ظهرت ألف مدينة جديدة من الصفيح منذ عقدين من الزمان على طريق فورمان في مدينة دوربان في جنوب إفريقيا، يعيش فيها سكان فقراء لا تتوفر لهم أبسط سبل الحياة.

وتنمو مدن الصفيح بسرعة هائلة في جنوب أفريقيا، وأحياناً ينتج عنها، إلى جانب مشكلات الفقر والانعدام الاقتصادي مشكلات اجتماعية وأمنية، فقد أطلقت الشرطة الرصاص المطاطي على متظاهرين في طريق نورمان كانوا يريدون تقديم الشكاوى لعمدة المدينة.

وأفضل التحسينات التي أدخلت على حياة هؤلاء هي مد خط مياه وحيد إليهم، والكهرباء ودورات المياه لا تزال أضعاث أحلام، والوعود التي يتلقاها هؤلاء بإنشاء مساكن لهم تذهب أدراج الرياح في كل مرة، كما تقول صحيفة »نيويورك تايمز«.

وقال أحد سكان مساكن الصفيح وهو في أواسط العمر، إن تلك هي أسوأ منطقة في البلاد.وأضاف: يقول إنهم ليسوا في حاجة شديدة للمياه أو الكهرباء، بل يحتاجون أرضاً لبناء منازل، ويحتاجون أن توفر لهم الحكومة الأرض لبناء منازلهم بأنفسهم.

وقام 500 من سكان مدن الصفيح في بريتوريا (العاصمة) مؤخراً بأعمال نهب وسلب وأحرقوا منزل أحد أعضاء مجلس المدينة وسيارته احتجاجاً على منعهم من الوصول إلى مكاتب الحكومة لتقديم شكاواهم والحصول على منازل منها.

وقبل هذا الحادث أحرق المتظاهرون مكاتب البلدية في مدينة بروموسا بعد طردهم من منازل الصفيح لأن الحكومة تعتبرها غير قانونية، وفي الشهر السابق تظاهر سكان بلدة بونلنج عقب إصابة 600 شخص بالتيفويد ووفاة نحو 20 منهم بسبب تسرب وطفح مياه المجاري.

وحذر المسؤولون في كيب تاون سكان مدينة صفيح كبيرة بالقرب من مطار المدينة من إلقاء القبض عليهم إذا حاولوا الهجوم على مشروع إسكاني تحت الإنشاء على مقربة من قريتهم الصفيح. وقال وزير الداخلية في أكتوبر الماضي ان 881 تظاهرة وقعت في مدن الصفيح في العام السابق، وتقول إحصاءات غير رسمية ان 50 منها كانت عنيفة.

وقال ديفيد همسون الباحث في مجلس الأبحاث البشرية في بريتوريا ان عدد القتلى والجرحى في هذه التظاهرات يفوق خمسة أضعاف الأرقام التي تعلنها الحكومة، وقال إنه يعتقد أن هذا من أهم تطورات فترة ما بعد التحرير (إلغاء العنصرية) ويثبت أن رجل الشارع العادي يشعر أنه يمكن أن يعبر عن نفسه بالخروج إلى الشارع والتظاهر.

وتقول نيويورك تايمز ان الحكومة أجرت كثيراً من التغيرات، حيث أنشأت 1.8 مليون منزل منذ عام 1994، ووصلت المياه إلى أكثر من 10 ملايين شخص، ووصلت الكهرباء إلى أعداد لا حصر لها.

لكن الباحثين يقولون في الوقت نفسه ان ارتفاع معدلات الفقر تسبب في فقدان مليوني شخص لمنازلهم وقطع المياه أو الكهرباء عن 10 ملايين شخص لأنهم لا يستطيعون الدفع.

وارتفع عدد سكان مدن الصفيح بنسبة 50% وبلغ 12.5 مليوناً أي أكثر من ربع السكان في جنوب إفريقيا، وكثير منهم يعيش في مستويات فقر تجعل المراقبين في الغرب لا يصدقونها بسهولة.

والمشكلة التي يعانيها السود في جنوب إفريقيا حالياً ترتبط بمشاكل فترة التمييز العنصري، فقد ظهرت مدن الصفيح في ظل حكم البيض نتاج سياسات ترمي الى عزل الفقراء السود الذين لا حول لهم ولا قوة.

وهجرت الحكومة البيضاء ملايين السود إلى مخيمات بين الاربعينات والثمانينات، وتحولت فيما بعد إلى مدن الصفيح الفقيرة، وأدى الفقر الى هجرة ملايين السود من الريف إلى المدن، فأقاموا مخيمات على هوامش كيب تاون وجوهانسبرغ ودوربان ومدن أخرى.

