أنتج في العام الحالي ما يزيد بقليل على الأربعة آلاف فيلم روائي سينمائي في العالم، حصة العالم العربي والإسلامي منها لم تتجاوز الواحد والنصف في المئة، إذ اننا لا نزال لا نفقه أهمية صناعة الصورة المرآة التي لا تمكننا من رؤية أنفسنا وأن يراها الآخر، بدل الاهتمام بالتلصص على الآخرين وصورهم، لننتقد عيوبهم على مرجعية أن لا عيوب فينا ولا هم يحزنون.

في مصر «هوليوود العرب» كما يحلو للبعض أن يسميها، سيطرت إلى حد ما على إنتاجات هذا العام، أفلام الموجة الكوميدية والغنائية باستثناءات قليلة أبرزها فيلم «بنات وسط البلد» للمخرج محمد خان عن قصة وسيناريو وسام سليمان وبطولة هند صبري، خالد أبو النجا، منة شلبي، محمد نجاتي، بدأ عرضه منذ أسبوعين ويحقق إيرادات مقبولة، وقليلة إذا ما قورنت مع فيلم «بوحة» الكوميدي الساذج الذي حقق إيرادات عالية ترك بطله محمد سعد يعتقد بأنه بالفعل ممثل قدير مع أنه يكرر نفسه ويعيد تقديم شخصية «اللمبي» على الدوام.

يلي هذا الفيلم في المستوى الرديء ذاته «زكي شان» بطولة أحمد حلمي، وإخراج وائل حسان وقصة محمد فضل، بمقابل فيلم «خالي من الكوليسترول» بطولة أشرف عبدالباقي الذي قدم فيلمين هذا العام إلى حد كبير مقبولين، شريطه الثاني «أريد خلعاً» إلى جانب حلا شيحا وشريف رمزي وانتصار، وإخراج أحمد عواض، وعلى منوال عبدالباقي قدمت الفنانة عبلة كامل دورها الجيد في «سيد العاطفي» بعد سقوطها في «خالتي فرنسا».

وعلى عكسها غادة عادل من إخراج مجدي الهواري قدمت فيلماً متدنياً بمستوياته جميعها تحت عنوان «عيال حبيبة» في قصة مستعادة حول صحافية تبحث عن كشف الفساد..إلخ.. من استعادات هي سمة ملاصقة للأفلام العربية عامة والمصرية خصوصاً، وهذا ما شاهدناه أيضاً في «فرحان ملازم آدم» عن عودة الشخصية الصعيدية لتصدم بواقع المدينة المعاكس لبراءة الريف، من بطولة لبلبة وفتحي عبدالوهاب وإخراج عمر عبدالعزيز، يتدرج خلفه رداءة الأفلام التالية «جاي في السريع» إخراج جمال قاسم.

و«حمادة يلعب» إخراج سعيد حامد، و«معلش احنا بنتبهدل» إخراج شريف مندور، و«الحاسة السابعة» إخراج أحمد مكي، و«أحلام عمرنا» إخران عثمان أبو لبن، و«السيد أبو العربي وصل» إخراج محسن أحمد، و«بحبك وبموت فيك». إخراج سيد عيسوي، و«أنت عمري» القصة المأساوية المعروضة بالأسلوب البكائي القاتل العربي إخراج خالد يوسف.

و«يا أنا يا خالتي» بطولة محمد هنيدي وإخراج سعيد حامد مطلق الأفلام الكوميدية هو المسيطر على شباك التذاكر. وهو لا يترك وسيلة لأصحاب السينما الحقيقية لأن يرفعوا له يده من مجالات الفن السابع.

* مطربون يحتكرون الشاشة الفضية

البعض من مطربي الجيل الجديد يقفزون إلى مساحة الفن السينمائي عنوة. فمن ينجح في الغناء يجب أن ينجح في كل المجالات الفنية الأخرى. ويضربون بذلك بكل القواعد والأصول المتبعة. والغريب أن هذه الموجة ليست مستوردة بل نابعة من عندنا. إذ ليس من مطربي «الغرب» من يستطيع الصعود إلى الفن السينمائي.

فالفيديو كليب يشبع رغباتهم في هذا المجال ويركزون أكثر على أعمالهم الموسيقية واستعراضاتهم على المسارح وداخل «الكليبات» على عكس مطربي العرب الذين يتعاملون مع الكليب كـ «فيلم» مع أنه ليس كذلك على الإطلاق. لانه لا يخرج عن إطار «الشو» الاستعراضي، ومن ثم يعتبرون أنفسهم من ذوي الاختصاص، فشاهدنا «حكيم» في «علي سبايسي» من إخراج محمد النجار، ومصطفى قمر في «حريم كريم» إخراج علي إدريس.

