كانت شميلة بنت أبي حياء بن أبي بهر من أجمل نساء زمانها فولعت بابن عم زوجها نصر وولع بها وزاد حبهما فأخفياه. وكان زوجها مجاشع بعيداً عنهما فكتب لها نصر في الأرض: أحبك حباً لو كان فوقك لأظلك أو تحتك لأقلك فقالت بلفظ خفي وأنا.
ورآهما زوجها فقال ما قال قالت: يقول ما أحسن داركم فقلت: وأنا أيضاً. فقال: يا امرأة!! ما هذا لهذا. وجعل على الكتابة صفحة فحين أصبح دعا غلاما فقرأها، فقال هي طالق.
ولا نحسب أن فؤاد السنيورة رئيس وزراء لبنان، وهو الأكثر علماً بالتنمية من معظم نظرائه العرب، يقصد باستخدام تعبير«التنمية المستدامة» أن هناك تنمية حقيقية في العالم العربي خارج تجربة أو تجربتين ناجحتين في الخليج وحان الوقت للانتقال من هذه التنمية إلى وضع تنموي أكثر تقدما إذ لا توجد في الدول العربية تنمية معتبرة في الأصل لكي ينشغل تفكير العرب بمستوى متقدم من التنمية ولذا انطبق عليها القول «?ما هذا لهذا».
ومن غير المعقول وحال التنمية الحقيقية في العالم العربي على ما هي عليه أن نتحدث عن التنمية في بلد مثل العراق إذا كانت نسبة البطالة فيه 60، ولا يُعقل أن نتحدث عن التنمية في العالم العربي إذا كانت نسبة البطالة الوسطية فيه 30،.
ولا يمكن الحديث عن «ربيع سورية» إذا كانت النسبة الرسمية للعاطلين عن العمل فيها أكثر من20 لذا فإن كل هذا الحديث عن الإنتاج ضباب لأن العاطل عن العمل لا ينتج إلا في صحافة الأنظمة المشغولة بتقديم هذه الصورة الوردية الدائمة لكل شيء ولا عجب في أنها تكثر هذه الأيام من تكرار عبارة تضليل مثل «التنمية المُستدامة».
إن المرء وهو يسمع في المؤتمرات الاقتصادية أن العراق يعتمد على مبيعات النفط لتحصيل 99 من عائدات التصدير والكويت 95 والجزائر 95 والسعودية 90 .
وغير ذلك من حالات معروفة ليتساءل أين هو هذا القطاع الخاص الذي نسمع بوجوده منذ خمسين عاماً ولا نراه إلا ظلاً باهتاً للاقتصاد الحكومي في دول عربية كثيرة، وعالة كبيرة عليه وعلى الناس وحجر رحى كبير حول عنق التنمية التي يستحقها العرب.
وماذا يعني أن تراوح نسبة الاستثمارات الخاصة بين 40 و45 من إجمالي الاستثمارات في بيت العرب يعني أنها نحو نصف النسبة المثيلة في أميركا اللاتينية ونحو 60 من النسبة المثيلة في إفريقيا .
ولا يوجد في العالم اليوم غير إفريقيا مقياساً للهبوط بعد 500 عام من سرقة أبنائها (60 مليوناً من الشباب وربما أكثر لزرع القطن وقطفه ونسجه في الأميركيتين ومثله قصب السكر لانتاج الدبس، والتبغ وغير ذلك من مزروعات وسلع)، ثم استغلال معادنها الثمينة والأساسية ومزارعها الكبيرة لفائدة الشركات الدولية في العصور الأحدث.
ومن يستمع إلى بعض رجال الأعمال العرب لا بد سيستنتج أن هذا العالم العربي مبارك بوجود أكبر عدد من رجال الأعمال العصاميين في الكرة الأرضية كلها على الرغم من اننا لم نسمع بعد بمن طوّر شركة تصنع الأحذية الراقية مثل نايكي أو الملابس الداخلية ذات الجودة العالية.
أو حّفاضات الأطفال أو المثاقب أو إبر الخياطة ناهيك عن شركات مثل مايكروسوفت، أو نوكيا، أو نيسان ومن الممكن بسهولة الالتفاف على أرقام عجيبة مثل هذه وغيرها الكثير، ومن الممكن أيضاً قلب الصورة السوداء إلى صورة مغرقة في الوردية.
والأرقام السلبية إلى إيجابية إذا توافر الخيال الكافي، وهو وفير، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن صادرات العالم العربي خارج نطاق النفط لا تزال ثابتة ثبوت الأجرام السماوية الدائرة حول بعضها بعضاً عند نسبة 10 من الناتج المحلي الإجمالي منذ 20 عاماً وهي نسبة مغرقة في البؤس ودون أداء قطاعات التصدير المماثلة في كل أنحاء العالم.
