في إطار النشاط الثقافي والفني الذي يقام في مؤسسة »سلطان العويس«، تحت عنوان »أيام شامية«، كان من المقرر عرض أربعة أفلام لمخرجين سوريين اختصرت إلى فيلمين من دون توضيح الأسباب، هما »نسيم الروح« و»وقائع العام المقبل«.

صناعة الدراما التلفزيونية والسينما في سوريا تطورت في العقدين المنصرمين كماً ونوعاً. أثبت من خلالها قدرة الفنان السوري على تقديم أعمال تضاهي أعمال كبار الفن السابع تحديداً. وبرزت أسماء كثيرة في السينما التسجيلية والروائية والوثائقية، منهم أسامة محمد في أول أفلامه »نجوم النهار«، الشريط الذي يكاد يكون من أفضل الأفلام في تاريخ السينما العربية.

وإلى جانبه محمد ملص الشفاف في »فيلم الليل«، وهو أيضاً عمل مهم في تاريخنا السينمائي.

وكما أسامة محمد ومحمد ملص يقف على المستوى ذاته المخرج عبداللطيف عبدالحميد الذي درس الإخراج في معهد موسكو السينمائي وتخرج عام 1981، وقام خلال تلك الفترة بإخراج عدة أفلام قصيرة، تلاها بإنجاز أربعة أفلام روائية، نال عليها عدة جوائز عربية وعالمية.

»نسيم الروح«

»نسيم الروح«، يعتبر وجبة سينمائية كاملة الغذاء الروحي والفكري والبصري، لكل المستويات من المشاهدين، ففيه العمق والسيناريو المتين. القائم على لعبة جدلية مركبة بين الواقع والحلم من جهة، وبين ما حدث وما يمكن أن يحدث من جهة أخرى.

إضافة إلى لغة بصرية مشغولة بدقة، وإلى حد أنها لم تترك أي تفصيل في هذا المعنى إلا واستخدمته بحرفية عالية، من دون أن تغرق في أي لعبة استعراضية لا يحتاجها العمل أصلاً ولا هي تغوي عبقرية المخرج عبد اللطيف عبد الحميد، الذي كتب سيناريو فيلمه أمام الكاميرا مباشرة، وكذلك هي العين تؤلف رؤاها في الكادر ذاته.

يبدأ فيلم »نسيم الروح« بصوت رمزي ناتج عن دوران قرص الهاتف الذي له دور »مركزي« في هذا الشريط، ثم نسمع صوت لأزرار تلفون أحدث، ولكن الخط مشغول، أو أن الجرس يقرع وليس من يجيب، إلى حين تبدأ صور مقدمة الفيلم بالتسلل، فنرى امرأة في فستان العرس، على أرض مقفرة، تمسك بسماعة الهاتف وترفعها من التراب المزروعة فيها، فتجيب حبيبها الذي يتصل فيها.

وفجأة تقول له إن زوجها قطع حبل مشنقتها ووجهه أصفر ويتقدم منها ووضع يده على قلبه الموجوع، وشهر مسدسه من جيب القلب ووضعه في قلبي، فيستيقظ »العاشق« من حلمه ويركض في الشارع في خضم العاصفة والريح إلى »دكان« مقفل، يوقظ صاحبه في منتصف الليل، الذي يهرع إلى الدكان لكي يستعمل الهاتف، في سبيل الطمأنينة على معشوقته، التي تقوم من السرير الزوجي وتقول ببساطة »ما دمت أنت بخير أنا بخير«، أمام زوجها المتذمر والذي لا يتوانى عن شتم العاشق الولهان، فنعرف بعد هنيهة أن هذا الزوج ليس مخدوعاً بقدر ما هو ضعيف بقوة الحب نفسه، فهو حاول شنق نفسه لأن زوجته ما كانت لتقبل فيه زوجاً.

ونرى أن العشق »ذاته« حول الرجل الآخر إلى شخص خفيف الظل، متسامح، مملوء بحب الحياة ببعدها الفطري، وهو الذي شجع حبيبته على الزواج من الرجل الضعيف كي لا يشنق نفسه. وهو اليتيم الذي مات والده بعد ولادته، لكنه يتذكره أنه كان يأتي كملاك لزيارته طالباً من أمه إرضاعه جيداً.

كل ليلة كان يأتي في الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل ودقيقة. وفي إحدى الليالي يتأخر هذا الأب »الملاك« عن المجيء حتى مطلع الفجر، وحين يصل يطلب من الأم الذهاب معه، بعد إرضاع طفلها بوفرة كما لم تفعل من ذي قبل. وتذهب الأم بعدها ليصبح الطفل يتيم الوالدين، ومحروماً من الحب والحنان، ليتحول شاباً مملوءاً بالحب المتفجر كبركان، وهذه نقطة سجالية »فلسفية«، إذ ليس من الضروري من يحرم من الحب أن يكون غير قادر عليه.

المدير في عمله في إحدى الوزارات يطلب منه الحضور في سبيل تكليفه بعمل ما، فيطلب من حبيبته أن تحضر له لائحة بكل الطلاب الذين يدرسون في »البوسنة والهرسك«. وعندما يدخل إلى مكتب المدير يسأله الأخير عن سبب تأخره عن موعد دوام العمل والوظيفة، فيقول له إن صهره وصديقه تعرض لنوبة مرضية، مما اضطره أن ينقله إلى المستشفى، ثم يطلب منه تحضير اللائحة بأسماء الطلاب، فيقدمها إليه على الفور، فيدهشه، ويسأله كيف عرفت ماذا أريد؟ وإلخ..

