تشير تقديرات مبدئية إلى أن الزيادة في العوائد البترولية نتيجة ارتفاع سعر البرميل قد تبلغ 700 مليار دولار هذا العام، وهي زيادة لا تقتصر على الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط بل تمتد لتشمل أيضاً الدول غير الأعضاء وفي مقدمتها روسيا والنرويج.

لكن كيف يمكن توظيف هذه الإيرادات واستخدامها على الوجه الأمثل؟ وهل هي تمثل ربحا صافيا للدول البترولية؟ أم أنها كما يقول البعض قد تكون نقمة إن لم يتم استخدامها في جوانب مفيدة خاصة.

وان الكثير من هذه الدول لا يزال في عداد الدول النامية بالرغم من الثروة النقدية المتزايدة التي أفضت إلى فوائض في موازين مدفوعاتها بلغت حسب تقديرات صندوق النقد الدولي في العام الأخير إلى ما يقرب من 400 مليار دولار أي حوالي أربعة أضعاف ما حققته خلال عام 2002.

ولاشك أن هذا الفائض الكبير يعني حصيلة متزايدة من الصادرات البترولية للدول المنتجة للبترول غير انه من غير الواضح كيفية استخدام هذا الفائض، وهل يستورد به سلع استثمارية؟ أم سلع استهلاكية؟ أم خدمات؟

وقد يكون ذلك واضحا في بعض الدول التي استخدمت فعلا العوائد البترولية المتزايدة في تنمية إجمالي ناتجها القومي، حيث أعد صندوق النقد الدولي بعض التقديرات للدول التي ارتفع فيها الناتج المحلي الإجمالي كالصين الذي ساهم فائضها بنحو 6% في زيادة ناتجها المحلي .

بالإضافة إلى زيادة فائض الحساب الجاري بحوالي مئة مليار دولار أميركي خلال العام الماضي، أما روسيا فقد حققت أيضاً معدلا قياسيا في زيادة ناتجها المحلي الإجمالي بحوالي 13% كما بلغت الزيادة في النرويج حوالي 18%.

و قد يعتقد البعض أن الدول البترولية هي الرابح الوحيد من هذه الزيادات التي يمكن أن تساعد في تحولات اقتصادية دولية كبيرة، وفي إعادة توزيع الدخل القومي الإجمالي في أغلب دول العالم، سواء المنتجة للبترول أو المستهلكة له.

غير أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا في ضوء خطة محكمة وشروط محددة وسياسات اقتصادية جديدة تضعها الدول البترولية، حتى لا تتحول هذه المكاسب الكبيرة إلى نقمة تضر الدول البترولية مثلما تحاول بعض الدول الكبرى ان تبثه بغرض منع تواجد دول متقدمة أخرى تنتقص من ثرواتها ومن مستوياتها المعيشية.

وهو ما فعلته فعلا عندما خلقت الأزمات الاقتصادية الكبرى أمام دول جنوب شرق آسيا في أواخر القرن الماضي واستطاعت تحطيم بعضها، وبالتالي فان الدول البترولية التي حققت فوائض كبيرة من الزيادة السعرية عليها ان تراعي الأوضاع التالية :

(1) عدم استخدام هذه الزيادات البترولية في استيراد سلع استهلاكية زيادة عن المعدل السابق في استيراد السلع الاستهلاكية كالسلع الهندسية الكاملة الصنع والسيارات وغيرها من البنود التي تستخدم في الاستهلاك السريع ولا تمثل أي مكاسب وطنية لهذه الدول وإنما تغرس فيهم عادات استهلاكية كانت بعيدة عنهم في ضوء اقتصادياتهم ومنتجاتهم السلعية العادية.

وهو ما يخشى ان تقوم به هذه الدول بعد ارتفاع الفائض في معاملاتهم الجارية في موازين المدفوعات والذي كان في المتوسط خلال السبعينات والثمانينات حوالي مئتين مليار دولار أميركي فارتفع في عام 2005 إلى الضعف وينتظر ان يتزايد في العام المقبل ان شاء الله.

(2) ذكر تقرير لصندوق النقد الدولي ان كثيرا من الدول البترولية أنفقت فوائضها البترولية السابقة بسخاء على مشاريع اعمار فاخرة استوردت لها عمالة أجنبية بأعداد ضخمة، وهو ما يوضح أسباب تراكم العمالة الأجنبية في كثير من الدول البترولية، بينما لم تقم هذه الدول بإحلال جيد للعمالة الوطنية محل الأجنبية إلا منذ وقت قريب .

وعندما تتمكن العمالة الوطنية من إشغال المناصب المحلية الفنية التي تتطلب كفاءات وخبرات محددة،غير ان هذه الملاحظة قد لا تكون صحيحة حيث ان العمالة الأجنبية، وطالما تعمل في مشاريع وخدمات مفيدة للاقتصاد القومي فإنها تكون مطلوبة ويمكن الاستفادة منها بشكل كبير في المرحلة الحالية.

ومما يذكر ان اتحاد غرف التجارة والصناعة الخليجية رفض توصية وزراء العمل والشؤون الاجتماعية الخليجيين بتحديد مدة إقامة العمالة الأجنبية بستة سنوات فقط والصادرة خلال الشهر الماضي.

(3) ان الاستخدام الأفيد والأفضل للأموال البترولية المتزايدة يتعين ان يتم في شكل مشاريع إنتاجية كبرى تبدأ فورا في الدول البترولية على ان تستطيع بعد سنوات قليلة توفير المنتجات المحلية التي تستوردها هذه الدول حاليا من الخارج.

