لا ينقضي عام ويأتي آخر من دون أن تواصل دبي تعزيز مكانتها كمدينة للذهب وهو لقب سعت إليه جاهدة واجتهدت لبلوغه ثم المحافظة عليه في ظل منافسة قوية تأتي من مواقع أخرى على خريطة العالم ولم يكن ذلك وليد صدفة أو ضربة حظ تأتي من هناك أو هناك

بل من عمل دؤوب تكاتفي من أجل الجميع من مسؤولين وتجار وفق رؤى واضحة للعيان وخطط مستقبلية تتخطى الحدود لتقرأ ما يدور على الساحة العالمية وتتحرك الخطى وفقاً لما يجري، فدبي مدينة الذهب تخطط وتنفذ ويزداد رصيدها على الساحة العالمية في هذه التجارة ورغم عدم وجود المناجم في باطن أرضها التي يستخرج منها الأصفر الرنان

إلا أنها وبمهارة أهلها وفكر تجارها استطاعت أن تكون إحدى البوابات الرئيسية على الساحة العالمية لتجارة الذهب بفضل علاقات التجار فيها ومعرفتهم بالسوق العالمية حيث تشير التقديرات الأولية عن العام 2005 إلى أن إجمالي وارادتها من الذهب يتجاوز 600 طن متري

ثم إعادة تصدير 480 طناً منها إلى خارج حدود دولة الإمارات، ولا نكشف سراً إذا قلنا أن أسواق الذهب في دولة الإمارات أصبحت من المعالم السياحية والتجارية المهمة التي تجذب السياح والتجار لتوافر الخبرات المختلفة التي تتعامل مع أكثر من 120 جنسية تقيم على أرض الدولة وتتعرف على أذواقهم ومتطلباتهم بل ومناسباتهم أيضاً.

وإذا كان البعض قد راهن منذ سنوات على اهتزاز مكانة دبي كمدينة للذهب بعد قرارات الحكومة الهندية بتحرير تجارة الذهب والسماح للتجار فيها بالاستيراد المباشر من المصادر الموردة إلا أن دبي تحدت نفسها وأثبتت أنها المعبر الرئيسي لتجارة الذهب في العالم حيث يمر عبر سوقها أكثر من 70% من هذه التجارة حالياً وقد سارعت إلى تعزيز موقعها من خلال تدشين بورصة دبي للذهب والسلع.

بورصة دبي.. مرحلة جديدة

ولقد شهد العام 2005 إطلاق بورصة دبي للذهب والسلع وهو المشروع الذي بني وأسس على خطط مدروسة وتم الإعداد له بشكل جيد خلال سنوات عدة حتى نضج وقام الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بتدشينها ليحتل مرحلة جديدة لتجارة دبي في مجال الذهب ووفقاً للتوقعات فإن هذه البورصة سيكون لها دورها في تحديد السياسات المالية والتسويقية والتسعيرية أيضاً للأصفر الرنان وسينعكس ذلك إيجابياً على مكانة سوق الإمارات وانعاش الدورة الاقتصادية للاقتصاد المحلي.

ووفقاً لتصريحات لأحمد بن سليم المدير الرئيسي للعمليات في مركز دبي للسلع والمعادن فإن اطلاق البورصة سيفتح المجال أمام المستثمرين ورجال الأعمال ممن يبحثون عن مشروعات جديدة لاستثمار أموالهم.

ولا شك أن اطلاق البورصة ستكون إضافة قوية لمكانة دبي في تجارة المعدن النفيس حيث ستوفر أرقى حلول التداول النهائي المتاحة في الأسواق العالمية ويتمثل ذلك في تقديم آليات تداول آمنة ومنتظمة كما أن وجودها سيرفع من وسائل الخبرة والمعرفة لدى العاملين والمتعاملين في سوق الذهب.

تصفية الذهب

وفي الإطار نفسه وفي خطى متسارعة لتعزيز مكانة الإمارة فقد دخلت دبي في مجال تصفية الذهب من خلال مصفاتين للذهب تنتجان نحو 7 آلاف كيلوغرام من الذهب يومياً ووفقاً لمصادر عاملة بالقطاع فإن مصفاة »الغرير جيجا« تعد من المصافي الأكثر تطوراً في المنطقة

وتصل قدرتها على تقنية الذهب إلى أكثر من 120 طناً في العام وتوجد خطط لإضافة معدات وتجهيزات لإنتاج 5.2 أطنان من سبائك الذهب من وزن كيلوغرام يومياً ولا شك أن وجود مصاف للذهب في دبي يعتبر

إضافة نوعية للسوق المحلية حيث كان رجال الأعمال والتجار يضطرون في السابق إلى إرسال شحناتهم من الذهب ليتم تصفيتها أو تحويلها إلى سبائك في الخارج وهو أمر مكلف كثيراً من حيث الشحن والتكاليف وضياع الوقت الذي هو عامل مهم في تجارة الذهب.

