا التراجع سيستمر في التصاعد خلال السنوات المقبلة لأسباب كثيرة. أولها قوة الشاشات الفضائية الصغيرة في مسلسلاتها الدرامية وبرامجها المتنوعة على خطف الجمهور.

وثانيها ضجر هذا الجمهور أحياناً بالعنف، وتفرد البطل «الهوليوودي» الذي يهزم الجيوش والدول والعصابات وحده، كما كانت أفلام «الوسترن» الأميركية تترك الكاوبوي متفرداً بسرعة القتل والقفز من دون أن تسقط على الأقل عن رأسه قبعته.

على عادتها أنتجت الولايات المتحدة في هذه السنة ثلث الانتاجات العالمية، بمستويات وتنويعات مختلفة التفاوت نسبياً. فيها الجيد القليل والمتوسط المقبول، والمكرر الرديء من أفلام الحركة والاكشن الفارغة من أي مضمون يثير قضية أو فكرة، أو شيء من هذا القبيل. والأفلام الأوروبية كانت هذه السنة أفضل نسبياً من حيث النوع إلى جانب بعض الهوليوودية الممتازة.

مثل فيلم «كراش» الذي قدمه كاتب السيناريو بول هاجيس، في أول إخراج له، تدور أحداثه حول العنصرية في لعبة متوازيات وتناقضات يحملها المجتمع الأميركي بكل تركيبته «الكوزمبوليتية» التي لا تفلح في وجهة نظر مؤلف ومخرج الفيلم أن تصهر هذه الثقافة في بوتقة واحدة.

يليه فيلم «مملكة السماء» للمخرج البريطاني ريدلي سكوت الذي ينصف صورة العربي المسلم لأول مرة في السينما الأميركية، بعدما تعودنا على تبشيع صورتنا على كل المستويات في هذه السينما.

وقدم الكاتب الأميركي العربي الأصل جاك شاهين كتاباً حول صورة العربي في سينما هوليوود، راجع فيه تاريخ التعاطي على الشاشة الفضية مع العربي بتأليفه إرهابياً متخلفاً لا يحمل للعالم إلا الشر.

بالطبع واجه سكوت انتقادات كثيرة على شريطه من الأوساط الغربية في أوروبا وأميركا، ولم يجد بالطبع دعماً من العالم العربي والإسلامي، فما زلنا نحن نتلقى الصورة والفكرة ولو كانت تدور حولنا أو تطالنا.

أفلام كثيرة على هذا المنوال أنتجت في العام (2005) في الغرب، منها الإنتاج الفرنسي الأميركي المشترك «ديسكريت ب 13»، الذي يقلد ويكرر الأفلام المستقبلية الهوليوودية التي بدأت في مطلع السبعينات، كأن تتحول مدينة نيويورك إلى سجن كبير لا تجرؤ الشرطة على دخوله، واللاقانون هو قانون وحيد، كما هو هذا الفيلم منطقة بـ 13 الباريسية،.

حيث عالم الجريمة والعنف يسودان، وبعيداً عن قدرة الشرطة الولوج إليه، ولم يتوان أصحاب الفيلم عن تكملة عناصر «إنجاح» إنتاجهم بحشر اسم عربي مسلم «طه» لاستكمال عدة النصب وتحميل صورة المسلم والعربي عموماً اسم الإرهاب.

فهذا الشخص «طه» يحوز على قنبلة نووية، فتقرر الشرطة استعادتها قبل أن يستخدمها هذا الإرهابي، فتوكل المهمة إلى داميان، يجسد الدور سيريل رافايللي، وللقيام بالمهمة يستعين الشرطي بمجرم على عداء مع «طه»، فينتصران عليه بقرار منتج الفيلم لوك بوسون، الذي يكرر بتجاربه السينمائية التجارية على الدوام، من دون أي اعتبار للفن السابع أو أي فن آخر.