من رموز تتراكم على طوال الفيلم، منها موت صديقه لمشاهدته شيئاً ما على »الفضائيات« أدى إلى موته، لا نعرف ما هو، لكن زوجته تلعن »الساتلايت«، على الدوام، محملة إياه مسؤولية وفاة زوجها، الذي يطلب من صديقه أن يحضر إليه »علبة العجائب« إلى غرفة المستشفى.

من الرموز الأخرى في الفيلم، موت صديق والده بسبب »نرفزته« لأنه ممنوع من الضحك، وذهابه لشراء باقة ورد لحبيبته، لكنه يهديها إلى بائعة الورد ذاتها، التي تتيم به منذ لقائهما الأول، وهي التي تنتظره طوال الفيلم أن يعود، الذي يراها بعدها بمناسبات الموت المؤلم لأصدقاء وأحبة، ويمسح دموعها بالورد تارة، وبكفيه تارة أخرى، في حوار مقتضب، وفي لغة بصرية، ممتعة وآسرة وشفافة ومدهشة، وتوقظ مشاعر الراثي إلى إنسانيته، إلى قدرة الحب الغائبة فينا تحت الضغط الاقتصادي الاجتماعي الذي لا يستطيع أن يمنع هذا الإنسان فينا، على أن يعشق ويملئ الدنيا وما حوله بالحب الذي يصنع منه موسيقياً ينثر الفرح على جيرانه حين يعزف. كما أنه يذهب إلى مصر للتعزية بموت الموسيقار الراحل بليغ حمدي، حيث يقف أمام نهر النيل ويعزي كل أهل مصر، ويعود إلى دمشق، ويتحول إلى بائع زهور، إلى حين أن يعاد مشهد المقدمة، باستبدال لحبيبته بشخصه، حيث الزوج الضعيف وغير القادر على الحب يطلق النار على قلبه وهو يتحدث مع معشوقته على الهاتف فيرديه، ويمشي إلى أن يغيب في غمرة الواقع والحلم.

سينما عبد اللطيف عبد الحميد تضعه في مستوى السينما الشعرية للروسي »أندريه تاركوفسكي« وهو لا، وعلى تشابه مع سينما الإيطالي »فيلليني« وهولا، وعلى تمازج في الكوميديا على مشهديات الكوميديا العميقة في أفلام البوسني »أمير كوستريكا وهولا«، انها سينما عبداللطيف عبدالحميد التي تشبهه هو ذاته. وبالطبع هي سينما ذات مخزون بصري وروائي أهاب لإطلاق مكنونات إنسانية واعية ولا واعية.

ومما لا شك فيه انه يبدع سينماه من الخاص المحلي، الذي هو هنا بالضرورة على تماس مع »عالمية« هي خاصية الإنسان. لعب دور البطولة في »نسيم الروح« الممثل الممتاز بسام كوسا والموهوبة لينا حوارنه، والمحترفة سلاف فواخرجي، والنجم فايز قزق، والساحر سليم صبري، وخفيف الظل فارس الحلو على »ثقل جسده«؛ أدارهم المخرج بحرفية مؤكدة، أظهرت قدراتهم الهائلة، خصوصاً بسام كوسا الذي أسرّ لي عنه النجم نور الشريف بأنه قد يكون أفضل ممثل عربي في العقدين المنصرمين.

»وقائع العام المقبل«

مخرج الفيلم سمير ذكرى صاحب سيناريو شريط محمد ملص »أحلام المدينة«. وهو أخرج فيلمين طويلين غير »وقائع العام المقبل«، هما »حادثة النصف متر« في العام 1981، و»أرض الغرباء« 1998، الذي نال عليه جائزة في »مهرجان القاهرة السينمائي الدولي«.

لكن فيلمه المعروض هنا لا يقارن بأعمال غيره من صناع السينما السورية من مجايله، إذ ان السيناريو مفكك ويدور على نفسه، في حوارات مسرحية تصل إلى حدود »المونودرامية« أحياناً، تركت مشاهد »وقائع العام المقبل«، تائهاً بين استعراضات لتصوير القلاع الأثرية القديمة، وكأننا إزاء فيلم سياحي، وفي حشد المواضيع ببعضها بأسلوب فج وغير مقنع، خصوصاً في تركيب الشخصيات، ووضعها عنوة في مساحة بدت متناقضة وغير مفهومة، ضاعفت من ارتباك السيناريو، الذي يتحدث عن موسيقي طامح، يعود إلى وطنه بعد سنوات دراسته في الخارج في سبيل تأسيس فرقة للموسيقى الكلاسيكية، لكنه يصطدم بالمعوقات »الرسمية« والروتينية المتبعة في بلده. لكنه يصر على حلمه ويحاول تحقيقه بما تيسر، بمساعدة الأصدقاء وإلخ..

فيلم مضجر، كان بإمكانه أن يعمل على مفردات كثيرة ويعمقها، لكنه تغافل عنها، أمام إنغوائه الى كليشهات برانية، تتراكم فوق بعضها بعضاً، أضاعت الكادرات في حوارات ومطولات لا طائل تحتها. التمثيل جاء متواضعاً أيضاً من ممثلين بعضهم غير محترف مثل عبيدو باشا وهالة الفيصل ونائلة الأطرش ففرقوا جميعاً في ادعاء ساذج يتحمل مسؤوليته المخرج، الذي قدم عملاً يبتعد عن الف باء الابداع في الفن السابع.

وحدها الموسيقى تستحق التصفيق في »وقائع العام المقبل«، التي قدمها الموسيقي العبقري زياد الرحباني، اضافة الى مدير التصوير حنا ورد، الذي أظهر قدرته على استعمال الضوء والظل بحرفية عالية. لكن الموسيقى الرائعة والتصوير المحترف لا يصنعان فيلما لوحدهما، ولم يستطيعا هنا انقاذ سمير ذكرى من عجزه الابداعي ومطباته الاخراجية الكثيرة.

حسين قطايا