دعا د.علي محمد فخرو أحد الأكاديميين المعماريين الخليجين، علماء الاجتماع في المنطقة لدراسة الآثار الاجتماعية والنفسية والثقافية لموجة الحداثة العمرانية، وأشار في دراسة له إلى ان هناك مرض التقليد الأعمى الذي لا نريد أن نشفى منه من جهة وهناك في الوقت نفسه عدم القدرة على التحسس المبكر لتوجهات المستقبل الجديدة في المجتمعات التي نقلدها من جهة أخرى«.

وقال »كل مدن العالم تقبع وراء أقنعة تخفي ملامح وجهها الحقيقي وصورها ليست إلا مرآة تعكس ما هو أمامها ولكنها تخفي ما هو خلفها. وهذا ينطبق على ما نشاهده من صور تنشرها الصحف وأفلام نشاهدها على التلفزيون للمدن الكبرى في دول مجلس التعاون.

ويضيف الدكتور فخرو« في تلك الصور والأفلام تبدو مدن الخليج مشابهة تماماً لمدن الحداثة في دول الشرق والغـرب المتقدمة. شوارع واسعة تتقاطع معها جسور معلقة، ناطحات سحاب مرتفعة في شكل علب كبريت مضغوطة تحتل وسط المدن التجاري أو تنتصب شامخة في شكل مجمعات وظيفية كمجمعات الإعلام أو البنوك أو الترفيه.

وبينما تنتشر تلك الحداثة المعمارية تختفي الأسواق القديمة ودكاكين الأحياء النابضة بالتواصل الإنساني.هذه الصورة تمثّّّل الانتقال إلى مرحلة جديدة في بناء المدن الخليجية بعد أن صرفت الحكومات السنوات الأولى من حقبة البترول في تأسيس البنية التحتية من كهرباء ومجار إلخ...

إنها مرحلة الحداثة المعمارية التي ترتكز على التفكير المنادي بأن يخضع تخطيط المدن وبناؤها لمعايير كبرى وإنشاءات ضخمة ذات تقنية عالية وعمارات خالية من أية زخرفة أو شخصية.

ولقد اشتد مؤخراً التنافس بين مدن دول مجلس التعاون على إحراز قصب السبق في عدد ناطحات السحاب وكبر حجمها ليصبح ظاهرة ملفتة للنظر. ولذلك، وقبل أن تستفحل الجوانب السلبية لهذه الظاهرة، نحتاج إلى إعطاء اهتمام خاص بالآتي:

أولا: هناك مرض التقليد الأعمى الذي لا نريد أن نشفى منه من جهة وهناك في الوقت نفسه عدم القدرة على التحسس المبكر لتوجهات المستقبل الجديدة في المجتمعات التي نقلدها من جهة أخرى.

فالبناء الحداثي المكثف ذو النمط الواحد والذي لا يراعي اختلاف الأذواق ولا يعترف بأهمية التاريخ هو جزء من الفكر الرأسمالي ومن بعض قيم الحداثة في الغرب. لكن الغرب الذي يضع اليوم كل حداثته تحت المساءلة يشهد موجة كبيرة للانتقال إلى تخطيط وتصاميم ما بعد الحداثة التي ترفض النمطية والأحادية في البناء وتهتم بالأذواق الفردية وبتاريخ التراث العمراني للمجتمعات وبالزخرفة، بل وبالأذواق الشعبية.

وهناك توجه عند البعض، من أجل أنسنة المدن، أي أن تصبح المدينة عبارة عن مجموعة من الوحدات الصغيرة المتكاملة التي تلبي أغلب حاجات الإنسان اليومية وتجعل تنقله في المدينة محدوداً وتخفٍّف من فوضى وتزاحم حركة المرور. ولذلك فإننا في الواقع قد وصلنا متأخرين ونركب نهاية موجة الحداثة العمرانية التي في طريقها للانتهاء بدلاً من ركوب الموجة الجديدة.

ثانيا: هناك حاجة ملحة لأن ينبري علماء الاجتماع في المنطقة لدراسة الآثار الاجتماعية والنفسية والثقافية لموجة الحداثة العمرانية عندنا. ذلك أن تجارب البلدان الأخرى أظهرت أن تواجد المباني الشاهقة الفخمة والبيوت الكبيرة، والتي جميعها تمثل ما يعرف بالرأسمال الرمزي الذي يملكه في الغرب أصحاب المال والجاه والسُّلطة،

تواجدها بجانب مساكن المجموعات الفقيرة المعدمة بما فيهم جيوش العمال الأجانب المقهورين قد أدي إلى انفجارات غضب وحوادث شغب وعنف في تلك المدن. وبكل تأكيد لا يمكن إسقاط هذه النقطة على المنطقة الخليجية لعدم وجود طبقات فقيرة ومعدمة نظرا للمستوى المعيشي الذي يعيشه المواطن الخليجي.

ثالثا: وحتى في المدن والأحياء السكنية التي تبنى لذوي الدخل المحدود هناك حاجة للابتعاد عن النمطية والأحادية في التصاميم، خصوصاً وأن التصميمات من خلال الكمبيوتر تسمح بالأخذ بعين الاعتبار أذواق الأفراد وتنوع الاستعمالات والثقافات المحلية.

