يتصف الاقتصاد العربي بتكامل في الموارد والهيكلة والعناصر التي تضمن نجاحه وتفوقه، فالاقتصاد العربي يتمتع بتنوع كبير في الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والمناخ والموارد المائية والإمكانات المالية المحفزة والجاذبة للاستثمار.
وإن لكل بلد موارده وخصائصه المميزة التي على أساسها يحدد نوع وحجم الاستثمار المباشر، وتحتاج التنمية الاقتصادية المتواصلة إلى حوافز للاستثمار طويل الأجل، والتكامل بين التكاليف البيئية والأنشطة الاقتصادية، وإن المفتاح الرئيسي لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة هو خلق اقتصاد ثابت ومستقر في الدول المستقبلة للاستثمارات.
ويعرف الاستثمار المباشر بأنه ذلك الاستثمار الذي ينطوي على علاقة طويلة الأمد تعكس مصالح دائمة وقادرة على التحكم الإداري بين الشركة الأم التي تنتمي إليها الشركة المستثمرة (المستثمر الأجنبي) ووحدة إنتاجية أو شركة في بلد آخر المستقبل للاستثمار، إذ يشمل الاستثمار الأجنبي المباشر على امتلاكه على حصة في رأس المال عن طريق شراء أسهم في الشركة التابعة ولا تقوم بتوزيعها لحملة الأسهم.
أو عن طريق الائتمان بشكليه القصير والطويل الأمد، وهناك استثمار غير مباشر يتم عن طريق شراء أوراق مالية لشركات تسهم في النشاط الاقتصادي المباشر لغرض جني الأرباح عن طريق البيع.
وتتزايد أهمية الاستثمار الأجنبي بنوعيه المباشر وغير المباشر في تمويل التنمية، وتوطين التكنولوجيا، وترسيخ العلاقات الاقتصادية العالمية.
لذلك تعد الاستثمارات الأجنبية المباشرة مؤشراً دقيقاً نسبياً مقارنة بنسب التجارة الخارجية يحدد من خلالها درجة انفتاح مجتمع ما على العالم الخارجي واتجاهه نحو العولمة، وخلق فرص عمل جديدة، والإسهام في تنمية القدرة التنافسية التصديرية.
وتسعى الدول النامية من أجل تسليح ذاتها في مضمار التنافس التجاري إلى جذب الاستثمار الأجنبي للاستفادة بأكبر قدر ممكن من رؤوس الأموال والخبرات الأجنبية في مختلف الأنشطة وخاصة مجالات التكنولوجيا والتي تفتقر إليها رغم أهميتها في دفع عجلة التنمية الاقتصادية لأي دولة نامية.
بالإضافة إلى ما نتوقعه من مردود الأموال في علاج العديد من المشكلات الاقتصادية مثل تنشيط حركة الإنتاج، وإيجاد حلول لمشكلات اجتماعية كالبطالة مثلا، وتبرز أهمية الاستثمارات البينية لدول مجلس التعاون كونها من العوامل التي تعزز التكامل الاقتصادي بينها، فالرغبة تتعزز في جذب الاستثمارات المباشرة إلى الدول التي لديها فائض في الموارد.
والحاجة تتزايد في الاستثمارات التي يمكن تمويلها من المدخرات، وكذلك من عودة رأس المال العربي المهاجر والذي يتطلب حوافز وجهوداً أكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر للشركات الأجنبية.
ولكون الخصائص الطبيعية والاقتصادية متشابهة في المنطقة، فإن هناك ضرورة تستدعي الدول المعنية بتنسيق سياساتها المتعلقة بالاستثمار الأجنبي لتجنب المنافسة فيما بينها في استقطاب الاستثمارات الأجنبية.
ولكي يمكن الاستفادة من الميزات النسبية لكل منها في تحقيق التكامل الاقتصادي. إذاً لا بد من التنسيق الموحد في تحديد المجالات الاستثمارية التي تتماشى مع متطلبات التنمية والتي تعود بفائدة شاملة لدولها.
إن استقطاب الاستثمارات الأجنبية يحقق نقل التقنية المطلوبة مما يتيح تبنيها من قبل القطاع الخاص، وإن العمل من خلال التكامل الاقتصادي بينها يعمق استخدام وإضافة تقنيات جديدة أخرى، حيث يؤدي العمل التكاملي إلى تخفيض التكاليف المتعلقة بالإجراءات، ويحقق الاستفادة من مزايا الإنتاج الكبير فيها.
كما أن نقل التقنية وتنميتها لا يتحقق من خلال تشجيع الاستثمارات الأجنبية وحده، بل يتم من خلال تحرير التجارة، ودعم قدرات القطاع الخاص في الحصول على تقنية حديثة منافسة للسلع الأجنبية، وإن استمرار عملية نقل التقنية وتنميتها يتطلب حتما حماية حقيقة لحقوق الملكية الفكرية.
وبملاحظة حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة إلى دول التعاون خلال العقد الأخير، نجد تذبذباً في معدلاتها، الأمر الذي يعكس توجهاً غير مستقر للاستثمارات الأجنبية نحو دولها، الأمر الذي يعود إلى التوسع في زيادة الاستثمار في أنشطة نفطية أو غازية أو إسمنتية ليس لها صفة الاستمرارية.