وإضافة إلى الغرير جيجا توجد المصفاة التابعة لإمارات جولد والتي تعتبر من أفضل 15 مصفاة على مستوى العالم ويتوقع أن تزداد طاقتها الاستيعابية مع التوسعات التي تشهدها لتصل إلى ألف كيلوغرام من الذهب يومياً وقد قلل وجود هذه المصافي من الاعتماد على المصافي الأجنبية بشكل شبه كامل وبنسبة تزيد على 60%

بل واستقطبت نسبة كبيرة من العملاء في مجال تصفية وصهر وسبك الذهب من دول مجلس التعاون ومصر ولبنان ودول شمال إفريقياً وفق ما يقول محمد شكرجي الرئيس التنفيذي لإمارات جولد لافتاً إلى أن المصافي المحلية أصبحت قادرة على المنافسة مع مثيلاتها العالمية وذلك بفضل الخطوات الجريئة التي اتخذتها دبي لدخول هذا المجال ولتعزيز مكانتها كمدينة للذهب.

سوق نشط

وبلغت توحيد عبدالله رئيس مجموعة الذهب والمجوهرات في دبي إلى أن السوق المحلية في الإمارات سوق نشط للغاية وعلى خلاف توقعات البعض فلم يؤثر ارتفاع أسعار المعدن على التعاملات وحركة السوق وأرجع عوامل الانتعاش بالسوق المحلية إلى عوامل عدة منها ارتفاع مستوى المعيشة وتوافر السيولة المالية والنشاط المتزايد بالقطاع السياحي

حيث ان الإمارات تشتهر بأسواق الذهب فيها لافتا إلى زيادة المبيعات في المراكز التجارية وفي السوق الحرة وهي مؤشرات تدل على إقبال السياح على ذهب الإمارات إضافة إلى النشاط الكبير بأسواق الذهب في الدولة تلعب المهرجانات والحملات الترويجية دوراً كبيراً في الترويج للذهب

وفي هذا الإطار فقد تم رصد 143 كيلوغراما من الذهب لتوزيعها بالحملة الترويجية لمهرجان دبي 2006 إضافة إلى 16 قيراطاً من الماس حيث يعد هذا المهرجان من أفضل فترات الحملات الترويجية ويشارك فيه أكثر من 700 محل هم أعضاء المجموعة.

ويشير رئيس مجموعة دبي للذهب والمجوهرات إلى أن المهرجان يشكل حدثا مهما لتجارة الذهب بالإمارة حيث ترتفع المبيعات إلى الضعف في فترة المهرجان وان الحملة الترويجية لهذا المهرجان في دورته الجديدة تصل إلى 3 ملايين درهم تقدم المجموعة مليوني درهم ويشارك مجلس الذهب العالمي بمليون درهم.

15% النمو بالمبيعات

وتشير مصادر المجموعة ومجلس الذهب العالمي إلى أن النمو المتوقع في معدلات بيع المجوهرات والمشغولات الذهبية مع نهاية العام الحالي سيكون بنسبة 15% لترتفع المبيعات إلى 115 طنا مقابل 98 طنا بالعام الماضي وان هذه النسبة مرشحة للزيادة في العام المقبل بفضل عوامل عديدة من بينها الانتعاش الاقتصادي والتدفقات السياحية المتزايدة الدولة

وقد حدث هذا النمو رغم ارتفاع اسعار الذهب وتسجيلها أعلى المعدلات السعرية منذ 25 عاما وهو ما يؤكد أهمية الاستثمار في الذهب واهتمام العملاء داخل الدولة من مواطنين ومقيمين بالمعدن مما جعل معدلات استهلاك الفرد في الإمارات من أعلى النسب العالمية.