فالمدن هي في الأساس تنظيمات مكانية لخدمة أهداف اجتماعية ونفسية وجمالية للفرد وللجماعات على السواء وليست فقط للكفاءة الاقتصادية.والواقع أنه فيما عدا بعض المدن في الإمارات وسلطنة عمان التي تمتاز باهتمام ملحوظ بالتراث الجمالي العمراني، فإن عمران المدينة الخليجية الحداثي يشير إلى عواقب مستقبلية يجب تلافيها.

ما هي الاستعارة في التصميم

كثيرا ما يستخدم هذا المصطلح (استعارة) من قبل الطلاب أو يُسأل عنه الطلبة بخصوص مشاريعهم فكما تعلمون عهد البدء من الصفر في التصميم قد اثبت فشله في التيارات المعمارية السابقة لعدة أسباب يمكن ان نتعمق بها في موضوع لاحق.... فلا يمكن لمشروع ان يبدأ من الصفر بدون مرجع سابق (نحن نتكلم الآن عن المستوى الشكلي أي التجسيدي للفكرة.

فماذا نقصد بالاستعارة

الاستعارة هي وحسب تعريف دائرة المعارف البريطانية.... هي رمز من الكلام يمثل مقارنة ضمنية بين كيانين غير متشابهين. أي ان المصمم يحتاج للتعبير عن فكرته (أي الرسالة) إلى ان يستثمر اللغة السابقة للتعبير عن تلك الفكرة (تجسيدها)لماذا نعتمد على لغة سابقة للتعبير عن فكرتنا...؟

السبب بسيط جدا وهو لكي تصل تلك الفكرة للمتلقي يجب ان تصل عن طريق لغة ذات دلالات مفهومة لديه. ما حدث من خلل في التيارات المعمارية السابقة والتي بدأت أشكالها من الصفر وكانت في الحدود القصوى للتجريد انها استخدمت لغة جديدة للتعبير عن رسالتها الجديدة اي خلق رسالة جديدة ذات لغة خاصة غير مفهومة من قبل المتلقي أو لا تحمل دلالات سابقة في ذهن المتلقي لكي يترجمها...

فالفهم للرسالة الجديدة ذات اللغة الخاصة ينحصر بالمصمم أما المتلقي فتكون الدلالات لديه واسعة تصل إلى التأويل اللانهائي فيفقد المتلقي بذلك الصلة بالنص (الفكرة) ويصل إلى حالة الانقطاع عنه، وبالمناسبة ليس فقط استخدام اللغة الجديدة لرسالة جديدة هو ما يسبب الانقطاع لدى المتلقي فالمسالة تتراوح بين النسخ من المراجع (مصادر الاستعارة) بنسبة 100% أو التجريد العالي للمصادر بنسبة 100% فيحصل الانقطاع...

التوازن بين الحالتين هو ما يخلق التأويل الممتع للنص أو يبقي التواصل مستمراً لدى المتلقي بحيث تتعدد قراءات النص ولكن مع تحديد مجالاته لكي يصل إلى الرسالة المطلوبة ولا ينقطع عنها.

مصادر الاستعارة

تعددت مصادر الاستعارة بين ما هو من داخل العمارة : من أنماط ابنية معينة قديمة أو حديثة ترتبط بالفكرة وبين ما هو من خارج العمارة سواء من الأدب (قصص، أساطير، أمثال) من الطبيعة (النهر، الجو، الجبال، الأشجار) من الفن (رسوم، منحوتات، ....) او من مصادر من صنع الإنسان (سفينة، سيارة) وهنا يأتي موضوع التداخل بين الحقول المعرفية كافة.

لماذا نستخدم الاستعارة ؟

تكون الاستعارة مبرراً للعلاقات والأشكال والأنظمة المستخدمة ومصدرا لها ويدخل قصد المصمم هنا ـ سواء كان الرجوع إلى التراث وتكوين هوية، ـ التهكم على فترة معينة.... مثلا قصر فيرساي _ منزل للفقراء، ـ ايصال رسالة معينة تعبر عن فكرالمصمم او ابناء جيله).

أنواع الاستعارة

يمكن تصنيف الاستعارة بشكل أولي إلى استعارة مباشرة (صورية)، واستعارة غير مباشرة (وضع الشيء في غير مكانه هناك تصنيف اخر اكثر تفصيل هو:

* الاستعارة النصوصية

تعتمد على التشابه أو التفاوت بين المفردة الاستعارية والفكرة المراد التأكيد عليها (مثل استعمال القباب أو الأقواس أو العظام أو الجماجم... الخ.

* الاستعارة الصورية

التي تقفز مباشرة إلى الذهن وتنتقل مباشرة إلى العامة وتعتمد على التواصل البصري المباشر ـ (مثل مطار twa التعبير عن الطيران من خلال شكل الطائر في حالة الهبوط ـ أوبرا سيدني التعبير عن المركب الشراعي باستخدام الأشرعة).

* الاستعارة الهيكلية

* تعتمد على تجريد المفاهيم والعلاقات المرتبطة بالفكرة التصميمية ومن ثم ربطها بالاستعارة المناسبة (فهي علاقات سلبية وايجابية: الايجابية هي حضور المعنى أو المعلومات الخاصة بالشيء والسلبية هي المعنى المتكون من خلال العلاقات الجديدة المتكونة ـ أي المعلومات المضافة إليه من خلال وجوده في السياق الجديد وبعلاقات جديدة)

كتب مشرق على حيدر