لماذا لن يقول لنا رجال الأعمال الحقيقة لذا لا يتعجبن أحدكم إن وجد الفرنسيين والألمان يسوّقون اللبن الذي يتصل بالعرب أكثر من أي أمة أخرى فصارت قيمته بالمليارات.
ولا يتعجبن أحدكم أن وجد الشركات الإسرائيلية تسوق الفلافل في أوروبا بوصفها طعام اليهود التراثي، ولا يتعجبن أحدكم إن وجد الشركات الألمانية تصنع البرغل والسميد والكسكسي لبيعه إلى العرب في أوروبا، أو الشركات اليونانية التي تبيع الحلاوة وراحة الحلقوم وورق العنب المحشو بالرز.
وكثيرون من رجال الأعمال العرب يشتكون من القوانين في بلادهم كي لا يعترفوا بأن تلك القوانين هي التي أتاحت لهم جني مئات المليارات. وكثيرون يدّعون أن السبب هو عدم وجود الديمقراطية في بلادهم وكأن الشركات الكورية الجنوبية أو الصينية صارت شركات عالمية لأنها ترعرعت في أحضان الديمقراطية.
إن الناتج الإجمالي للتخلف الاقتصادي العربي ليس مسؤولية الأنظمة فقط، فرجال أعمال كثيرون يشاركون الأنظمة المسؤولية في عملية الاستنامة الاقتصادية فانظروا الآن إلى النتيجة التي لا يريد أحد الاعتراف بها:
إذا كانت نسبة النمو الوسطية للناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية ككل بحدود 2 سنوياً فهو اليوم 1,790 مليار دولار. وإذا كان متوسط معدل التضخم في الدول العربية 3 سنوياً فإن نسبة نمو الناتج المحلي سلبي.
وبما أن التعريف الاقتصادي للركود هو تلاحق فصلين متواليين من تسجيل معدل نمو سلبي في الناتج المحلي الإجمالي فإن العالم العربي يعيش في العموم واحدة من أطول مراحل الركود في العالم إذ تزيد الآن على21 عاماً.
وتوجد نقطة بيضاء ساطعة في اقتصاد مثل اقتصاد امارة دبي لا يمكن الجدال في حقيقتها لكن نجماً واحداً لا يضيء السماء.ولا توجد في لائحة أول 29 دولة في العالم من جهة ناتجها المحلي الإجمالي دولة عربية واحدة مما يعني أنها وراء دول مثل تايلاند وتركيا وجنوب إفريقيا وبولندا وباكستان.
زيمبابوي مثلاً تتقدم في قيمة ناتجها الإجمالي دولاً مثل قطر ولبنان واليمن والبحرين. كل الدول العربية حتى بالأرقام التي تقدمها الحكومات (6,1 تريليونات دولار) لا تزيد في ناتجها المحلي الإجمالي عن البرازيل إلا قليلا(5,1 تريليونات دولار) .
إن المخاطر الاقتصادية التي تتهدد العالم العربي خلال ربع القرن المقبلهائلة لأن الناتج التراكمي الإجمالي للفساد في القطاعين العام والخاص هائل هو الآخر.
وفيما يجهد بعض رجال الأعمال العرب لنقل الأموال العربية إلى الخارج فإن ما بقي في بيت العرب لا يكفي لتوفير استثمارات يمكن أن تصل إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي الراهن لخلق فرص العمل الجديدة لأكثر من 25 مليون نسمة سينضمون إلى جماهير الباحثين عن العمل بحلول عام 2010.
وإن استنهاض الهمم العربية الهابطة وتطوير مهارات جيل جديد من رجال الأعمال الناشئين الواثقين بأنفسهم وبأمتهم العربية والإسلامية وبقدرها العظيم والدعوة إلى إزالة الحواجز التجارية بين الدول العربية وتنشيط توظيف الأموال وفتح الأبواب المغلقة أمام الاستثمار المحلي والإقليمي والدولي.
والتركيز على الخلق والابتكار لتطوير الفرص الواعدة جزء مهم من كوكبة الشروط التي يجب توفيرها لمساعدة العالم العربي على الخروج من تخشّبه الاقتصادي الذي لا يوجد له مبرر بشري أو مادي أو تسويقي.
وإن علاج هذه السموم التي تشبّع منها الجسم العربي هو الترياق الذي يمكن تطويره من هذه السموم نفسها بوقف جهود تهبيط الهمم، والتوقف عن تجهيل الجيل الجديد، والكفّ عن إقامة الحواجز.
وتجنّب نقل أموال العرب إلى خارج بلاد العرب ما لم تكن لاستثمارات حقيقية منتجة، والامتناع عن سدّ كل باب ونافذة لخنق الالتزام والإبداع وعرقلة صنع الفرص.
adel@bishtawi.com
ـ كاتب ومحلل اقتصادي