قبيل إشراف عام »نهاية النفط الرخيص« على الانتهاء، قامت المنظمات والوكالات الدولية الرئيسية المعنية بشؤون الطاقة بتعديل توقعاتها بشأن تحركات أسعار النفط ومعدلات نمو الطلب العالمي، وكان الخيط الجامع والمشترك بين هذه التنبؤات.

هو التنبؤ بنمو الطلب العالمي على النفط بوتيرة أكبر بالمقارنة مع توقعاتها السابقة، فضلا عن تنبؤها بتحليق أسعار النفط فوق مستوى 50 دولاراً للبرميل.وتشكك بعض المحللين في مدى مصداقية هذه التنبؤات وتساءلوا عن ماهية المستجدات التي طرأت على أسواق النفط والتي دفعت إلى رفع التقييمات بشأن مستقبل الأسعار، وعلق أحد المحليين بإشارته إلى أن ما تقوم به هذه الوكالات هو سحب الحاضر على المستقبل.

ورغم أن هذه الأرقام تقل كثيرا عن المستوى القياسي الذي سجلته أسعار النفط في 30 أغسطس والبالغ 70.85 دولاراً للبرميل، إلا أنها تعكس من وجهة نظر بعض المحلين التحولات الضخمة التي شهدتها أسواق النفط خلال العام.

والتي دفعت الأسعار إلى الارتفاع بنسبة تزيد على 40% على مدار عام 2005، وبالتالي شهد العام بلوغ النفط مستويات سعرية لم يشهدها من قبل ومنذ بداية عام 1981. وهو الأمر الذي أذن بنهاية عصر النفط الرخيص.

ويعتبر تحليق السعر فوق 50 دولاراً للبرميل بمثابة السعر المقبول للمنتجين والمستهلكين. ويلفت هنا بعض المحللين الانتباه إلى أداء أوبك المتميز خلال العام، الأمر الذي عزز مصداقيتها لدى المستهلكين والمنظمات الدولية، خاصة فيما يتعلق بسعيها إلى الحفاظ على استقرار الأسعار.

وجاء رفع التقييمات لأسعار النفط، في وقت تشهد فيه الأسواق تراجعا في الأسعار عن مستواها القياسي في 30 أغسطس، ببلوغها 70.85 دولاراً للبرميل، أي بعد يوم واحد من ضرب إعصار كاترينا لمنشآت النفط والغاز في سواحل خليج المكسيك والذي تسبب في إغلاق 30% من الطاقة التكريرية للولايات المتحدة.

ويعزز هذه التقييمات واقع تسارع معدل نمو الاقتصادات الرئيسية في العالم، الأمر الذي سيقود إلى زيادة طلبها على النفط.

ويبرز في هذا المجال، تسجيل مؤشر ثقة الأعمال في ألمانيا خلال شهر ديسمبر أعلى مستوى على مدى خمس سنوات، وهو ما يؤشر إلى تسارع معدل نمو الاقتصاد الألماني الذي يعد أكبر اقتصاد في أوروبا وخامس أكبر اقتصاد على مستوى العالم.

حيث ارتفع مؤشر الثقة الذي تضعه مؤسسة »آي أف أو« من 97.8 نقطة في نوفمبر إلى 99.6 نقطة في ديسمبر. كما دفع النمو الاقتصادي لدى الصين والولايات المتحدة واللتين تستهلكان 40% من 34% من إنتاج النفط العالمي أسعار النفط إلى مستويات عالية.

فقد توسع الاقتصاد الأميركي بنسبة 4.3% على أساس سنوي خلال الفترة الممتدة من شهر يوليو حتى شهر سبتمبر، وهو أسرع معدل للنمو منذ الربع الأول من العام الماضي، كما سجل الاقتصاد الصيني نموا نسبته 9% خلال التسعة أرباع الماضية.

المؤسسات ترفع تقييماتها

فمن جانب رفعت منظمة الدول المصدرة للنفط والتي توفر 40% من إجمالي إمدادات النفط على مستوى العالم، تقديراتها للطلب العالمي على النفط وكمية الإنتاج التي سيكون من المتعين على الدول الأعضاء ضخها لمواجهة تسارع معدل النمو الاقتصادي خلال عام 2006.

إذ توقعت أن يرتفع الطلب العالمي على النفط بمقدار 1.59 مليون برميل يوميا أي ما يعادل 1.9% ليصل إلى 84.9 مليون برميل يوميا.وفي السياق ذاته، عدلت وكالة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأميركية تقديراتها بالنسبة لوجهة أسعار النفط خلال الربع قرن المقبل.