وهذه المشاريع الكبيرة هي التي ستؤدي إلى تغيير شكل الواردات من سلع استهلاكية إلى سلع استثمارية ووسيطة وخبراء فنيين وتكنولوجيا إنتاجية، كما ستفرض التنوع الاقتصادي في هذه الدول فلا تعتمد فقط على الحصيلة البترولية كما يحدث حالياً وإنما تعتمد على القطاعات الاقتصادية الأخرى من صناعة وزراعة وخدمات وطرق وكبارى وبنية تحتية مطلوبة.

وهو ما يعتبر فعلا إعادة هيكلة لاقتصاديات الدول البترولية وإعادة تنظيم اقتصادي لهذه الدول بحيث تبني الأساس القوي للأجيال القادمة وفي نفس الوقت يكون للأجيال الحاضرة نصيب فيها.

(4) بلغت الاحتياطيات النقدية الرسمية للدول العربية في عام 2003 حوالي 170 مليار دولار أميركي أي ضعف ما كانت عليه عام 1998، كما ان الفوائض المالية التي قدرت في الدول العربية نتيجة لارتفاع أسعار البترول في السنتين الأخيرتين بلغت حوالي 400 مليار دولار أميركي.

وهذه الاحتياطيات والفوائد المالية يستثمر اغلبها في أوراق مالية أجنبية (أسهم وسندات وأذون خزانة) وهو ما يؤدي إلى تخفيض الفائض الكلي في موازين مدفوعات هذه الدول.

حيث يعاد إدراجها في موازين المدفوعات في جانب المعاملات الرأسمالية، وهو ما يؤدي إلى استفادة الدول المتقدمة التي يسفر موازين مدفوعاتها عن عجز كبير ومن أولها الولايات المتحدة الأميركية التي يحقق ميزان مدفوعاتها عجزاً كبيراً منذ سنوات.

ولتغيير هذا الوضع وتحسين الأوضاع الاقتصادية في الدول العربية فانه يتعين ان تقوم المؤسسات المالية الكبرى في الدول العربية بتنظيم طروحات كبرى من سندات إنتاجية تطرح في كافة الدول البترولية بفوائد وشروط مناسبة لجلب المستثمرين العرب، حكومات وقطاع عام وقطاع خاص ورجال أعمال.

(5) وبينما تطالب الحكومات العربية بالاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي ويضغط بذلك بعض الدول الأجنبية، فان الأموال البترولية الفائضة والناتجة من ارتفاع أسعار البترول يتعين ان يكون لها النصيب الأكبر في تنفيذ هذا الإصلاح.

حيث ان الإصلاح لا يتم نظرياً ولا بمطالبات ولا بمؤتمرات ولكن بمشاريع حيوية تبدأ بالاستثمار المباشر الذي يعالج البطالة التي تبلغ ما يقرب من ثلاثين مليون نسمة (عشرة في المئة من إجمالي سكان المنطقة العربية) كما يعالج الفقر حيث يبلغ عدد السكان العرب الذين يعيشون على ما يقل عن دولارين في اليوم حوالي 20 % من إجمالي السكان أي ان البطالة والفقر.

وهما يقربان من حوالي ثلث سكان العرب لن يتم معالجتهما إلا بإنشاء مشاريع إنتاجية وبالأموال العربية الفائضة في الداخل والمستثمرة في الخارج، وبذلك يبدأ الإصلاح العربي الفعلي حيث يستطيع كل مواطن العيش بدخل مناسب يدفعه إلى إمكان المساهمة بدور قومي مطلوب بعيدا عن الهامشية التي يعيش فيها حيث يركز كل وقته في البحث عن قوت يومه.

(6) يتعين ان يكون للحركة التعليمية والتدريبية والعلاجية والخدمات الأخرى نصيب في أموال البترول الفائضة، تبدأ بمحو الأمية حيث تبلغ نسبة الأمية في خمس دول عربية ما يقرب من نصف السكان وان كانت تكاد تنعدم في حوالي أربع دول عربية، كما ان معدل الوفيات يصل إلى ما يزيد على عشرة في الألف من السكان في حوالي أربع دول عربية .

وهو معدل من اكبر المعدلات في العالم، ويرجع ذلك إلى نقص عدد المدارس والمستشفيات والمصحات ومياه الشرب النقية (التغذية الصحية) وهو ما يبرر أهمية تشكيل مجموعة عمل عن طريق جامعة الدول العربية لحصر متطلبات الدول العربية من المدارس والمستشفيات ودور العلم الأخرى وحتى الجامعات.

وذلك لوضع خطة استثمارية شاملة لمواجهه هذه المتطلبات، وعلى ان يتم تمويلها من الفوائض البترولية وبالشكل الذي يحفظ الحقوق المعنوية للدول وللمستثمرين العرب الذين يمولون هذه المنشآت، اما الحقوق المادية فيمكن الحصول عليها خلال السنوات القادمة والتقسيط المناسب.

إن الدول العربية البترولية يتعين عليها أن تنسق جهودها لمراعاة عدم إهدار الفوائض البترولية واستخدامها في مشاريع تستفيد منها الأجيال الحاضرة والأجيال القادمة.

وحتى لا تكون هذه الفوائض نقمة على هذه الدول ان لم تبثها في المسارات التنموية المضمونة لصالح المنطقة العربية التي يمكن تحويل شعوبها إلى شعوب متقدمة تحافظ على تقدمها ولا تكون مثل الدول الآسيوية التي قفزت قفزات اقتصادية سريعة ثم انهارت فجأة في منتصف عام 1997 لأنها لم تنفق أموالها في الأماكن الصحيحة.

ـ كاتب اقتصادي مصري