تعد بلدة جلاشويت في شرق ألمانيا التي كانت تشتهر قديما بالتعدين نادرة من نوعها في صناعات مثل الساعات الجميلة المعقدة التي ينتجها صناعها المهرة. وفي هذه البلدة الجميلة ينتج صناع الساعات التقليديون ساعات يشيد بها الخبراء وقد يصل ثمن القطعة الواحدة منها الى نحو 500 ألف دولار مما يجعل من جلاشويت قصة نجاح اقتصادي نادرة في منطقة يبلغ معدل البطالة فيها نحو 17 بالمئة.

وكانت جلاشويت في قلب صناعة الساعات الفاخرة التي تنافس سويسرا حتى دمر القصف الروسي ورشها الرئيسية يوم انتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا.

كما ان التأميم الإجباري للشركات المملوكة لاسر و40 عاما من الشيوعية دفن فيما يبدو ما نجا من القصف الروسي الى ان أحدث سقوط حائط برلين انتعاشا غير متوقع غذاه الطلب الكبير على الساعات الميكانيكية الفاخرة.

وتتكلف الساعات الذهبية والبلاتينية التي تنتجها حاليا ايه. لانج اند سوين وجلاشويت اوريجينال أكبر شركتين في البلدة القريبة من الحدود التشيكية آلاف الدولارات وتنافس كبار صناع الساعات في سويسرا مثل باتيك فيليب او فاشيرون. يقول كريستيان فايفر بيلي رئيس تحرير مطبوعة كلاسيك اورين المختصة بالساعات »انها حقا ساعات جميلة للغاية«.

وشجع نجاح الشركتين شركات أخرى مثل نوموس وهي شركة جديدة تنتج ساعات أرخص قليلا ذات شكل مميز يذكر بمدرسة باوهاوس في التصميم في العشرينات من القرن الماضي.ويقول فايفر بيلي ان جلاشويت »اسم ألماني جداً... ويحقق نجاحا كبيرا في المانيا لان هناك الكثيرين الذين يعرفون لانج كعلامة تجارية كبيرة من العهود السابقة«.

ويعمل نحو 800 شخص حاليا في صناعة الساعات في جلاشويت في ساكسوني وهو نجاح كبير في منطقة انهارت فيها تجمعات صناعية كبيرة منذ إعادة توحيد شطري ألمانيا عام 1990.

وآفاق المستقبل تبدو مواتية فالاقتصاد العالمي يتحسن بما في ذلك انتعاش اقتصادي في اليابان التي يهتم أهلها كثيرا بالعلامات التجارية مما أثار طلبا كبيرا على السلع الفاخرة منذ بداية هذا العام.والموقع النائي للبلدة التي تقع في منطقة ارتسجبرج خارج درسدن مثالي لصقل المهارات الخاصة لصناع الساعات التقليديين.

تقول كريستين ريختر وهي تدير برفق مفتاح ضبط الدقائق في ساعة لم تكتمل بعد تنتجها لانج »نحتاج للهدوء وللقدرة على التعامل مع مشكلات بالغة الصعوبة«. والتعقيد الرائع لآلية عمل الساعة ودقة كل مكون صغير هو ما يجتذب المتحمسين المستعدين لدفع ثمن منزل لشراء ساعة يد يعرف منها صاحبها الوقت مثلها مثل أي ساعة الكترونية ثمنها عشرة دولارات فقط.

واعقد ساعات لانج وهي »توربوجراف الجديدة« تحتوي على أكثر من ألف قطعة منها سلسلة لنقل الحركة في سمك شعرة مكونة من 633 جزءا لتبقي على عزم تدوير الساعة ثابتا.

هذا المكون بالاضافة الى »التوربيلون« وهو مكون دوار معقد صمم لمعادلة الأثر السلبي للجاذبية على آلية عمل الساعة يعتبران قمة فن صناعة الساعات ويفسران بعض الشيء وصول ثمن الساعة توربوجراف الى 380 الف يورو »447500 دولار«.

وفضلا عن الدقة الميكانيكية فان سحر الشركات التي لا تنتج سوى بضعة آلاف من الساعات سنويا مؤكد وترجع جذوره الى العادات الخاصة في هذه البلدة. فعندما أسس فرديناند اودلف لانج وهو رجل شديد التدين أول ورشة ساعات في جلاشويت في عام 1845 قام بتدريب عمال محليين منهم من يصنعون السلال واكد بشدة على أهمية تطوير المنطقة التي كانت فقيرة في ذلك الوقت.

وخلال القرن التالي وبعد ان اتبعت اسر أخرى خطى لانج أصبحت البلدة معروفة على مستوى العالم في عام 1898 عندما أهدى القيصر فيلهلم الثاني سلطان تركيا ساعة رائعة مرصعة بالجواهر من صنع لانج موجودة الآن بمتحف توبكابي في اسطنبول.

وعمل والتر لانج حفيد لانج الذي شق طريقه وسط أنقاض مصنع العائلة عام 1945 بوعي على البناء على الحرفة القديمة منذ أن عاد في عام 1990 مع شريكه جونتر بلوملين لاعادة طرح علامة لانج التجارية.

ويرجع الكثير من النجاح للمستثمرين الأجانب فكل من لانج التي تملكها حاليا مجموعة ريتشمونت وجلاشويت التي أصبحت جزءا من شركة سواتش اصبحتا في أيد سويسرية.

لكن المهارة الفنية للحرفيين المحليين ظلت باقية في العهد الشيوعي بفضل شركة في.اي.بي جلاشويتر اورينبتريب »جي.يو.بي« المؤممة. وكانت الشركة تبيع ساعات ميكانيكية رخيصة للغرب مقابل العملة الصعبة.

وقال فرانك مولر رئيس جلاشويت اوريجينال الشركة التي ظهرت بعد خصخصة جي.يو.بي عام 1990 »السبب الرئيسي وراء الانتعاش كان الفترة من 1951 الى 1990«.

ففي حين كانت صناعة الساعات في الغرب مدمرة بسبب اختراع ساعات الكوارتز الأكثر دقة والأرخص ثمنا بكثير من الساعات الميكانيكية ظلت صناعة الساعات الألمانية باقية بدعم من الحكومة«.وقال مولر »كان من المهم للغاية الا تضيع معرفة وخبرة صناع الساعات هؤلاء«.

(رويترز)