تتأهب الفجيرة لتكون على أهبة الاستعداد للتعامل مع أبرز الأحداث التي ستشكل نقلة نوعية في مكانتها كمركز عالمي لتموين السفن.
وتتمثل في قيام بورصة دبي للطاقة بطرح عقود الوقود، وهو ما من شأنه أن يوفر لمنطقة الخليج أول مقياس مرجعي في تحديد أسعار الوقود البحري، بما يعكس الاعتبارات المحلية في منطقة الخليج، أكثر مما يعكس الظروف الموجودة في سنغافورة.
هو ما يساعد على تحديد الأسعار بناء على اعتبارات وثيقة الصلة بأوضاع الأسواق الخليجية وليس بناء على الاعتبارات السائدة في الشرق الأدنى.
وهكذا مع طرح بورصة دبي للطاقة لعقود الوقود سيكون من الجائز القول إن أسعار الوقود البحري هي أسعار منطقة الخليج العربي. وهو ما سوف يمثل حدثاً تاريخياً غير مسبوق في تاريخ المنطقة التي لم تشهد من قبل إطلاق طرح عقود آجلة للطاقة.
وستكون البورصة الجديدة هي الأولى على مستوىالعالم التي يجري فيها التداول على عقود الوقود الآجلة بعملة الدولار، وهو الأمر الذي من شأنه أن يساعد في توفير الوقود البحري المستخدم في تموين السفن بسعر محدد في تاريخ آجل.
وفي الوقت الراهن، تقوم شركات الشحن بشراء الوقود البحري بالسعر الفوري في سنغافورة، وتعتبر شنغهاي المكان الوحيد لبيع عقود الوقود الآجلة لكنها لا تعد سوقا دولية حيث إن عمليات البيع تتم بالعملة الصينية الـ»يوان« وهو ما يعرض التجار للمخاطر المرتبطة بالعملة.
دعم طاقة التكرير في المنطقة
يرى المحللون أن إطلاق بورصة يجري فيها التداول على عقود وقود السفن الآجلة من شأنه أن يدعم الطاقة التكريرية الموجودة في إمارة الفجيرة، وذلك بدلا من شحن النفط الخام إلى معامل التكرير الموجودة في الشرق الأدنى.
على اعتبار أن عقود الوقود الآجلة ستدفع إلى زيادة الطلب على الوقود، وهو ما يجعل الصناعة التكريرية تفضل الانتقال إلى الهند ومنطقة الخليج العربي، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى تهميش دور سنغافورة في هذا المجال.
ورغم قيام سنغافورة بضخ استثمارات ضخمة في إقامة مستودعات التخزين ومعامل التكرير، يتوقع بعض المحللين أن تكون منطقتا الخليج العربي والهند الموقعين الأكثر مناسبة لهذه الصناعة.
على اعتبار أن الكثير من الأموال صارت الآن متاحة لإنتاج المنتجات النفطية المكررة بشكل يفوق حجم الأموال المتيسرة لإنتاج النفط الخام، وهو ما يعد ارتداداً عن الاتجاه الذي ساد على مدار عقدين متتاليين والذي كان يعتبر توجيه الأموال إلى الطاقة التكريرية استثماراً غير مجد، لكن تغير هذا الاتجاه خلال العامين الأخيرين.
ويكمن التحدي الكبير والذي سوف يكون من المتعين على بورصة دبي للطاقة أن تتعامل معه في استمالة المزيد من الشركات وإقناعها بشراء عقود الوقود الآجل، وذلك حتى يتوافر في السوق عدد كاف من المشترين يوازي عدد البائعين، ويملي مثل هذا الوضع من وجهة نظر بعض المحللين معضلة »الدجاجة أولا أم البيضة«.
حيث إن نقص الطاقة التكريرية في منطقة الخليج تدفع المستهلكين إلى التسوق في الأماكن الأخرى حتى لو كانت بورصة دبي للطاقة هي المكان الوحيد في القارة الآسيوية الذي يوفر عقود الوقود الآجلة.
ولكن ما يخفف من وطأة هذا التحدي في رأي البعض تسارع خطا بلدان الشرق الأوسط نحو تعزيز الطاقة التكريرية، وذلك بالنظر إلى قيام كل من إيران والسعودية بتحديث معامل التكرير، وقيام كل من الكويت وقطر ببناء معامل تكرير جديدة.
ويضاف إلى ما سبق واقع تبني إمارة الفجيرة التي تعتبر مركزا لتموين السفن بالوقود خططا لإحداث زيادة هائلة في طاقتها التكريرية، من خلال إقامة مصافي تكرير جديدة.
بيد أنها بحاجة إلى ثلاث سنوات للانتهاء من إقامة هذه المصافي، وهي فترة زمنية تبعد من وجهة نظر البعض كثيراً عن موعد قيام بورصة دبي للطاقة بطرح عقود الوقود الآجلة والمقرر في عام 2006.
ويشير محللون إلى أنه يتردد على نطاق واسع أن إحدى الشركات الإماراتية الرائدة في مجال التكرير وهي شركة أبوظبي لتكرير النفط (تكرير) تخطط لإحداث زيادة هائلة في إنتاجها بإقامة مصفاة تكرير جديدة في الفجيرة بطاقة إنتاجية تبلغ 300 ألف برميل يوميا وبتكلفة تصل إلى 4 مليارات دولار.
وأنه من المقرر أن تعتمد هذه المصفاة على إمدادات النفط الخام الواردة من الإمارات، على أن تقوم ببيع المنتجات المكررة للمشترين في الخارج.