فمنذ عام مضى، كانت وكالة معلومات الطاقة تقدر بأن أسعار النفط ستأخذ المنحى الهبوطي خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة لتصل إلى مستوى 31 دولاراً بحلول عام 2030، ولكنها خلال الأسبوع قبل الماضي، لاحظت الوكالة أن هذه التقديرات قد نهضت على فرضيات غير صحيحة.

وقامت برفع تقديراتها بالنسبة للسعر الأدنى بنسبة 184% متكهنة بوصول السعر إلى 57 دولاراً للبرميل في عام 2030 بدلاً من 31 دولاراً للبرميل، مع تحليق السعر حول مستوى 50 دولاراً للبرميل من الآن وحتى حلول الموعد المذكور، مما يحفز على زيادة الطلب على المصادر البديلة للطاقة مثل الكحول الاثيلي.

وتعكس هذه التنبؤات تغيرا في تفكير الوكالة بشأن مستقبل أسعار النفط، فمنذ عام مضى تنبأت الوكالة بان تتراجع أسعار النفط وفقا لأسعار الدولار الثابتة إلى 31 دولاراً للبرميل بحلول عام 2025.

وفي استشرافها الطويل الأجل توقعت الوكالة بأن تصعد الأسعار إلى 54 دولاراً للبرميل بحلول عام 2025 و57 دولاراً بحلول عام 2030، مشيرة إلى أنه من غير المتوقع أن تقوم الدول المصدرة للنفط بزيادة طاقتها الإنتاجية بشكل يجاري الزيادة في الطلب العالمي.

ويؤسس تقرير وكالة معلومات الطاقة لنهاية عصر النفط الرخيص، بمضاعفة تقديراتها السابقة بشأن أسعار النفط خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة.

وقالت الوكالة أن أسعار النفط ستبقى عند مستوياتها المرتفعة الحالية، وهو ما يعود أساسا إلى أن دول الأعضاء في أوبك والغنية بالنفط لم تستثمر بشكل كافٍ لخلق إمدادات نفطية جديدة من شأنها أن تلبي بسهولة النمو في الطلب العالمي والذي تقوده كل من الولايات المتحدة والصين.

وبالتالي فمن المتوقع أن تبقي الأسعار فوق 50 دولاراً للبرميل، وأنه إذا لم يقم المستهلكون بشراء سيارات تتمتع بالكفاءة في استهلاك الوقود. فإنه يمكن للأسعار أن تقفز إلى مستويات أعلى.

ولاحظ التقرير أن التغير في تقديرات الأسعار جاء نتيجة زيادة كلفة استخراج النفط المتاح في المناطق النائية وما يصاحب ذلك من صعوبات فنية، كما هو الحال بالنسبة لاستخراج النفط من المياه العميقة في المحيطات وفي القارة القطبية الشمالية.

وأوضح أن ما يدفع كذلك أسعار النفط إلى المستويات العالية هو العقبات التي تواجهها الشركات النفطية في الحصول على إمكانية للنفاذ إلى الاحتياطيات النفطية في العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من خلوص الكثير من الجهات المعنية بالتنبؤ بمستقبل أسعار النفط إلى استنتاج مؤداه أن عصر النفط الرخيص قد انتهى، ولكن وكالة معلومات الطاقة متفائلة بأن النفط سوف يبقى وفيراً وبأسعار غير مكلفة.

ويثير هذا الاستنتاج الكثير من الشكوك في ضوء التطورات الراهنة والتي تشير إلى الإخفاق في العثور على احتياطات نفطية جديدة ورئيسية خلال السنوات الأخيرة، علاوة على أن بعض المحللين يرون بأن ارتفاع الأسعار خلال العام الجاري بنسبة 40%، بتحليقها فوق مستوى 60 دولاراً للبرميل.

بل وبلوغها 70 دولاراً للبرميل في شهر سبتمبر لم يحفز دول منظمة أوبك على توجيه المزيد من الاستثمارات إلى الصناعة النفطية لمجاراة زيادة الشهية العالمية على النفط. كما حالت الصراعات السياسية في كل من إيران والعراق واللتين تعدان من الدول المنتجة الرئيسية للنفط في منظمة أوبك من زيادة إنتاجهما النفطي.

وقد أعلنت السعودية عن زيادة إنتاجها النفطي إلى 12.5 مليون برميل يومياً عن أعلى مستوى إنتاج والذي بلغ 11 مليون برميل يوميا. ولكن يستهلك العالم في الوقت الراهن 87 مليون برميل يوميا ومن المتوقع أن ينمو بما يزيد على 100 مليون برميل يوميا بحلول عام 2015.