وتعهدت الحكومة السوداء الأولى في جنوب إفريقيا بحل مشكلة مدن الصفيح، لكن المشكلة ازدادت سوءاً كما يقول الباحثون والخبراء لأسباب منها السياسات المالية التي ركزت على تقليد اقتصاد الدول المتقدمة، الذي جعل جنوب إفريقيا أغنى دولة والأكثر تقدماً في إفريقيا في ظل نظام التمييز العنصري.

وقد نشأ انخفاض لحجز الحكومة وانخفاض معدل التضخم على أساس ان الاقتصاد سيجذب استثمارات أجنبية وان الثروة سوف توزع على الفقراء، لكن مع ازدهار اقتصاد الدول المتقدمة، فشل هذا الاقتصاد في رفع شأن الطبقات الفقيرة، وانتشالها من البؤس.

بلغ معدل البطالة 26% في 1994، وارتفع بنسبة 40% منذ ذاك الوقت، لكن الحكومة تعلن أرقاماً أقل من ذلك لأنها لا تدرج فيها الذين يئسوا من البحث عن فرص عمل.

وسرحت صناعات كبيرة مثل التعدين والمنسوجات العديد من العاملين اليدويين وتوسعت صناعات مثل البنوك وتجارة التجزئة، لكنها فشلت في توفير الوظائف للذين خسروها، وانتقل الكثير من العاطلين الى مدن الصفيح.

وركزت احتجاجات وتظاهرات مدن الصفيح حتى الآن على انتقاد المسؤولين المحليين الذين يتلقون غضب سكان هذه الأحياء، ويقول آدم حبيب الباحث أيضاً في معهد الأبحاث البشرية إن الفقراء لم يربطوا بين هؤلاء المسؤولين وحزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم رغم أن غالبيتهم أعضاء فيه.

بل على العكس يزداد التأييد لحكومة الرئيس تابو مبيكي الإئتلافية، الذي يزور هذه المدن الصفيح من حين لآخر ويعد بزيادة الإنفاق الاجتماعي وتحسين الخدمات للفقراء لكن 284 بلدية لا تستطيع حتى الآن تحسين هذه الخدمات التي هي منوطة بها في الأساس وأعذارها في ذلك انخفاض الموارد المالية.

في بلدة الإنزيني مثلاً التي يقطنها مليون شخص هناك 3 من كل 4 أشخاص ليس لديهم خدمة جمع القمامة، و6 من كل 10 ليس لديهم خدمات صرف صحي، وشخص من كل ثلاثة ليس لديه مياه شرب فيما يبلغ راتب عمدة المدينة 180 ألف دولار سنوياً.

وبدأت مشكلات مدن الصفيح تضغط على سكانها وتغلي منذ 2004، عندما تظاهر سكان مدينة صفيح قرب مدينة هاريسميث، على مسافة 160 ميلاً من جوهانسبرغ وقطعوا الطريق السريع للاحتجاج على أوضاعهم المزرية .

وبعد إطلاق النار على أحد المتظاهرين عمره 17 سنة، انتشرت التظاهرات في كل مكان في البلاد وفي مدينة دوريان مثلاً، يرتفع سكان مدن الصفيح بنسبة 10% سنوياً ويبلغ عددهم حالياً 750 ألف شخص، فيما تبني الحكومة 16 ألف منزل سنوياً.

وتعيش زاميل ميسان (32 سنة) في أحد منازل الصفيح (7X8 أقدام) مع والدتها البالغة من العمر 58 سنة وثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين 12 و17 سنة، وهي لا تعمل، الأخت تمد الأسرة بالملابس القديمة ويتبرع الجيران ببعض الطعام.

وقد فرت ميسان ونجت من ثلاث حرائق عامة من قبل، كانت تخسر في كل منها كل شيء وتقول ميسان التي جاءت من إيسترن كيب من 8 سنوات إلى المدينة الصفيح، إنها لن تعود إلى المزرعة التي عاشت فيها من قبل، لأنه لا يوجد طعام هناك.

وقالت إنها اشتركت في تظاهرة في نوفمبر الماضي لهذا السبب وأضافت تقول الوضع سيئ جداً هنا، هذه ليست منازل للبشر وتتعرض دائماً لخطر النيران والشتاء قارص البرد والصيف ملتهب الحرارة فماذا نفعل؟

ترجمة: أشرف رفيق