وساعده على تقديم هذا الشريط الرديء والعنف المجاني المخرج الفرنسي بيار موديل، الذي ركب فيلمه من مشهديات أفلام أميركية فنجح في سرقته، ولكن التقليد والسرقة واتهام الآخرين دون وجه حق، جريمة يستحق عليها العقاب الأخلاقي على الأقل، يتساوى رداءة مع هذا الشريط فيلم «تريبل اكس» الذي لطش مشهديات فيلمه من سلسلة جيمس بوند. أخرجه لي ياما موراي.

وقدم المخرج بيلي راي فيلمه «شاتيرد غلاس»، عن قصة حقيقية لصحافي فاسد من بطولة مايدن كريتنين، في شخصية ستيفن جلاس الذي عمل في مجلة «ريبابلك» وزور تقاريره وتحقيقاته التي كان يخترعها من لا شيء.

فتكتشفه مؤسسة إعلامية منافسة، عرف المخرج خلالها كيف يدير شريطه بأسلوب السينما الوثائقية في تحريك الكاميرا وممثليه، مما خدم روحية الفيلم، الذي من الضرورة أن يشاهده كل من يعمل في عالم الإعلام والصحافة.

كيانو ريفز الممثل الأميركي الذي ولد في بلد عربي سقط في وحل فيلمه «قسطنطين»، الموهوب برؤية الشياطين الذين يتجسدون بأشكال بشر. مما يسبب له مصاعب ومتاعب في الحياة، فيقرر الانتحار وينجح لكنه يعاد إلى الحياة من جديد لمقاتلة العفاريت حتى يستطيع أن يحصل على مكان مميز في الفردوس.

وعلى مدى ساعتين ودقيقتين تستمر الشياطين في الطيران، تارة تطارد قسطنطين وتارة يطاردها، يقتلون أكثر معارفه في مشاهد عنف مبالغ فيها كثيراً، ومقززة، مجانية أحياناً، تبدو مصنوعة لأجل إظهار هذا القدر من الرعب المتعمد والاستعراضي، الذي استخدمه المخرج فرنسي لورنس بتضخيم لا طائل تحته.

فأطلق العنان لمخيلته على أرضية سيناريو كتباه فرانك كابيللا وكفن بردوين، باقتباس عن القصص المرسومة «حلب ليزر» التي انتشرت في الولايات المتحدة في ستينيات القرن العشرين يذكر أن الفيلم تعرض في الصالات المحلية لقرار الرقابة في منع عرضه، ثم سمح له بالعودة، في ظل شكاوى المشاهدين.

*أفلام تنافس على الجوائز

«فندق رواندا» من إنتاجات العام الماضي وعرض في العام الحالي، ولم يحصل حتى الآن على أي جائزة، تذكر مع أنه فيلم جيد أخرجه تيري جورج محملاً الاستعمار الأوروبي مسؤولية المجازر المرعبة التي وقعت في رواندا من بطولة دو شاندل.

من الأفلام المرشحة لنيل الجوائز فيلم «تاجر البندقية» القصة المسرحية الشهيرة الشكسبيرية، من إخراج مايكل رادفورد، وبطولة النجم الساحر ال باتشينو، يليه ستيفن سبيلبيرغ في فيلمه لهذا العام «حرب العوالم» و«ميونيخ» الأول فيلم مركب بين الخيال العلمي والواقع، عرف كيف ينفذ المخرج منه إلى أبعاد اجتماعية وإنسانية.

والثانية بدأ عرضه منذ أيام في الصالات العالمية حول العملية الفدائية التي وقعت أثناء الألعاب الأولمبية في ميونيخ في العام 1973 من قبل الفلسطينيين على الفريق الإسرائيلي المشارك في الدورة الرياضية تلك. الفيلم يتعرض لانتقادات متباينة البعض يرى أنه يحمل وجهة النظر الفلسطينية، وبعضهم يرى العكس.