15 مليار درهم

ويقول معاذ بركات المدير التنفيذي الاقليمي لمجلس الذهب العالمي في منطقة الشرق الأوسط وتركيا والباكستان والذي يتخذ من دبي مقرا له ان ارتفاع أسعار المعدن الأصفر لم يؤثر على الاداء بالسوق المحلية حيث يشهد نشاطاً قويا وذلك بفضل الحركة السياحية النشطة وتوافر السيولة إضافة إلى الحملات الترويجية والمهرجانات

وإذا كان سعر الأونصة قد تجاوز حاجز 500 دولار للأونصة فإن ذلك لن يكون له أثر سلبي على الاداء بشكل عام في الفترة المقبلة حيث توجد العديد من المناسبات التي يزداد فيها الطلب على المشغولات والمجوهرات الذهبية وهناك سبب رئيسي آخر وهو أن مشتري الذهب أصبح على قناعة أنه يستثمر ويدخر من خلال شرائه المشغولات الذهبية

فالعميل أصبح على درجة عالية من الوعي والدراية بالأدوات الاستثمارية المختلفة وما يدور بالأسواق، ويعرف ان الذهب مرشح لكسب المزيد من المزايا السعرية وان ما يشتريه اليوم تزداد قيمته غداً، ولعل التطورات الأخيرة بالأسواق العالمية أثبتت وأكدت بالفعل ان الذهب لا يزال يحافظ على قيمته التاريخية كوسيلة ادخار آمنة ومضمونة مقارنة بالوسائل الاستثمارية الأخرى.

ويؤكد بركات ان الأسهم والعقارات لن تجذب البريق من الذهب ودليل ذلك هو هذه الزيادة الكبيرة في عدد المحلات والتجار الذين يشتغلون ويعملون في تجارة الذهب حيث يقدر عددهم بحوالي 1500 محل تستقطب دبي وهي مدينة المال والأعمال والذهب على النسبة الأكبر منها،

لافتا إلى ان العائد من تجار الذهب قد يدور بين 4 ـ 5% سنويا ولكن تدوير رأس المال في هذه التجارة يدر عائدا يتراوح بين 15 ـ 20 سنويا ولذلك فإن الاستثمار بالذهب يكون مربحا للتجارة في سوق نشطة مثل سوق الإمارات.

وقدر بركات حجم الاستثمارات بقطاع الذهب بحوالي 15 مليار درهم ليكون من أفضل القطاعات الاقتصادية بل قد يكون الثاني بعد العقارات من حيث حجم الاستثمارات التي تضخ فيه،

لافتا إلى أن افتتاح بورصة الذهب والسلع في دبي في شهر نوفمبر الماضي سيعمل على تعزيز مكانة دبي العالمية كمدينة للذهب خاصة وانها تقع وسط منطقة يتم فيها استهلاك 50% من الذهب العالمي فهي تتوسط منطقتي التصنيع والاستهلاك في العالم.

نصيب الفرد بالإمارات

ويقول بركات ان معدلات الاستهلاك الفردي في الإمارات هي الأعلى في العالم حيث يزيد على 3.8 غرامات للفرد الواحد، ويعود ذلك إلى المستوى الاقتصادي المتميز، حيث أن الدخل يعد من أعلى المستويات في دول الخليج والمنطقة وهو أدى إلى ارتفاع مستويات المعيشة وارتفاع القدرة الشرائية لدى المواطنين والمقيمين،

كما أن الذهب له ثقافة تاريخية ترتبط بإنسان هذه المنطقة كما سبق وان ذكرت، ووجود جاليات مثل الجالية الهندية التي تعتبر الذهب زينة وقيمة في الوقت نفسه، ولاشك في إن هذه العوامل تعزز من حركة النمو في المبيعات في المستقبل أيضا.

وقال ان وارادات الإمارات من الذهب يتوقع ان تزيد على 600 طن متري مع نهاية العام الحالي وبنسبة زيادة 20% على الواردات بالعام الماضي ووفقا لمؤشرات الأداء الفصلية او الربع السنوي ويتم تصنيع واستهلاك 120 طنا منها داخل الدولة ويتم تصدير وإعادة تصدير 480 طنا منها إلى الخارج سواء في شكل مشغولات ذهبية أو سبائك إلى العديد من الدول العربية والإفريقية والآسيوية.

ولا شك إن السوق العراقية أصبحت حالياً من الأسواق الواعدة، حيث سجل الطلب على المشغولات الذهبية من دبي بالنصف الأول من العام 2005 حوالي 576 مليون درهم، حيث تم تصدير 6.9 أطنان،

حيث إنه في زمن الحرب والاضطرابات يصبح المعدن الأصفر الملاذ الآمن للناس باعتباره العملة الأكثر أماناً في العالم. أما بالنسبة لحجم المبيعات بالسوق المحلية فيتوقع أن يتجاوز 7 مليارات درهم، وبنسبة نمو 25% عن العام الماضي، وهو رقم كبير يدل على حجم هذه السوق والتعاملات فيها.