ومحمد فؤاد في «غاوي حب» ومحمد عطية في «خصوصي» إخراج سامح عبدالعزيز، ويوري مرقدي في «منتهى اللذة» إخراج منال الصيفي، بعضها يقوم على شيء من الاستعراضية وأخرى تبتعد عن ذلك لتقدم للمشاهد قدرات المطرب العربي على التمثيل وقيادة الطائرة وركوب الخيل والمنقذ البطل الذي لا يهزم على الطريقة الهوليوودية، وليس المهم السؤال عن المستوى الفني في هذه المساحة اذ ان السائل والسؤال مغيبان أمام هاجس المنتج التاجر الذي يهمه الربح ليس إلا الانتاجات العربية من مستوى الوسط وما فوق.

إلى جانب «بنات وسط البلد» الجيد، يأتي شريط «الباحثات عن الحرية» الحائز على جائزة أفضل فيلم من مهرجان القاهرة السينمائي من إخراج إيناس الدغيدي التي تثير جدلاً بأعمالها الجريئة، والتي تطرح قضايا تخرج من المعاش بأسلوب يحوز على كل الشروط الفنية والتقنية السينمائية.

تدور قصة الفيلم حول ثلاث نسوة يبحثن عن الحرية الفردية خارج أوطانهن ومن ثم يعدن إلى مسقط رؤوسهن كتب القصة والسيناريو رفيق الصبان في حبكة دقيقة ومشبعة بالالتباس الذي قدمته المخرجة في لغة سينمائية عبقرية.

«باب الشمس» فيلم يسري نصرالله عن رواية الكاتب إلياس خوري بالاسم ذاته، تدور أحداثه حول المأساة الفلسطينية بكل أبعادها الإنسانية والاجتماعية، حيث الرجل المقاوم وامرأته المتمسكة بالأرض يلتقيان بعد فرقة في مغارة «باب الشمس» الفيلم ملحمي كما هي الرواية والسيناريو الذي ساهم في كتابته السينمائي اللبناني محمد سويد.

من بطولة باسل خياط وحنان الحج علي وباسم سمرة وماهر عصام، أدارهم جميعاً نصرالله بتقنية عالية في كوادر وتصوير وإضاءة وتوازن ألوان ورموز جاءت كلها على قدر هائل من نجاح نفتقده كثيراً في دور السينما العربية والذي هو في «باب الشمس» يتساوى إلى حد بعيد مع السينما العالمية الناجحة.

ومن فلسطين أيضاً قدم المخرج هاني أبو أسعد «الجنة الآن» الحائز على جائزة أفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته الـ 55 واختارته اللجنة المنظمة لمهرجان دبي السينمائي الدولي ليكون فيلم الافتتاح. وإلى جانب فيلم «الانتظار» من إخراج سعيد مشهراوي حول السأم من الانتظار للإنسان الفلسطيني لأن يعود إلى أرضه المحتلة.

قدم نضال الدبس فيلمه البكر في مهرجان دمشق السينمائي الدولي «تحت السقف» المضجر والذي يعبر عن هنة تقع فيها السينما السورية أحياناً، وهي الفرق في تقليد السينما الروسية، فاستخدم الدبس في شريطه من دون ورع رمزيات وإيماءات نقلها عن أندريه تاركوفسكي «سيد الشعر» في السينما، مما أوقع فيلمه في ضجر قاتل وإطالة لم تخدم ما أراد قوله.

والفشل نفسه حالف اللبنانية جوسلين صعب في فيلمها «دنيا» حول الختان في مصر، الفيلم الذي أثار بعض الكتاب في بلد «الحكاية» لأسباب محقة تارة وأخرى لا تستحق الذكر.

فالذين اعتبروا أنه لا يحق لمخرجة ليست مصرية أن تحكي عن شيء مصري وقعوا في فخ العنصرية والشعوبية التافهة. مع ان الفيلم لم يلامس مستوى الوسط بقصته وفنيته وإخراجه. ومن هذه الزاوية فقط على النقد أن يقف بقوة. وليس من زاوية أخرى تدل على خواء مللنا من التمسك به «حرب أطاليا» بطولة أحمد السقا من مستوى متوسط مع انه يستخدم أساليب السينما الغربية.

وبالمستوى ذاته يأتي «ملاكي اسكندرية» إخراج ساندرا نشأت وبطولة أحمد عز، يعتمد أسلوب «حرب أطاليا» نفسه في محاكاة الأفلام الغربية والتغريد خارج إطار السينما المفترض أن تحمل قضايانا وقصصنا الاجتماعية، لا أن نقلِّد سينمات أخريات بالتأكيد تحمل قضاياها الخصوصية التي كلما غرفت منها (أي الخصوصية) كلما بلغت العالمية والعكس ليس صحيحاً.

يبقى الكثير المفترض ذكره من إنتاجات العام، نتركه لمجال آخر تباعاً. ولا بد من ذكر فيلم «باب المقام» للمخرج السوري محمد ملص على الرغم من أنه يتقاسم مع أفلام أخرى ذكرناها آنفاً الريادة والنجاح.

حسين قطايا