ومن الأفلام الأوروبية الجيدة شريط المخرج جون هاي «الحقيقة عن الحب» وسيناريو بيتر بلوري بطولة الأميركية جنيفر لوف هيويت يليه فيلم المخرج الفرنسي جان جنيه في «زهرة العنق في وحل الحرب» الذي اقتبسه عن رواية صدرت قبل عقدين من الزمن من تأليف يباتيان جاربسيو، حول حياة شابة تتمرد على الواقع والقدر اللذين هما هنا الحرب وبشاعتها فتستعين بخيال فانتازي .

بتذكرات لماضي العلاقات الإنسانية في باريس منتصف القرن الماضي، الذي كثيراً ما اتصف بالرومانسية فترفض ماتيلد تصديق موت حبيبها في جبهة الحرب العالمية الثانية، فتقرر أن تبحث عنه وأن تبعث فيه الحياة من جديد. الفيلم خليط بين التراجيديا والشعر، لعبت دور البطولة فيه أودري توتو.

على المستوى ذاته من العبقرية والروعة قدم المخرج البوسني أمير كوستريسكا فيلمه «الحياة معجزة» الذي يتساوى مع سلسلة أفلامه قوة في «تحت الأرض» .

و«زمن الضمير» و«قطة سوداء قطة بيضاء» و«عندما كان الآباء في العمل» الحائز على جائزة السعفة الذهبية يظهر في عمله الجديد الأبعاد المتخفية خلف الحرب التي وقعت في بلده يوغسلافيا من خلال عائلة صربية يرفض الأب فيها منطق القتال والصراع ويواجهها كوستريكا بأسلوب ساخر .

وبكوميديا لا أستطيع تسميتها «سوداء» أو «بيضاء» أو أي صفة أخرى، فهي كوميديا إنسانية تضعنا أمام أسئلة من حجم كبير بطولة ويل سميث وإيفا منديز الممثلة التي ما زالت تبحث عن مساحة تثبت فيها نفسها تلتهما ساندرا بولاك في إنتاج وتمثيل «مس كونجينالتي» من ضمن سلسلة لهذا الفيلم الذي أخرجه جون أسكين.

أهم أفلام الكوميديا المقدمة هذا العام «احزر من» المستعار من فيلم مشابه قدم منذ نصف قرن لاقى نجاحاً آنذاك كما هو هذا الفيلم الذي سجل أعلى مداخيل على شباك التذاكر متفوقاً على «عودة بيتمان» و«حرب النجوم» للمخرج جورج لوكاس في نهاية السلسلة بالفيلم رقم سبعة.

أخرج «احزر من» كيفن رودني. وبمستوى ليس أقل وجاء «ويدينغ كراشرز» الذي مزج مخرجه ديفيد روبكن بين المسرح والسينما بنجاح كما هو أيضاً «مسز أند مستر سميث» من إخراج دوغ ليمان وتمثيل أنجيلينا جولي وبراد بيت. الكوميديا ذات البعد الاجتماعي قدماها بإطار مغامراتي مثير.

مستويات متدنية كذلك هو الأداء التمثيلي فلم تبرز الحسناء كريتا لوكن الآتية إلى السينما من عالم «عرض الأزياء» وحدها إلياويت أدت دورها بدقة وبحرفية تعبيرية، ولكن حجم دورها لم يسمح لها بإنقاذ مطبات الفيلم الكثيرة.

الأفلام الكوميدية الأميركية كانت هذه السنة ذات نكهة مختلفة بسبب تجديد مفاهيم الكوميديا فبرزت عدة أفلام من بينها «ميت ذا فوكرز» اخراج ثلاثة مخرجين معاً هم جاي رواش، جون بول، وماركو شانابيل. وبطولة روبيرت دونيرو في أول كوميديا له.

وفيلم «موعد الزفاف» انتاج اميركي بريطاني مشترك اخراج كلاري كيلنر. ويعتبر جيدا يقابله فيلم «هيش» تناقلتها شعوب أوروبا الشمالية منذ القرون الوسطى عبر بحر الشمال والنرويج وحتى نهر الراين في الجنوب الألماني، حول الكنز الملعون الذي سرقة تنين «خافيز» من آلهة السراب والخيال.

