تتذكر »أوليفيا لوم« ردة فعل رئيسها، لحظة إبلاغه أواخر ثمانينات القرن الماضي بنبأ استقالتها، الذي نزل عليه كالصاعقة، فقد أرادت »لوم« ترك وظيفتها كفنية كيميائية في غلاسكو، كما كانت الشركة معروفة آنذاك، لتأسس شركتها الخاصة.

سارعت »لوم« إلى بيع سيارتها وشقتها الصغيرة، واستثمرت حصيلة المبلغ، في شركة لمعالجة المياه أطلقت عليها »هاي فلكس«. وبعد انقضاء خمسة عشر عاماً، أضحت هاي فلكس، أكبر شركة من نوعها في جنوب شرق آسيا، وقد سميت الآنسة لوم، أغنى سيدات الأعمال في المنطقة من قبل مجلة »فوربس«.

لقد تحولت لوم، إلى نموذج للروح الاستثمارية في المدينة الصغيرة، التي تتمتع بصفات الدولة، والتي تهيمن على اقتصادها شركات أجنبية متعددة الجنسية، وشركات أخرى حكومية.

إن ما ميز »لوم«، هو نشأتها البائسة، التي عصرتها الآلام والدموع، فقد رمتها الأقدار بعد أن نبذها الأهلون، في كوخ من الصفيح، ترعرعت فيه بصحبة عدد آخر من الأيتام، على يدي أرملة عجوز في ولاية بيراك الماليزية.

وما إن بلغت سن الحلم، حتى شجعوها على الارتحال إلى سنغافورة لاستكمال دراستها الثانوية، علّ وعسى أن تطرق أبواب الجامعة وبعد حصولها على الشهادة الجامعية في الكيمياء، من جامعة سنغافورة الوطنية، التحقت بصفوف غلاسكو.

حيث أصبحت مولعة بمعالجة المياه، من خلال انشغالها في المساعدة في تطوير نظام لمصنع الشركة في سنغافورة، وعن ذلك قالت »لوم«، لقد شهدت ذلك كصناعة سطعت شمسها، لأن العديد من الشركات كانت بحاجة لمثل تلك الأنظمة، نظراً لأن الحكومات، كانت تسعى لفرض أنظمة مشددة للحد من آثار التلوث.

وبعد مغادرتها غلاسكو في التاسعة والعشرين من عمرها، أسست هاي فلكس عام 1989، لتوزيع معدات معالجة المياه، على الشركات المحلية. واستغلت خلفيتها الكيميائية لتطوير تقنيات جديدة لتنقية المياه العادمة، ومازالت رئيسة لدائرة البحوث والتطوير.

وقد تحدثت عن حالة العوز، والفاقة التي عاشتها قائلة، كنت لا أملك شروى نقير، لا مال عندي، ولا أنيس، وعانيت الأمرين في كسب ثقة الآخرين، كوني صاحبة شركة صغيرة، وتضيف، آليت على نفسي تأسيس عمل ناجح، وهذا هو الدافع الذي يحفز الناس.

وبعد أن باعت لوم سيارتها، استخدمت دراجة للتوجه إلى العملاء المحتملين، والفوز بطلبات لمشاريع صناعية صغيرة.

ولم تخش بأساً في الانطلاق إلى الأجواء العالمية، ففي أوائل تسعينات القرن الماضي، ألقت رحلها في الصين، وعملت على إقامة صلات مع مسؤولين محليين، وباتت الصين تمثل اليوم، أكثر من نصف مبيعات هاي فلكس وأرباحها.

وفي رأيها أن اقتحام سور الصين المبكر، أكسبهم خطوة كبرى على منافسيهم العالميين مثل جنرال الكتريك، وسويز، وقد تحدثت عن ذلك قائلة بأنها شركة تركز على تكنولوجيا تنقية المياه، في حين تمثل معالجة المياه، مجرد رقعة صغيرة من تجمعات أكبر مثل جنرال الكتريك.

وتضيف، صحيح أننا شركة متواضعة وتمتاز بالمرونة، ونظراً لوجودنا في آسيا، فإننا نفهم الثقافة الآسيوية.وأضافت بأن هاي فلكس، تمكنت من استغلال عملها في مشاريع كبرى في سنغافورة، لكسب مشاريع مشابهة في الصين.

ولقد رسخت هاي فلكس أقدامها بثبات في الشرق الأوسط، بتوقيعها عقدين لإقامة مصنعين لتحلية المياه في دبي، غير أن لوم تعتقد أن الهند، ستغدو بنفس أهمية الصين في توسع هاي فلكس.

بالرغم من قولها أن الهند، تتحكم فيها العقلية البيروقراطية.وكانت أكثر الخطوات المالية التي اتخذتها لوم نجاحاً، هي إدراج هاي فلكس عام 2001، حيث يجري التعامل في أسهمها التي تمتلك لوم ثلثها، ويعكس سعر السهم المتفائل، الآمال بأن يصبح قطاع المياه، صناعة عالية النمو، نظراً لندرة الموارد المائية في البلدان النامية.

ولقد أعربت »لوم« مراراً وتكراراً، عن آمالها، في أن تصبح هاي فلكس اسماً تجارياً مرموقاً، أسوة بالخطوط الجوية السنغافورية، وتعتبر بأن قصة صعودها المذهلة، من فتاة يتيمة، عانت من شظف العيش، إلى ما هي عليه من سؤدد.

ساهمت إلى حد بعيد في الاستقبال الذي حظيت به من جانب الإعلام، واهتمام المستثمرين، وتقول ان الصعود الهرمي لهاي فلكس، من شركة صغيرة، جعل الناس يربطون الشركة بشخصها.

وتضيف، بأن قراءة سيرة شخص ما تدفعك إلى معرفة المزيد عن الشركة التي يمتلكها، فالناس يأخذون بالشخصية، وهي ترفض الرأي القائل بأن شخصيتها ساهمت برفع سعر سهمها، ولكنها من جانب آخر أبرزت صورة الشركة في »شاشة الرادار«.

ترجمة: وائل إبراهيم الخطيب