ويخلص محللون إلى أن مثل هذه الخطط الهادفة إلى تعزيز الطاقة التكريرية سواء على مستوى منطقة الخليج أو على المستوى المحلي في الإمارات من شأنها أن تجعل الفجيرة في الصدارة عالمياً كمركز لتموين السفن بالوقود خاصة .
وأنها صارت تنافس في الوقت الحالي نوتردام على المرتبة الثانية في السوق العالمي للوقود البحري والذي تبلغ قيمته 25 مليار دولار وذلك بوصول قيمة مبيعاتها من وقود السفن إلى ما يتراوح بين 11 إلى 12 مليون طن متري سنويا في حين تشغل سنغافورة المكانة الأولى بحجم مبيعات يصل إلى 16 مليون طن متري.
مواجهة تحدي سنغافورة
لكن هناك من يقدر بأن النمو المرتقب للفجيرة كمركز عالمي لتزويد السفن بالوقود ربما لا يأتي على حساب سنغافورة، وإنما سيأتي من التزايد المطرد في الاستهلاك العالمي للوقود البحري، بالنظر إلى النمو المتواصل .
والمستمر في حركة التبادل التجاري والناتج عن حالة الثراء التي تشهدها المنطقة والتي ستقود إلى زيادة طلب بلدانها على السلع، ويستتبع هذا الأمر زيادة استهلاك وقود السفن وهو ما يعد بمثابة أخبار سارة لإمارة الفجيرة.
وقد بدأ صعود الفجيرة كمركز لتموين السفن بالوقود في الثمانينات خلال الحرب الإيرانية العراقية، بالنظر إلى تمتعها بموقع استراتيجي متميز وآمن في المحيط الهندي.
وتشير بيانات وكالة معلومات الطاقة إلى أن مستودعات التخزين الموجودة قبالة سواحل الفجيرة تستقبل سنوياً ما يزيد على 6 آلاف سفينة سنوياً، تمثل 75% منها ناقلات نفط وغاز، بما في ذلك ناقلات النفط الخام العملاقة التي تحمل ما يزيد على مليوني برميل من النفط الخام.
وتغادر هذه الناقلات الخليج عبر مضيق هرمز الواقع بين إيران وشبه جزيرة مسندم العمانية وهي تحمل حوالي 15 مليون برميل من النفط الخام أي ما يعادل 20 % من الطلب العالمي على النفط.
تزايد الطلب على وقود السفن
وما سيعزز مكانة الفجيرة كمركز عالمي لتزويد السفن بالوقود هو تزايد الطلب الإقليمي على وقود السفن، كنتيجة لقيام الدول المصدرة للنفط بتصدير المزيد من النفط والغاز.
فمن جانبها تتجه قطر لأن تصبح أكبر مصدر عالمي للغاز الطبيعي وتعمل على تطوير وزيادة أسطولها من الناقلات في غضون خمس سنوات.
وتشير التقديرات هنا إلى أن هذه الناقلات ستستهلك حوالي 4.5 ملايين طن متري سنوياً من الوقود البحري بحلول عام 2007، كما تفيد تقديرات بأن مصافي التكرير التابعة لشركة بترول الإمارات الوطنية سوف توفر إمدادات تغطي حوالي ثلث طلب الفجيرة من الوقود البحري.
كما يدعم مكانة الفجيرة كمركز عالمي لتموين السفن واقع تميز أسعار الوقود البحري هناك بأنها أقل من مثيلاتها في سنغافورة، وذلك بسبب حصولها على إمدادات الوقود البحري من منطقة تختزن ما يزيد على 60 % من الاحتياطيات النفطية على مستوى العالم.
وتشير تقديرات هذا العام إلى أن متوسط سعر الوقود البحري من نوع 180-centistoke في الفجيرة كان أقل بنسبة 2 % بالمقارنة مع الأسعار في سنغافورة.
وتتضافر هذه العوامل في جعل المنطقة سوقا رئيسية في التعامل على عقود الوقود الآجلة لاعتبارات نابعة من داخلها. وبالتالي فإن إطلاق بورصة دبي للطاقة عقود الوقود الآجلة من شأنه أن يوفر لمنطقة الخليج أول مقياس مرجعي في تحديد أسعار الوقود البحري.
بما يعكس الاعتبارات المحلية في منطقة الخليج، أكثر مما يعكس الظروف الموجودة في سنغافورة. وهو ما يساعد على تحديد الأسعار بناء على اعتبارات وثيقة الصلة بأوضاع الأسواق الخليجية وليس بناء على الاعتبارات السائدة في الشرق الأدنى.
وهكذا مع إطلاق بورصة دبي للطاقة لعقود الوقود الآجلة، سيكون جائزا القول إن أسعار الوقود البحري هي أسعار منطقة الخليج العربي. وهو ما سوف يمثل حدثا تاريخيا غير مسبوق في تاريخ المنطقة التي لم تشهد من قبل إطلاق وطرح عقود آجلة للطاقة.
أكثر من ذلك، وفي رأي بعض المحللين، يعتمد تسعير الوقود البحري في سنغافورة على تقييمات تفتقر للشفافية، حيث تضاف رسوم الشحن إلى تكلفة الوقود بعدما يتم تزويد السفن به، وهو ما يجعل من الصعوبة على الشركات وضع ميزانية لتكلفة الوقود.
وبالتالي يكون في غير وسعها التخطيط لقيمة تدفقاتها المالية المرصودة للوقود، علاوة على أن عقود الوقود الآجلة تعطي شركات التكرير المزيد من الحافز للحفاظ على النفط الخام المحلي في المنطقة للمعالجة والتكرير.