وقدمت هذه القصة في عشرات المسلسلات التلفزيونية في ستينات وسبعينات القرن الماضي وحققت نجاحاً ملحوظاً آنذاك مما اغرى شركات الانتاج لتحويلها إلى شريط سينمائي، فعهد إلى دياني دوني وبيتر مورود لكتابة السيناريو، ولم ينجحا بإضفاء أي مستوى ملحمي يتطلبه العمل من وحي الروحية الأسطورية التي تتمتع بها الحكاية.

فجاء السيناريو ضعيفاً مفككاً ويفتقر إلى بناء سينوغرافي، دفعت بالمخرج التلفزيوني الألماني اولي ايديل إلى ان يتخبط بادارة ممثليه في مناخ للشريط عموما فاقداً لأي حس فني. وكما السيناريو والإخراج هبطا إلى مستوى كبير حول قدرة الإنسان ان يعود إلى بساطة مفقودة تمنعه من ان يقتل أخاه.

في انتاج استرالي أوروبي مشترك قدم المخرج جان ساردي فيلمه «لوف براذر» عن سيناريو من تأليفه حول عائلة إيطالية تهاجر إلى استراليا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بعيداً عن القارة الأوروبية المدمرة.

وفي المكان الذي يدعو الإنسان المهاجر لان ينسى ثقافته ونمط عيشه المتعود عليهما، يندفع بطلا الفيلم إلى التمسك أكثر بانتمائهما فيقعان في حب امرأة من بلدهما من دون ان يرايانها حقيقة، شريط مؤثر وغني بالتفاصيل التي يتكمل شروط ابداعه.

«خاتم نوبيلنغ» حكاية أسطورية بالانتقال إلى الأفلام الأميركية الروائية التي حصدت جوائز الأوسكار والغولدن كلوب على حد سواء، وكانت تستحق في إطار من المنافسة القوية بين «ملاح» مارتن سكورسيزي و«طفلة بمليون دولار» و«راي» عن حياة المغني الأميركي الأسود راي تشارلز من أعمال تايلور ماكفورد.

وحصل عنه جيمي فوكس على أوسكار أفضل ممثل بمقابل هيلاري سوانك أفضل ممثلة عن طفلة بمليون دولار، الذي حصد أربع جوائز أوسكار بما فيها أفضل إخراج وأفضل ممثل مساعد لمورغان فريمان. وخرج مارتن سكورسيزي خالي الوفاض.

وهو الذي عمل في السينما ومازال على مدى ثلاثين عاماً ولم ينل أياً من الأوسكارات، فبدأ «ملاحه» غير قادر على الطيران، وحدها حصلت لأول مرة الاسترالية كيت بلانثيت على أوسكار أفضل ممثلة مساعدة. وفاز فيلم «مارادنيترو» للمخرج الأسباني اليخندرو امينابار بأوسكار أفضل فيلم اجنبي.

* كيدمان وشون بن مرشحان للأوسكار

عملت نيكول كيدمان هذا العام في فيلمين على التوالي الأول «بيرث» التي جسدت فيها منحى تعبيرياً مع أن السيناريو عالج موضوعه المهم بسطحية واضحة. ولكن أداء كيدمان المرتفع على الدوام أنقد الشريط من هفوات السيناريو الكثيرة.

وجعلها ان تكون من المرشحات الأبرز لأوسكار أفضل ممثلة في العام المقبل، أخرج «بيرث» جوناثان غلايزر، الشريط الثاني لكيدمان هو «المترجمة» الى جانب شون بن الممثل الذي يتوجه بسرعة نحو أوسكاره الثاني في أدائه في فيلم «اغتيال ريتشارد نيكسون» من اخراج نيلس موللر، وذكرنا عنه في حينه أنه يرتفع بأدائه إلى مستوى مارلون براندو وجيمس دين.

حسين قطايا