زيادة مستمرة

وحول التوقعات المستقبلية لأسعار المعدن الأصفر على المستوى العالمي، يثور نوع من الجدل والغموض حول توجهات سعر المعدن، فالبعض يرى أنه سيتجاوز حاجز 600 دولار للأونصة، وآخرون يرون أنه سيدور بين 550 ـــ 600 دولار، بل البعض أكثر تفاؤلاً في هذا المجال، ويلفتون إلى أن السعر ما بين 450 ـــ 500 دولار للأونصة.

ويقول معاذ بركات والذي توقع منذ عام مضى أن يرتفع السعر إلى 500 دولار للأونصة: إننا مع احترامنا لكل هذه الآراء فإن هناك عوامل عديدة تحدد سعر الذهب على المستوى العالمي ومن أهم هذه العوامل عدم الثقة في الأسواق العالمية وفي الأدوات الاستثمارية الأخرى

واستمرار ارتفاع أسعار النفط إضافة إلى موقع الدولار الأميركي والذي يعاني من الضعف مقابل العملات الرئيسية الأخرى، ولقد شهدنا في الأيام الأخيرة تسجيل الذهب لمستويات سعرية لم يسجلها منذ ربع قرن بسبب هذه العوامل ولجوء المستثمرين إلى الذهب عبر محافظ متنوعة وصناديق المعاشات،

بهدف المضاربة وتحقيق الأرباح إضافة إلى النقص الحاد فيما يسمى بالذهب الكسر الذي يعاد تدويره، ولذلك ارتفع الطلب على الذهب الخام، كما أن من الأسباب الأخرى والأكثر أهمية أن البنوك المركزية لم تقم ببيع سوى 200 طن متري من احتياطياتها الذهبية، بينما كان المستهدف هو بيع 500 طن وقد أثر ذلك على حالة العرض بالأسواق العالمية.

الأسهم والذهب

وقد شهد العام 2005 منافسة قوية للذهب من بعض الأدوات الاستثمارية في السوق المحلية، ويقول سالم الشعبي وهو من تجار الذهب الكبار في أبوظبي إن الأسهم والعقارات جذبت العديد من المستثمرين ومنهم تجار ذهب إليها خلال العام 2005، وذلك نتيجة للفروقات الكبيرة في نسبة الربحية والعائد،

حيث لا تتجاوز في تجارة الذهب نسبة الربحية 4%، بينما تزيد على ذلك بكثير في الأسهم والعقارات، وإذا كان الذهب كما يقال سوقه جيد طالما هناك نساء فإن الفترة الأخيرة شهدت تحولاً في توجهات الإناث، حيث أصبحن يشاركن الرجال في التعامل بسوق الأسهم والتي جذبت نسبة كبيرة من عملاء الذهب،

وهذه الفئة تنظر إلى المجوهرات على أنها من الكماليات، ومعظم التجار يشعرون بهذا التحول في الفترة الأخيرة، ولكني أعتقد أن ما يحدث في قطاع الأسهم هو أمر وقتي مرتبط بالأرباح الكبيرة والمحققة للمستثمر بالأسهم بالفترة الحالية وسيبقى الذهب والمجوهرات محور اهتمام المجتمع.

ولفت إلى أن السوق المحلية سوق نشطة ولم تتأثر كثيراً سواء بارتفاع أسعار الذهب، حيث هناك مناسبات تفرض على الجميع التوجه إلى سوق الذهب والمجوهرات مثل الأعراس والأعياد والمناسبات الاجتماعية وهي عوامل تصل في صالح الأداء بسوق الذهب.

ويتوقع الشعيبي أن يكون الأداء أفضل في العام المقبل في ظل الانتعاش الاقتصادي الذي تعيشه دولة الإمارات، حيث إن توافر السيولة نتيجة جني الأرباح من الأسهم يفسح المجال لانتعاش الأداء بالسوق، كما أن العديد من الشباب أصبحت لديهم فرص أفضل لتكوين أسهم جديدة بفضل هذه الأرباح.

ويذكر الشعيبي أن التجار يفضلون استقرار أسعار الذهب وسعر ذهب منخفض أفضل لنا كتجار، من حيث تحقيق نسب مبيعات أفضل، لافتاً إلى ضرورة لفت انتباه القائمين على تنظيم المعارض المخصصة للذهب والمجوهرات إلى منع المشاركين الأجانب في هذه المعارض من البيع المباشر للجمهور حفاظاً على الثقة بالسوق المحلية، وحفاظاً على حقوق المتعاملين مع هؤلاء العارضين في حال اكتشاف أية عيوب. ونأمل أن نرى ذلك في المعارض التي ستنظم بالعام المقبل.

تحقيق مصطفى عويضة