ويتساءل الكثير من المحللين حول المصادر التي ستأتي منها الزيادات في الإمدادات وتتوقع وكالة معلومات الطاقة بأن تعمل المصادر غير التقليدية كتلك المتعلقة بالوقود السائل والمستمدة من الفحم والغاز الطبيعي على ملء الفجوة المتزايدة بين الطلب والعرض وذلك على الرغم من أن أسعار الغاز الطبيعي قد ارتفعت بشكل أعلى من أسعار النفط.

وبوضوح، فإن قيام وكالة معلومات الطاقة بتعديل تقديراتها على نحو جذري أثار لدى بعض المحللين تساؤلات حول مصداقية هذه التقديرات، بل وأثار كذالك تساؤلات حول مدى مصداقية التقديرات السابقة والمقبلة.

وتساءل محللون بشأن المستجدات التي دفعت الوكالة لتغيير تقديراتها، وتبرز هنا القوى المحفزة على ارتفاع أسعار النفط والتي تتمثل في ازدهار الاقتصاد الصيني والإرهاب في الشرق الأوسط واشتداد موجات الأعاصير.

بيد أن أياً من هذه العوامل من وجهة نظر البعض لا تعد بالأمر الجديد، حيث أن الاقتصاد الصيني يحقق نموا قويا على مدى سنوات عديدة مضت.

كما أن الإرهاب في الشرق الأوسط ليس بالموضوع الجديد، على اعتبار أن المنطقة تعاني من الإرهاب منذ عقود عديدة مضت، علاوة على أن الأعاصير التي ضربت الولايات المتحدة تعتبر أمرا مألوفا ومعتادا.

وتكمن المشكلة في رأي بعض المحللين في وجود ميل للنظر إلى الوضع الراهن، ثم سحبه على المستقبل، ودلل هؤلاء على ذلك، بأن هناك قلة تنبأت ببلوغ السعر 70 دولاراً للبرميل، وهناك ومنذ فترة طويلة مضت من تكهن ببلوغ السعر مستوى 60 دولاراً للبرميل، كما توقعت مؤسسة جولدين ساكس بلوغ السعر 100 دولاراً للبرميل.

وأعاد بعض المحللين سجل الوكالة السابق في التنبؤ بمستقبل أسعار النفط للتدليل على قيامها بسحب الحاضر على المستقبل، ويلفتون هنا النظر إلى ما كان عليه الوضع في عام 1998.

حيث كانت أسعار النفط عند أدنى مستوياتها على مدى عقدين، وتنبأت وكالة معلومات الطاقة حينذاك بأن يصل السعر إلى 23 دولار للبرميل حتى حلول عام 2020.

وجاءت هذه التنبؤات في سياق تميز بأداء جيد للاقتصاد الصيني واشتداد موجة الأعاصير والإرهاب، ويخلص محللون إلى أن وكالة معلومات الطاقة تميل إلى التكهن بمستويات منخفضة للأسعار، عندما تكون متدنية، وعندما تكون الأسعار عند مستويات مرتفعة، فهي تميل إلى التكهن بمستويات مرتفعة.

وفي الإطار ذاته، توقعت شركة إيكسون موبيل في تقريرها السنوي حول آفاق الطاقة بأن يقفز استهلاك الطاقة العالمي بنسبة 60% خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة.

وقدرت أن ينمو حجم الطلب على الطاقة إلى ما يعادل 334 مليون برميل يوميا من مستوى 205 مليون برميل في عام 2000. وتنبأ التقرير بأن ينمو استهلاك النفط بنسبة 1.4% سنويا واستهلاك الغاز بنسبة 1.8% سنويا.

وتوقع التقرير أن يستمر النفط والغاز في الاستحواذ على 60% من احتياجات الطاقة على المستوى العالمي، وقال التقرير إن معظم النمو سيحدث في الدول النامية وأن حصة منظمة الدول المصدرة للنفط من الإنتاج النفط العالمي سوف يتزايد بشكل مطرد.

وأنه لأجل تلبية التعطش العالمي على النفط العالمي فانه سيكون من المتعين على منظمة أوبك أن ترفع إنتاجها إلى 47 مليون برميل يوميا بحلول عام 2030. وهو ما يمثل زيادة نسبتها 40% على المستويات الراهنة.

وقدر التقرير بأن احتياطات النفط المتبقية والتي تبلغ كميتها حوالي 2.2 تريليون برميل بإمكانها أن توفي باحتياجات زيادة الطلب العالمي على النفط. وأشار إلى أن كل من الشرق الأوسط وروسيا يمتلكان القسم الأكبر من هذه الاحتياطيات.

وفي السياق ذاته، توقع تقرير صادر عن مركز دراسات كونفيديستريا الإيطالي أن تشهد أسعار النفط تراجعا طفيفا بحلول نهاية عام 2006، الأمر الذي سيدفع سعر خام برنت إلى 52 دولاراً للبرميل.