وفي هذا الشأن وافق المجلس الأعلى لدول التعاون في دورته العشرين على إلغاء شرط الملكية الوطنية الوارد في الاتفاقية الاقتصادية الموحدة كشرط لاكتساب صفة المنشأ الوطني، واحتفظ بشرط ينص على ألا تقل القيمة المضافة الناشئة عن إنتاج السلعة في هذه الدول عن 40% من قيمتها النهائية.
ويعد هذا محفزا لتحقيق التواؤم بين النظام الموحد لحماية المنتجات الصناعية ذات المنشأ الوطني بدول المجلس وقواعد المنظمة الخاصة بتحديد شهادة المنشأة وتشجيعاً للاستثمار الأجنبي.
وتعد الإمارات اكثر انتقاء في اختيارها للاستثمارات المباشرة مرتكزة بالدرجة الأولى على ما تتمتع به من إمكانات تصديرية، وسرعة تنفيذ وتطبيق ما هو مستجد من التكنولوجيا، والاختيار الأفضل لنوعية العمالة.
وقد برزت من خلال الإصلاحات الهيكلية المتعلقة بالاستثمار المباشر، فأنشأت عدة مناطق جديدة للتجارة الحرة عززت من خلالها مكانة الإمارات كمركز مالي للتجارة والأنشطة المالية المتنوعة.
وكذلك كان للمرونة في التعامل في اختيار المشروعات العقارية المعينة دور كبير في إنجاز الكثير من الأنشطة العقارية المتميزة، ويبرز ذلك من خلال الدور المحتمل لتكنولوجيا المعلومات في جذب معدلات متزايدة من الاستثمار الأجنبي إلى المنطقة.
مما يساهم في خلق فرص عمل جديدة جراء ذلك التوسع المتسارع لحجم سوق المعلومات، فضلا عن نشر خدماتها والتدريب عليها، يضاف إلى ذلك عامل جذب يتمثل في التركيب الفئوي للشباب المواطنين المؤهلين للعمل. ولعوامل جذب الاستثمار المباشر تحديات لا بد من دراستها ومواجهتها منها:
تحرير الاقتصاد واتخاذ الخطوات الكفيلة بتحرير السوق بما في ذلك سوق العمل، بالإضافة إلى أولويات أخرى مهمة مثل الشفافية للعمليات الاقتصادية والمعاملات المصرفية .
وتقديم التسهيلات اللازمة للشركات، كما يسعى المستثمرون الأجانب إلى الحرية المتاحة في إعادة توزيع المكاسب، فالقيود التي تقف حائلا أمام خروج المال من البلد تشكل عامل إحباط وطارداً أساسياً للشركات الأجنبية.
ويأتي بعد ذلك التحدي الآخر وهو تحقيق نسبة تضخم منخفضة وسياسة مالية هادفة لتفادي الوقوع في اتساع رقعة الائتمان، فالتضخم المنخفض يعني نسبة فوائد منخفضة وعلاقات صناعية جيدة وأسعار صرف مستقرة، وأن المستثمرين الأجانب يعتبرون التضخم المنخفض أساس بناء اقتصاد السوق.
وتتحقق البيئة المناسبة للاستثمار الأجنبي المباشر عن طريق القضاء على معوقات الاستيراد والتصدير، بالإضافة إلى السعي نحو خصخصة الصناعات الحكومية غير الناجحة المتخمة بالعمالة وتطوير معايير المحاسبة لكي تتماشى مع المعايير الدولية.
والوصول إلى تحقيق الشفافية المبتغاة في الشركات والمؤسسات المالية، وإزالة المعوقات أو القيود على تحويل العملات. هذه رغبات المستثمرين الأجانب في الدول التي يرغبون الاستثمار فيها، والسؤال ما هي العناصر الواجب توافرها عند اتخاذ قرار جذب الاستثمار المباشر؟
في الواقع هناك عدة عناصر من أهمها عنصر الاستقرار الذي يهتم به المستثمر الأجنبي بدرجة رئيسية ويعد أكثر أهمية من العناصر الأخرى كما أن ثقة المستثمر المتأتية من المعلومات الإحصائية الواضحة والنظم البنكية ذات الشفافية العالية تترك انطباعا مهما لديه.
ومقابل ذلك هناك عوائق تحد من تحفيز المستثمر الأجنبي للاستثمار، منها صعوبة الإجراءات، وعدم توفر عنصر الشفافية وشمولية الأنظمة والقوانين المتعلقة بفض المنازعات.
وعلى الرغم من أن عدداً من دول المجلس تسعى إلى إزالة هذه العوائق، إلا أن طمأنة المستثمر الأجنبي حول سلامة رأسماله وحماية حقوقه تستدعي عملاً حثيثا في هذا الاتجاه.
كما أن سرعة مناقلة الأموال يستوجب تسهيل الإجراءات الإدارية والنظامية المتعلقة بإمكانات دخولها وخروجها والحصول على الميزات الاستثمارية نفسها التي يحصل عليها المستثمر المحلي.
E-mail: Kutaiba @ emirates .net .ae
ـ باحث اقتصادي