تعتبر موسكو الآن أكثر أسواق السلع الفاخرة نمواً في العالم، حيث تمثل حقائب هيرمز، وخواتم كارتييه، وسيارات الرينج روفر الفخمة، جزءاً من المشهد العام للمدينة، وحيث تشتري روائع فن القرن التاسع عشر الروسية، لتقديمها هدايا شكر وعرفان، لأصحاب الحظوة من البيروقراطيين الذين يقدمون الوسائط ويقضون الحاجات.
فلقد أصبحت مزادات العاديات التي ظلت مجهولة عقوداً عدة مشهداً مألوفاً، كما ازداد الطلب على المقتنيات الأثرية، مثل الأوسمة القيصرية والخزفيات التي سبقت العصر السوفييتي كنوع من الاستثمار أو لتقديمها هدايا.
ولقد راحت شخوص خزفية لرواد شبان من العصر السوفييتي، سيما كشافة شيوعيين، وعمالاً ذوي عضلات مفتولة وعاملات الملابن، وراقصات الباليه في الأرابيسك.
وتباع بعدة مئات من الدولارات، ولم تكن الدعاية أقل حظاً، وكان أحدثها اقتناء أطباق خزفية دمغت بالشعارات السوفييتية ولم تغب عن البال، ميداليات القديسين التي مجدتها روائع الأدب.
تشيكوف كتب رواية بعنوان »أنا حول عنقك« والتي تحولت الى هدايا قيمة وكذلك نوط سانت فلاديمير، وهو صليب روسي من الذهب الخالص يعود إلى القرن التاسع عشر، حيث وصل ثمنه إلى 15.000 دولار، أما سانت بوريس فهو من الأنواط النادرة، والحصول عليه دونه خرط القتاد، حسبما اكتشف المتعاملون في عهد الرئيس بوريس يلتسين.
أما الشارات، فحدث ولا حرج، وهي هدايا تزداد شعبية، خصوصاً لكبار الساسة، فقد كان العرف السائد في روسيا، في منصرم القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، وبعد الحصول على موافقة الأمبراطور، ارتداء شارات تمثل الجامعة أو المدرسة أو الوحدة العسكرية.
غير ان الشارات، أضحت الآن شديدة الندرة، فلقد كان من المخيف، ومن الخطورة، الاحتفاظ بشارات العهد القيصري، أو أنواطه، إبان العهد السوفييتي. ما اضطر الكثيرين إلى صهرها، ففي نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، أعدم جميع الضباط المعروفين، وكان القتل والتنكيل، مصير كل من تضبط في حوزته مثل تلك الشارات. ومع استعادة الروس لماضيهم، طوّر المقتنون اهتماماتهم.
وشهدت أسعار الخزفيات الروسية ارتفاعاً شاهقاً، منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، وانبثقت نوادي المقتنين الروس في فنلندا وبريطانيا والولايات المتحدة، أما القطع النادرة التي يقبل المقتنون على جمعها، فتتمثل في الرواد الشبان.
وراقصات البالية، أمثال غالينا أولانوفا، والأشكال الحيوانية، وكان الثوار السوفييت الأوائل، وجدوا في الخزفيات، منابر يومية لبث الأفكار.
وسرعان ما استبدل اسم مصنع الخزف الأمبراطوري في سانت بترسبورغ، باسم مصنع لومتوسوف، أحد أشهر العلماء الروس، وما لبثت أطباق لوموتوسوف أن حملت شعار »من لا يعمل لا يأكل«، حيث يباع الطبق الواحد منها حالياً بألف دولار.
لقد كانت الصور الخزفية، قبل الثورة الروسية عام 1917، تمثل شخوصاً قيصرية، أو مجموعات عرقية في ملابسها التقليدية، وبحلول الواقعية الاشتراكية، تغيّر الأسلوب.
فقد صمم تمثال لعامل مهووس يحمل شعار »خطة الخمس سنوات في أربع«، من قبل ميخائيل أداموفتش عام 1930، في مصنع دوليوفو، وخلال الحرب الكونية الثانية، ظهرت أطباق مائدة مزدانة بجملة »معركة ليننغراد الكبرى«.
وما زال في وسع الباحثين عن الهدايا، يجدون قطعاً معدنية سوفييتية، أو انها تعود لما قبل العهد السوفييتي، بالإضافة إلى الأوسمة والقطع الخزفية، لكن المشترين مطالبون بالحذر، فالمعلومات الموثوقة صعبة المنال، والشراء ليس سهلاً، وينصح أحد كبار المقتنين الروس هؤلاء بعدم الاستعجال، واللجوء إلى المساومة، والتأكد من الحصول على تقييم خبير في تلك الأمور.
لا شك أن العثور على خبير يزيد الأمور تعقيداً، لكن ذلك ممكن، وعلى المشترين الاطلاع على أنظمة التصوير، حيث أن بعض القطع الأثرية الثمينة لا يمكن إخراجها خارج البلاد.
ترجمة وائل الخطيب