وهو ما يقل عن متوسط سعره في عام 2005 والذي بلغ 54.5 دولاراً للبرميل، وقدر التقرير إن الطلب على النفط الخام سيسجل ارتفاعاً جديداً بواقع 1.5 مليون برميل يوميا.

وعلى الصعيد نفسه تنبأت وكالة الطاقة الدولية بأن ينمو الطلب على النفط بمعدل يتراوح بين 1.8 ومليوني برميل يومياً خلال السنوات الخمس المقبلة.

ويبدو أن التنبؤ بتحليق السعر فوق 50 دولاراً للبرميل يحظى بدعم الدول المنتجة للنفط.

وهو ما عبر عنه كاظم فازيري حمانه وزير النفط الإيراني في تصريحات أدلى بها في 15 ديسمبر الجاري إثر عودته من الكويت بعد حضوره اجتماع الدول المصدرة للنفط »أوبك ».

حيث قال بأنه توجد إمكانية لتراجع أسعار النفط خلال الأشهر القليلة القادمة مما سيؤدي إلى انخفاض أسعار النفط، ولهذا وافقت الدول الأعضاء في منظمة أوبك على خفض حصة الإنتاج خلال الربع الأول من عام 2006.

وقال كذلك إن وزراء أوبك يدعمون سعراً للنفط في مستوى 50 دولاراً للبرميل، وهو ما تدعمه إيران كذالك. ولهذا وافق وزراء أوبك على الحفاظ على حصة إنتاج تبلغ 28 مليون برميل يوميا.

أداء متميز لأوبك

ولم تخلو تحليلات العام دون إشادة بعض المحللين بالأداء المتميز لمنظمة أوبك، فهي صارت مجهزة بالخبرة والتجربة التي تمكنها من اتخاذ القرارات الملائمة.

وأنه بحلول نهاية العام، صار كل شخص على اقتناع بأن أداء منظمة أوبك خلال العام الحالي والأعوام الماضية اتسم بالتميز والتفوق وهو أمر شهدت عليه كافة الدول المستهلكة خاصة الولايات المتحدة وأوروبا.

ولاحظت بعض وجهات النظر بأن المنظمة قد فازت في الواقع بثقة الجميع في مجال الصناعة النفطية، نظرا لتميز أدائها خلال العام الجاري بشكل خاص، وتمتعها بالقدرة على متابعة وملاحقة تطورات السوق والأسعار، وذلك في إطار سعيها لإضفاء الاستقرار على أسعار النفط.

كما يعود تميز أداء المنظمة إلى قيامها بتعزيز علاقات التنسيق مع الدول المستهلكة وكافة المنظمات الدولية المعنية بشؤون الطاقة، خاصة الوكالة الدولية للطاقة بهدف تحديث بياناتها وأرقامها بشأن كميات ومعدلات الطلب العالمي على النفط ومن ثم، يكون بمقدورها تحديد مواقفها وطرق تعاملها مع التطورات الأخيرة في الأسواق النفطية.

وبرهنت منظمة أوبك خلال العام على أن هدفها الرئيسي هو الحفاظ على استقرار الأسعار والحفاظ على نمو الاقتصاد العالمي، وذلك من خلال التشديد على أن أية أضرار تلحق بالاقتصاد العالمي، من شأنها أن تؤثر سلبا على أعضاء المنظمة كما أكدت على أن الزيادات الحادة في الأسعار ليست في صالح الدول المستهلكة والمنتجة معا.

وهكذا، فإن بلوغ السعر 70 دولاراً للبرميل، لم يحظ بتأييد المنظمة، وذلك على نحو ما أظهرته الأحداث خلال العام، حيث أعربت المنظمة عن عدم رضاها على هذا السعر عن طريق ضخ كميات أكبر من النفط .

والوصول بالإنتاج إلى أعلى مستوى له في تاريخ المنظمة حيث وصل تقريبا إلى 30.3 مليون برميل يوميا، وقادت سياسة ضخ كميات من النفط تفوق الطلب إلى تراجع الأسعار إلى مستوى 50 دولاراً للبرميل.

كذالك وعندما ضرب إعصارا كاترينا وريتا سواحل خليج المكسيك في الولايات المتحدة في أواخر موسم الخريف وهو ما قاد إلى تراجع الإنتاج إلى ما يزيد على مليون برميل يوميا، قامت المنظمة بإمداد الولايات المتحدة بكميات كافية من النفط الخام والمشتقات البترولية والمنتجات المكررة .

وقاد مثل هذا الموقف إلى تخفيف مخاوف الدول المستهلكة من وقوع أية أزمة أو كارثة. وهو ما عزز من مصداقية أوبك والثقة فيها من جانب أطراف متعددة على الساحة النفطية.

كتب مجدي عبيد: